التفريق بين الزوجين بسبب عدم الكفاءة.. قضية اجتماعية أم شرعية؟

لطفي عبداللطيف
(عدم الكفاءة بين الزوجين) قضية شغلت الكثيرين واحتدّ الجدال حولها، خاصة بعد الحكم النهائي الصادر بتطليق زوجة من زوجها لهذا، وبعيداً عن أحكام القضاء التي يرضخ الجميع لها، ودون مناقشة هذا الحكم أو غيره لأن هذا اختصاص الهيئة القضائية وقضائها وهم مستقلون في أحكامهم، فإننا نطرح هذه القضية من زاويتين أساسيتين، الزاوية الاجتماعية وهل هذه القضية تخص المجتمع وعاداته وتقاليده وموروثاته، ولكل أسرة ظروفها، أم هي قضية شرعية النظر فيها لأهل العلم، من العلماء والفقهاء، وليس كل ما تجيزه العادات والتقاليد موافقاً للشرع..!!

هذا هو هدفنا من طرح موضوع الكفاءة بين الزوجين، التي قد يتنبه البعض لها مؤخراً بعد زواج وأولاد وعلاقات اجتماعية، وهناك من يرفضها منذ البداية، ويرفض الحديث فيها، لأن هذا حكم البيئة التي يعيش فيها.

والسبب في طرحنا القضية أن الموضوع لم يعد يتعلق بحكم لصالح أسرة ضد زوج ابنتهم لأنه (دلّس) عليهم، وأخفى حقيقته ونسبه عنهم، بل لأن هناك حالات أخرى اتخذت من هذا الحكم طريقاً لإثارة قضايا مشابهة، وهناك من يزعم بوجود عشر حالات في مناطق مختلفة تطلب التفريق بين زوجين لعدم الكفاءة، ومن ثم فالقضية ليست في (فاطمة) و(منصور) التي أيدت محكمة التمييز الحكم الابتدائي بالتفريق بينهما، بل هناك قضايا مشابهة، وهذا ما أعلنه محامي (منصور) و(فاطمة) الذي أكد أنه تلقى اتصالاً بوجود حالتين متشابهتين، ولكنه لم يوكل عنهما بالدفاع، ولم يستبعد المحامي إبراهيم البحري وجود حالات مشابهة بل جزم أن لديه قضيتين يترافع عنهما لنفس السبب (عدم الكفاءة).
ومن ثم فالقضية ليست قضية (فاطمة) و(منصور) أو رانيا بوعينين وزوجها المهندس سعود الخالدي وهما ينتظران حكم التمييز بعد أن قضى حكم ابتدائي بالتفريق بينهما بل هناك العديد من القضايا المشابهة.

لا أحد يتدخل في القضاء:
* الدكتور إبراهيم بن حمد القعيد عضو المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وعضو المجلس البلدي المنتخب بالرياض تعرض لقضية التفريق بين الزوجين بسبب الكفاءة أو النسب من زاويتين الأولى: وجوب احترام القضاء وأحكامه، لأن القضاء السعودي هيئة مستقلة، وعلى الجميع أن يرضخ لأحكامه ومن ثم فإن مناقشة حكم نهائي صادر من أعلى درجات التقاضي أمر غير وارد من أي شخص.. الزاوية الثانية: حق التقاضي هو حق مكفول لأي شخص، أن يلجأ إلى المحكمة ويرفع دعوى إن كان له حق أو متضرر من أي شيء، وهذا حق شرعي وقانوني، وكفلته النظم واللوائح في البلاد.

وعن دور الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تجاه قضايا التفريق بين الزوجين بسبب عدم الكفاءة قال الدكتور القعيد: الجمعية لا تتدخل في أحكام القضاء بل تحترم الأحكام القضائية، ولا تناقشها، فلا أحد حتى السلطة السياسية يتدخل في طريق حكم القاضي ولا كيف يحكم فهذا أمر متروك للجهة القضائية، أما نحن كجمعية وطنية مهتمة بحقوق الإنسان فمهمتنا المراقبة الشعبية، والتأكد أن الإجراءات والأنظمة واللوائح التي وضعت من قبل الدولة تنفذ وتسير عليها، وهذا هو الأهم، لأننا ولله الحمد لدينا أنظمة ولوائح وإجراءات تكفل جميع الحقوق، ومن ثم علينا التأكد من تنفيذ هذه اللوائح والنظم، وإذا وجدنا أن بعض الإجراءات لا تحقق العدالة فإن علينا أن نعيد النظر فيها، ونطالب الجهات المختصة بذلك، وأشاد د.القعيد بالتعاون بين وزارة العدل والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وقال: هناك تغييرات وإصلاحات تتم وهذا ما نلمسه جميعاً ولكن قد يكون هناك بطء في نظر القضايا بسبب كثرة القضايا وقلة عدد القضاة في المملكة الذين لا يتجاوز عددهم الـ500 قاضٍ.

وأضاف د.القعيد: نحن جهاز رقابة شعبي ولسنا جهازاً تنفيذياً، وعملنا يتوقف عندما تدخل القضية للمحكمة، وينظر فيها القاضي، وإن كنا نتابع بعض الحالات التي ترد لنا فيها شكاوى ونتأكد من تطبيق الإجراءات، أو نرفع بها إلى وزارة العدل.
وقال د.القعيد: إن قضية التفريق بين الزوجين بسبب عدم الكفاءة، ادركناها منذ زمن بعيد، وأدركنا خطورة الأمر، ونحن في أشد الحاجة لإدخال اصلاحات على نظامنا القضائي حتى يواكب الايقاع السريع للمشكلات والنظرة العالمية لحقوق الإنسان، وقد اتخذت القضية الأخيرة وهي التفريق بين الزوجين مادة للإعلام لمحاولة الإساءة لنا، رغم وجود قضايا أكبر منها.
ونفى د.القعيد عدم اهتمام اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بالقضية وقال: نحن نتابع هذه القضية وغيرها ولدينا أكثر من 6600 شكوى خلال عامين فقط حققنا في 75% وهذا إنجاز للجمعية.

أثر سلبي:
أما الدكتور صالح بن ناصر الأكاديمي بجامعة الملك سعود فقد نظر إلى قضية التفرقة بين الزوجين بسبب عدم الكفاءة الاجتماعية من منظور المتغيرات الدولية، وقال مع تأكيدنا على عدم التدخل في شؤون القضاء، ولا تعقيب على الأحكام النهائية فإننا ننظر إلى مثل هذه القضايا وليست قضية بعينها من منظور ما سيحدث في المحافل الدولية، والتناول السلبي، وعلينا أن نقول للرأي المخلص الذي فيه مصلحة وطننا وديننا لأن هذا ما يهمنا، وخاصة أن هناك آراء شرعية مختلفة تجاه القضية، ولابد من التدخل بالرأي السديد، وقال د.صالح بن ناصر: إن دور الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالتدخل بالرأي والمشورة في مثل هذه القضايا المثيرة للجدل.

العادات والتقاليد:
وترى الكاتبة سهيلة زين العابدين حماد عضو المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في قضية التفريق بين الزوجين بسبب الكفاءة سيطرة لنزعة قبلية وللعرف والتقاليد المتنامية، وهو الذي تحكم في إثارة هذه القضية وإثارة غيرها من القضايا المشابهة التي بدأت تخرج على النور ويعلن أصحابها عنها.

وقالت سهيلة حماد: إن القضية موجودة من زمن في المجتمع وقد تكون أقيمت دعاوى مشابهة ولم ينشر عنها ولكن لأن أحد الأطراف في هذه القضية أخذ على عاتقه مهمة نشرها، والتحدث فيها هو الذي أثار ضجة حولها فقد تحدث في الكثير من وسائل الإعلام بل لم يترك وسيلة إلا وتحدث فيها، وهو نفس الأمر بالنسبة لقضية رانيا الباز التي ظهرت حالتها التي رأيناها عليها وعندما ظهر والدها في وسائل الإعلام.
وأضافت سهيلة حماد قائلة إن البعض يُلبس قضية التفريق بين الزوجين بسبب عدم الكفاءة لباس الإسلامي وهذا لا يصح لأن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تقول بالتمايز العنصري أو القوي أو أي شيء سوى التقوى، فالإسلام ألغى التمايز القبلي، وحقق المساواة بين الناس، والأحاديث النبوية والآيات القرآنية يعرفها الجميع الدالة على ذلك، فنحن جميعاً خلقنا الله والتمايز لن يكون إلا بالعمل والإيمان.
وترى سهيلة حماد القضية من منظور اجتماعي موروث، وإن كانت بعد الحكم في القضية الأخيرة صارت قضية شرعية، لأنه صدر فيها حكم شرعي، وصار ملزماً بعد أن صدقت عليه هيئة التمييز.
وتقول إن الضرر ليس فقط على أولاد الزوجين بل الضرر في مثل هذه القضايا يقع على المجتمع بأسره، وعلى الأمة الإسلامية، وهذا يناقض المادة 12 من النظام الأساسي للحكم ويهدد سلامة النسيج الإسلامي ووحدتنا الوطنية، وتطالب سهيلة حماد مجلس القضاء الأعلى بأن يصدر توجيهات بعدم قبول دعاوى التفريق بين الزوجين بسبب الكفاءة.

قضية اجتماعية!!
ويرى الدكتور بندر المحرج عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن قضية التفريق بني الزوجين بسبب عدم الكفاءة قضية اجتماعية لا علاقة للدين فيها فهناك من يقول الأخذ بالكفاءة في النسب، وهناك من لا يقول بذلك، ومسألة الزواج هي رضى وقبول من الطرفين، ولكن أيضاً لا يمكن أن ننفي علاقة الدين كلياً بهذه المسألة.
ولكن القضية يجب أن تعالج اجتماعياً وفي اطار بُعدها المجتمعي، خاصة وجود بعض المقيمين الذين ليسوا من أهل البلد ويعيشون بيننا.
وقال د.بندر المحرج: أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده وموروثاته، والعرب منذ قدم التاريخ وهم يتمسكون بمسألة الانساب، وهناك بعض القبائل لا تزوج بناتها خارج القبيلة، ولذلك عندما نتعرض لقضية (منصور) و(وفاطمة) علينا أن نكون منصفين، ولابد أن يكون لدينا القدر المناسب من المعلومات، وأنا ليس لدي اطلاع تفصيلي عن الدعوى وما جرى فيها، وإذا كنا نطالب بالانصاف فأيضاً الانصاف يكون من كل الأطراف، فلابد أن يكون الرجل عندما يتقدم لخطبة فتاة أن يكون واضحاً وصريحاً، وتكون معلوماته صحيحة عن نفسه وأسرته، وإذا علم والد الفتاة أن هناك معلومات خاطئة تقدم بها الشاب يجب أن يفرق بينه وبين الفتاة قبل الزواج، أما إذا وقع الزواج فالمسألة لابد أن تبحث من قبل ولي أمر الفتاة وإذا كان الزواج انعقد بمخالفة شرعية فمن حق ولي أمر البكر أن يطالب بفسخ عقد النكاح، وعموماً هذا الموضوع معقد وشائك لتداخل أطراف كثيرة فيه.

وقال د.المحرج: إننا نعيش في ظل مجتمع له خصوصياته وعلينا أن ننظر إلى المجتمع الذي نعيش فيه، هل يقبل هذه الزيجات أم لا، وأن القضاء لم يتدخل في القضية بل نظر في دعوى رفعت إليه من بعض أطرافها، والنظام الأساسي في الحكم سهل حق التقاضي للجميع ولا يصح أن ترفض دعوى انطبقت عليها شروط التقاضي، وقد اصدر القضاء حكمه في الدعوى، وأنه – أي القضاء – لا يقنن المخالفات، بل هو الجهة المرجعية من الناحية الفقهية والاجتهادية ويستطيع صاحب الدعوى أن يواصل قضيته.

والحل كما يراه د.بندر المحرج في رفع مستوى الثقافة الاجتماعية في أمور كثيرة والاستعانة بخبراء علم الاجتماع في هذه المسائل وأن يكون لهم اليد الطولى في مناقشة هذه القضايا.