مع سلمان العودة وكفاءة النسب

عبدالعزيز محمد قاسم

لا أزال أتذكر بكثير من الحرج حادثة وقعت لي العام الماضي مع فضيلة الشيخ الصديق سلمان العودة، أشعر بمرارتها في نفسي كلما أطالع أبا معاذ في برنامجه الشهير (الحياة كلمة)، ذلكم أنني ألححت عليه وطوال سنتين أن يكرمنا بزيارته في مقر صحيفة (المدينة)، وبعد لأي ومشقة وطول انتظار، وتوسّط داعيتنا الأحبّ عايض القرني، فسح لنا من وقته المزدحم حيّزاً، وضرب لنا موعداً في أحد المساءات، وبالطبع أعددت محاور الندوة ووجهت رقاع الدعوة لبعض الضيوف، بيد أنني كنت ذلك اليوم غاية في الإرهاق والجهد، وخمّنت أنني أستطيع أن أغفو لساعة أنشد فيها التجديد والحيوية للنفس، فوقـّتُّ المنبه في جوالي، وخلدتُ من فوري مطمئناً أغطّ في نوم عميق. سوداوية القصة تبدأ عندما استيقظت فجأة لانتبه إلى أن ساعتين انصرمتا على موعد أبي معاذ، وتلفتّ - مذعوراً - أبحث عن جوالي وأنا أحوقل وأتمتم بعبارات السخط، لأجده مسترخياً في يد ابنتي غادة ذات الأربع سنوات، وقد تسللت إلى مخدعي، وهربت بجوالي إلى غرفتها تمارس هوايتها في مطالعة صورها، ونامت وهي ممسكة به، لتوقع أباها في حرج بالغ مع الضيف ومع رئيس التحرير وضيوف الندوة، الذين قلقوا من غيابي،بيد أن الندوة سارت بسلام والحمد لله، وقد تولى إدارتها الدكتور فهد جزاه الله خيراً وأنقذ الموقف.

سقت هذه القصة بين يدي مقالتي اليوم لأعتذر من أبي معاذ، غير أنني أدلّ عليه بواحدة، وهي دعوتي من سنوات لشبكة الـ MBC بتخصيص برنامج أسبوعي له في قناة (العربية) كي يكون لنا (قرضاوينا) السعودي، وها هي الأيام أثبتت كم كان رهاني على أبي معاذ موفقاً وقد نجح في برنامجه الشهير، واستقطب فيما يبدو لي مشاهدين في خانة الستة أو السبعة أرقام والحمد لله، وكنت تمنيت إذاك أن يكون البرنامج في قناة (العربية) لأنها الأنسب لمثل هذا البرنامج الذي يتماثل مع برنامج (الشريعة والحياة) في قناة (الجزيرة)، وفي رأيي بعد هذا النجاح العريض للشيخ سلمان أن (العربية) هي من خسر.

في الجمعة الفارطة استمعت - كعادتي - له، وتسمّرت عندما جاء حديثه عن موضوع طليقة النسب، واستفزت حواسي جميعها كي استمع لما سيجيب به أبو معاذ، لمعرفتي بحساسية الموقف وخصوصاً مع عالم مثله في منطقة تزخر بهذه الحساسيات العرقية والطبقية، وعندما أجاب بالرأي الشرعي، ردّدت: أعانك الله أبا معاذ، ولكنه سرعان ما استدرك في إجاباته بضرورة مراعاة المجتمع ونظرته والخشية من حدوث الفتنة!! استرخيت، وقد ابتسمت ابتسامة عريضة لخط الرجعة الاحترافية هذه..

في كثير من محاوراتي مع رموز الصحوة الإسلامية، ردّدت بأن الصحوة - إبّان فورتها في الثمانينيات الميلادية - نجحت كثيراً في بثّ روح التدين في المجتمع، وصدِّ حملات التغريب التي أمطرنا بها، وكانت لها صولات موفقة مع أرباب الحداثة الفكرية، بيد أنه لم يواز ذلك كله محاولات للتصحيح في كثير من القضايا الداخلية كوضع المرأة والتقاليد الاجتماعية التي لا تتفق ومبادئ الدين، بل لم نرصد جهداً واضحاً في محاربة تلك التقاليد يماثل ما بُذل من تترس حيال محاولات التغريب الخارجية.

في تصوري المتواضع أن مسألة العصبية القبلية لا يمكن القضاء عليها في مجتمعاتنا العربية، وستظل سادرة إلى يوم القيامة، ولكن يمكن بالطبع تحجيمها وترشيدها، وتخفيف غلوائها عبر التصدي الشجاع من لدن رموز المجتمع وفي مقدمتهم علماء الدين، وشيوخ العشائر من الجيل الجديد المثقف، وسراة وعلية المجتمع المستنيرين، والمثقفون خصوصاً من ذوي الأصول القبلية من أولئك الذين تحمسوا للمجتمع المدني. كل هؤلاء إن قاموا بأدوارهم في توعية تلك العقول التي أشربت هذه العصبية، وكثفوها عبر المجالس الأسرية، والمحاضرات والإعلام، بل - والأكثر نجاعة - عبر المبادرة بضرب نماذج فعلية لخلخلة هذا العرف المتوارث المسكوت عنه، والذي يقوم على أساس طبقي مناقض صراحة لمبادئ الدين، وإلا فإن هذا النتن البغيض سيظل جاثماً ككابوس أسود، ويستفحل أكثر وأكثر، علماً أنها قد دخلت في الاحترابات بين الأطياف الفكرية، التي وَصم أحد أطرافها التيارَ الإسلامي شرعنة هذا العرف، والتستر عليه مساوقة للحلف غير المعلن بين الدين والقبيلة.

ما أجاب به الشيخ سلمان منطقي جداً، وكنت أتمنى أن يكمل بدعوة للمبادرة في تمدين تلك العقليات، والتحلي بالشجاعة للتغيير الايجابي المنتظر من الدعاة ومثقفي المجتمع المدني، والتنادي بوضع برنامج وطني لذلك..