تزويج الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم لبناته ولا أحد يكافئه دليل على عدم اعتبار الكفاءة شرطاً في صحّة الزواج

منال الشريف
تعتبر مسألة الكفاءة في النكاح من أكثر المسائل التي غلبت فيها العادات والأعراف، حتى جعلت كثيراً من الفقهاء يتوسعون في تفسير النصوص، أو يتساهلون في تصحيحها، من أجل تبرير العمل بالأعراف التي اعتادها الناس. والأساس الذي دفع الفقهاء إلى هذا الموقف أنّ من أهمّ مقاصد الزواج انتظام التفاهم والتعاون بين الزوجين، وهذا لا يتحقّق إلاّ بوجود قدر من التكافؤ بينهما في المسائل الأساسية، بحسب الأعراف السائدة في المجتمع. ولذلك قال الدكتور عبد الستار أبو غدّة – في رسالته المقدّمة إلى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث - الدورة الثالثة عشرة - (أمور الكفاءة تختلف باختلاف الزمان والبلدان والعادات والبيئات، فإذا كان العرف السائد أنّ أمراً منها لا يعتبر من متطلبات الكفاءة، فإنه يرجع إلى العرف، وهو معتبر في الشريعة. فإذا تغيرت نظرة المجتمع إلى النسب مثلاً أو الحرفة، باعتبار أنّ العمل بأي مهنة ليست محرّمة هو شرف للإنسان، فالعبرة بذلك العرف). ولعلّ هذا القول يلخّص حقيقة الموقف الشرعي عند الذين يقولون باعتبار الكفاءة من شروط النكاح.

سأتناول مسألة الكفاءة في النكاح في المباحث التالية: 
المبحث الأول: التعريف والشرح. 
الكفء لغةً: هو المثل والنظير. قال تعالى: (..ولم يكن له كفواً أحداً) أي ليس له نظير. والكفاءة لغةً: هي المماثلة والمساواة، وهي حالة يكون فيها الشيء مساوياً لغيره. والمقصود بها في النكاح أن يكون الزوج مساوياً لزوجته أو مقارباً لها، في أمور مخصوصة تختلف حولها أنظار العلماء والمذاهب. هذه الأمور التي تدور حولها الكفاءة يسميها الفقهاء: خصال الكفاءة وهي ما يلي:

1-الدين:
والمراد به هنا التقوى والصلاح والامتناع عن المحرّمات، ويزيد بعض العلماء الخُلق، بينما يعتبر غيرهم أنّ الخلق هو ثمرة التديّن فلا حاجة لذكره. واعتبار الدين والخُلق من خصال الكفاءة هو مذهب الجمهور من الأحناف والشافعية والحنابلة والمالكية والزيدية والجعفرية.

2-النسب:
وينظر فيه لجهة الآباء فقط. وهو معتبر من خصال الكفاءة عند الأحناف والشافعية والحنابلة، ولهم في ذلك تفاصيل أكثرها لم يعد مقبولاً في مجتمعاتنا المعاصرة، بينما يرى المالكية أنّ النسب غير معتبر في الكفاءة. وهو مذهب عائشة رضي الله عنها وعمر بن الخطاب وابن مسعود ومحمّد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وسفيان الثوري ورجحة ابن القيم.

3-اليسار:
وهو أن يكون الرجل قادراً على دفع نفقات الزواج، ويسار الزوج يعتبر من خصال الكفاءة في الزواج عند الأحناف وأحد روايتين عن أحمد، وأحد قولين عند الشافعية. والرواية الثانية عن أحمد أنّ اليسار ليس شرطاً في الكفاءة، لأنّ الفقر شرف الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: (أللهمّ أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً). كما أنّ القول الأصحّ عند الشافعية أنّ اليسار لا يعتبر في الكفاءة. والمعتبر في اليسار عند أكثر الفقهاء قدرة الزوج على مهر المثل وقدرته على النفقة، ويرى أبو يوسف أنّ المعتبر في يسار الزوج قدرته على النفقة فقط، لأنّ الناس عادة يتساهلون في المهر، ويعتبر الزوج قادراً عليه بيسار أبيه. ويسار الزوج غير معتبر عند ابن عبّاس، وقد سئل عن الكفء في النكاح فقال: الدين والنسب، وهو غير معتبر أيضاً عند المالكية.

4-الحرفة:
هي نوع العمل الذي يطلب به الرزق، كالزراعة أو الصناعة أو التجارة أو غيرها. وقد اختلفت الأقوال كثيراً داخل كلّ مذهب حول اعتبار الحرفة من عناصر الكفاءة في النكاح. لكن الراجح عند الأحناف والشافعية والحنابلة اعتبارها من خصال الكفاءة، وذلك رغم ورود أقوال ثابتة عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد لا تعتبر الكفاءة في الحرفة. ولا بدّ من التنبيه إلى أنّ جميع القائلين باعتبار الحرفة من عناصر الكفاءة متّفقون على اعتبار العرف في ذلك.

4-الحرية:
ومعنى ذلك أنّ العبد ليس كفءً للحرّة، ولا حاجة للحديث عن هذه المسألة بعد انتهاء الرقّ في هذا العصر.

5-السلامة من العيوب:
وهي مسألة يعتبرها المالكية من الكفاءة، بينما يذكرها غيرهم مع أسباب التفريق بين الزوجين. وسنمضي مع الجمهور في عدم اعتبارها من خصال الكفاءة.
وقد اتّفق الفقهاء أنّ الكفاءة مطلوبة من الرجل فقط، فهو الذي يجب أن يكون كفؤاً لمن يريد أن يتزوجها، أما المرأة فلا يضرها إذا كانت غير كفء للرجل.

المبحث الثاني: الحكم الشرعي في الكفاءة.
لقد وقع خلاف كبير بين المذاهب، وداخل كلّ مذهب حول الحكم الشرعي للكفاءة، ونحن نلخّص أولاً الأقوال الواردة في هذا الموضوع، ثمّ نبيّن ما نميل إليه فنقول:

المطلب الأول: الكفاءة شرط في صحّة عقد النكاح.
أولاً: القائلون بهذا الرأي ودليلهم:
ذهب الحنفية- في رواية الحسن المختارة للفتوى عندهم ورجّحها ابن عابدين في الحاشية- وبعض المالكية، ورواية عن أحمد وأحد قولين عند الشافعية، إلى أنّ الكفاءة شرط في صحّة النكاح، ومعنى ذلك أنّ العقد لا يصحّ أصلاً إذا لم يوجد شرط الكفاءة:
* روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: (أنّ نكاح البالغة العاقلة، إذا زوجت نفسها من غير الكفء، نكاح لا يجوز) وعلّلوا ذلك بأنه: (كم من واقع لا يرفع).
* ذهب النخعي وابن فرحون وابن بشير من المالكية إلى: (منع تزويج المرأة من الفاسق ابتداءً، وأنه ليس لها ولا لوليها الرضا بذلك، لأنّ مخالطة الفاسق ممنوعة، وهجره واجب شرعاً فكيف بخلطة النكاح؟ فإذا وقع وتزوجها لزم فسخه أيضاً).
* قال أحمد: (إذا تزوّج المولى العربية فرِّق بينهما، وقال في الرجل يشرب الشراب – أي الخمر- ما هو بكفء لها يفرّق بينهما. وقال: لو كان المتزوّج حائكاً فرّق بينهما لقول عمر رضي الله عنه: لأمنعنّ فروج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء. ولأنّ التزوّج مع فقد الكفاءة تصرّف في حقّ من يحدث من الأولياء بغير إذنه، فلم يصحّ، كما لو زوجها بغير إذنها).
* وعند الشافعية: (أنه لو زوج المرأة أحد أوليائها المستوين في الدرجة بغير الكفء برضاها، دون رضى باقي الأولياء المستوين، لم يصحّ التزويج به، لأنّ لهم حقاً في الكفاءة فاعتبر رضاهم. وفي قول: يصحّ العقد ولهم الفسخ).

ثانياً: مناقشة هذا الرأي:
1- يستدلّ أصحاب هذا القول بأي نصّ من الكتاب أو السنّة، أو قياس على نصّ صحيح، وأهمّ دليل لهم هو قول عمر رضي الله عنه: (لأمنعنّ فروج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء)، وهو لا يصلح دليلاً لعدم صحّة العقد، لأنّه ليس نصاً معصوماً أولاً، ولأنه قد يكون تصرفاً من عمر بمقتضى ولايته العامّة ثانياً. أما مخالطة الفاسق فهي ممنوعة شرعاً لكنّها لا تؤدي إلى إبطال عقد الزواج أو إلى الحكم بعدم صحّته أصلاً، فذلك يحتاج إلى نصّ واضح وهو ليس موجوداً. أما تعليل عدم صحّة النكاح بأنه (كم من واقع لا يرفع)، فهو تعليل قاصر لأنه إذا لم يكن ممكناً رفع واقع معيّن، فذلك لا يعني بالضرورة الحكم بعدم صحّة السبب الذي أدى إلى هذا الواقع.
2-هناك كثير من النصوص المعارضة لهذا الرأي، فضلاً عن المبادئ العامّة للشريعة، وسيأتي تفصيلها فيما بعد.

المطلب الثاني: الكفاءة شرط لزوم لعقد النكاح.
معنى ذلك أنه إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء بدون موافقة وليها، أو إذا زوجها وليها من غير كفء بدون موافقتها، فلكلّ منهما حقّ طلب فسخ العقد. فهو عقد صحيح لكنّه يقبل الاعتراض والفسخ لأنّ الكفاءة حقّ للمرأة والأولياء، فإن رضوا بإسقاطها فلا اعتراض عليهم.

أولاً: القائلون بهذا الرأي ودليلهم:
هذا هو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية، وهو الأصحّ عند الحنابلة كما قال في المقنع والشرح.
فعند الشافعية: (الكفاءة المعتبرة في النكاح دفعاً للعار، وليست شرطاً في صحّة النكاح، بل هي حقّ للمرأة والولي، فلهما إسقاطها..) ولو زوّجها أحد الأولياء المستوين بغير كفء برضاها دون رضاهم لم يصحّ، وفي قول يصحّ ولهم الفسخ. والظاهر أنّ الشربيني يرجّح القول الثاني أنّ العقد يصحّ ولهم الفسخ، إذ يشير أنّ هذا القول (نصّ عليه في الإملاء) وأنّ (النقصان يقتضي الخيار لا البطلان).
وعند الحنفية: (ينعقد نكاح العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي... ثمّ في ظاهر الرواية لا فرق بين الكفء وغير الكفء، ولكن للولي الاعتراض في غير الكفء)ويقيد الحنفية حقّ الاعتراض للولي بما إذا لم تلد الزوجة من الزوج، (أما إذا ولدت فليس للأولياء حقّ الفسخ، كي لا يضيع الولد عمّن يربيه).
وعند الحنابلة: (ولا يشترط الكفاءة، فلو زوجت بغير الكفء صحّ، وكذا برضى بعضهم على الأصحّ. ولمن لم يرض الفسخ متراخياً، ذكره القاضي وغيره. وعنه: هي شرط واختاره الخرقي وجماعة).
وقد استدلّ هؤلاء الفقهاء على مذهبهم بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أنه زوّج بناته ولا أحد يكافئه، وبأنه أمر فاطمة بنت قيس وهي قرشية أن تنكح مولاه أسامة بن زيد فنكحها بأمره (رواه مسلم)، وأنه زوَّج زيد بن حارثة ابنة عمّه زينب بنت جحش الأسدية (الطبري في تفسيره). كما استدلّوا بأنّ الكفاءة لا تخرج عن كونها حقاً للمرأة والأولياء فلم يشترط وجودها.

ثانياً: مناقشة هذا الرأي:
الأدلّة التي اعتمد عليها القائلون بهذا الرأي تصلح للردّ على من قال: (أنّ الكفاءة شرط في صحّة عقد النكاح).
أ- فتزويج الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم لبناته ولا أحد يكافئه دليل على عدم اعتبار الكفاءة شرطاً في صحّة الزواج.
ب-وأمره فاطمة بنت قيس (القرشية) أن تنكح مولاه أسامه، وتزويجه زيد ابن حارثة ابنة عمّه زينب، دليل على عدم اشتراط الكفاءة لصحّة عقد النكاح، إذ لو كانت شرطاً وكان من حقّها طلب الفسخ لما أمر فاطمة بهذا الزواج، ولما قبل بتزويج زينب من زيد.
ج-أما اعتبار الكفاءة حقاً للمرأة والأولياء فلم يذكروا له دليلاً، بل الأدلّة كلّها تشير إلى اعتبار الكفاءة، أما أنها حقّ يبرّر طلب فسخ العقد فلم يرد دليل عليه.

المطلب الثالث : الكفاءة معتبرة لكنها ليست شرطاً في عقد النكاح
أولاً: القائلون بهذا الرأي ودليلهم:
هذا هو رأي الكرخي والجصاص من الأحناف، وهو قول في مذهب الحنابلة رجّحه ابن قدامة فقال: (..والصحيح أنها – الكفاءة- غير مشترطة، وما روي فيها يدلّ على اعتبارها في الجملة ولا يدلّ على اشتراطها). وذكر أنّ هذه الرواية عند أحمد هي: (قول أكثر أهل العلم، روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سلمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي...) . ونسب هذا القول أيضاً إلى سفيان الثوري والحسن البصري، وهو رأي ابن حزم الظاهري الذي يقول: (وأهل الإسلام كلّهم إخوة، لا يحرم على ابن زنجية نكاح ابنة الخليفة الهاشمي..). ورجّحه ابن القيّم فقال: (فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وآله وسلّم اعتبار الكفاءة في الدين أصلاً وكمالاً، فلا تزوّج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر. ولم يعتبر القرآن والسنّة في الكفاءة أمراً وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسباً ولا صناعة ولا غنى ولا حرمة، وجوَّز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات..). والجدير بالذكر أنّ أمّ المؤمنين السيدة عائشة لا تشترط الكفاءة بين الزوجين لا في النسب ولا في غيره، وهي تجيز زواج القرشي بغير القرشية، وقالت: (إنّ أبا حذيفة بن عتبة وكان ممّن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم تبنّى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار) رواه البخاري في باب النكاح.

ويستدلّ أصحاب هذا الرأي بما يلي:
الدليل الأول:
النصوص العامّة كقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات، (فانكحوا ما طاب لكم من النساء..) النساء، (وأحلّ لكم ما وراء ذلكم..) النساء، قيل لمالك: إنّ بعض هؤلاء القوم قد فرّقوا بين عربية ومولى، فأعظم ذلك إعظاماً شديداً وقال: أهل الإسلام كلّهم بعضهم لبعض أكفاء، لقول الله تعالى في التنزيل: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات. وكان سفيان الثوري يقول: لا تعتبر الكفاءة في النسب لأنّ الناس سواسية . قال صلى الله عليه وآله وسلّم: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى..).

الدليل الثاني:
الأحاديث الصحيحة التي تؤّكد عدم اشتراط الكفاءة في الزواج منها:
1-حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: (يا بني بياضة، انكحوا أبا هند وانكحوا إليه. قال: وكان حجاماً) وأبو هند هو مولى بني بياضة وليس منهم. أخرجه أبو داود (2/579) والحاكم (2/164) وصححه ووافقه الذهبي. فلو كانت الكفاءة في الحرفة شرطاً لما أمر رسول الله بهذا الزواج.
2-حديث عائشة: (أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممّن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار) رواه البخاري. ولو كانت الكفاءة في النسب شرطاً لما تمّ هذا الزواج أو لاستنكره الصحابة.
3-حديث فاطمة بنت قيس أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أمرها (أن تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره) متّفق عليه. كما أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم زوّج زيد بن حارثة ابنة عمّته زينب بنت جحش الأسدية. رغم أنها امتنعت عن ذلك لنسبها في قريش ولأنّ زيداً كان عبداً وقالت: أنا خير منه حسباً، فنزل قول الله عزّ وجلّ: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الأحزاب. فرضيت وسلّمت. (أسباب النزول للسيوطي)، ذكر هذه الرواية الطبراني بسند صحيح. وهذا دليل على أنّ الكفاءة في النسب والحسب غير مشترطة.
4-وقد خطب بلال رضي الله عنه إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قل لهم: إنّ رسول الله يأمركم أن تزوجوني. أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بالتزويج رغم عدم الكفاءة في النسب.
5-وقد روى البخاري – في باب النكاح- عن سهل رضي الله عنه قال: (مرَّ رجل غني على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفّع أن يشفّع، وإن قال أن يسمع. قال: ثمّ سكت، فمرَّ رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟
قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفّع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا). ومفهوم هذا الحديث واضح وهو أنّ الفقر ليس سبباً للامتناع عن تزويجه، أو لفسخ الزواج بعد حصوله. هذا ما فهمه الإمام البخاري نفسه عندما جعل عنوان هذا الباب (باب الأكفاء في الدين)، واعتبر الكفاءة المعتبرة في النكاح هي الدين.

الدليل الثالث:
إنّ جميع الأحاديث الواردة في اشتراط الكفاءة لم تبلغ درجة يعتدّ بها عند علماء الحديث، وأهمّها ما يلي:

الحديث الأول: (تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم) السنن الكبرى للبيهقي (7/133)، وسنن ابن ماجة (2/477)، الدارقطني (3/299)، والحاكم (2/163) وجميع هذه الروايات فيها: الحارث بن عمران المدني ضعيف، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، والحديث الذي رواه لا أصل له. قال ابن عدي: والضعف على رواياته بيِّن. وقال الدارقطني: متروك.

الحديث الثاني: (ألا لا يزوّج النساء إلاّ الأولياء، ولا يزوّجن إلاّ من الأكفاء) رواه البيهقي (7/211) عن مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة، وقال عنه: ضعيف بمرة. ونقل عن علي أنّ مبشر بن عبيد متروك الحديث، ونقل عن الإمام أحمد أنه حديث ضعيف لا تقوم بمثله الحجّة. وقال ابن حبّان: مبشر بن عبيد يروي عن الثقات الموضوعات. وقال ابن القطان: الحجاج بن أرطأة ضعيف، ويدلس عليه الضعفاء.
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: (هذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن قوي بتضافر الشواهد، ومنها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لأمنعنّ فروج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء). وقد نقل مثل ذلك الفقيه المحدّث قاسم قطلوبغا عن ابن الهمام (فتح القدير 2/417). هذا الأثر عن عمر أخرجه البيهقي في سننه (7/215) والدارقطني في سننه (3/206)، وهو وإن وصل إلى درجة الحسن، إلاّ أنه ليس دليلاً على اعتبار الكفاءة شرطاً في النكاح، إذ من المعروف أنّ من حقّ الأمير الإلزام في المسائل الاجتهادية، وقد يكون من رأي عمر اعتبار الكفاءة شرطاً للنكاح مراعاة للواقع الاجتماعي، ولأنّ العرب كانوا يتعيرون أو يتشرفون بالأنساب، ومن المعروف أنّ الفقهاء الذين يعتبرون الكفاءة شرطاً في لزوم النكاح يعتبرونها تابعة لأعراف الناس بحسب مجتمعاتهم.

الحديث الثالث: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا آذنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً) أخرجه البيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد. وأخرجه أيضاً ابن ماجة وابن حبّان والترمذي وقال: حديث غريب حسن. لكن من الواضح أنّ هذا الحديث لا يمكن أن يستنتج منه إلاّ الحضّ على تزويج الأيم إذا جاءها الكفء. أما اعتبار الكفاءة شرطاً في صحّة الزواج أو لزومه فهو أمر آخر. كما أنه يمكن اعتبار الكفاءة هنا محصورة بالدين كما يرى المالكية وكثير من الفقهاء.
يؤيّد ذلك أنّ الصلاة في أول الوقت فضيلة لكن ليست شرطاً في صحّة الصلاة، وكذلك صلاة الجنازة لمن حضرها، والإسراع بالجنازة لدفن الميت كلّها من الفضائل لكنّها ليست فرائض ولا شروطاً.

الحديث الرابع: (قريش بعضهم أكفاء لبعض، والعرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل. والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، إلاّ حائك أو حجام). هذا الحديث رواه البيهقي في سننه (7/134)، وقال عنه الكمال بن الهمام: (إنّ هذا الحديث ضعيف بل لا يصحّ..) ومع ذلك فإنه قال: (يستأنس بالحديث الضعيف في ذلك).
وأخرجه الحاكم دون ذكر قريش كما في نصب الراية للزيلعي (3/197)، ونقل عن ابن عبد الهادي أنه أعلَّ إسناده بالانقطاع. وقوله (قريش بعضها لبعض أكفاء) أورده ابن أبي حاتم في علل الحديث (1/424) ونقل عن أبيه أنه قال: هذا حديث منكر. ونقل السيد سابق في فقه السنّة (2/147) قول الدارقطني في الملل عن هذا الحديث: لا يصحّ.
وقول ابن عبد البرّ: هذا منكر موضوع. وذكر الشوكاني في نيل الأوطار (6/146) كلّ روايات هذا الحديث عند الحاكم وابن عبد البرّ والبزار، كما ذكر العلل التي اعتمد عليها العلماء في تضعيف هذه الروايات فيرجع إليه. وللحديث صلة.