نزول الوحي بالقرآن ثورة اجتماعية ودينية

محمد الشرقاوي
يذهب البعض أن التاريخ هو أصل العلوم.. ويذهب البعض الآخر بأن الفلسفة هي الأصل.. وكل فئة تدلل على ذلك بما تستند عليه من أدلة وبراهين وأسباب تتسلح بها في دعواها ضد الفئة الأخرى.. وأنا لست مع الفئتين أو مع فئة على حساب الأخرى فالقول الفصل في هذا الحديث.. أو في هذه القضية ان لكل علم من العلوم منهجه الخاص واسلوبه وطرائقه الخاصة في البحث للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها الجميع.. وان كان هناك تداخل في مناهج أي من العلمين.. فليس هناك سبب يبرر أن تجزم بوحدة المنهج.. والقضية التي نعالجها في هذا المرجع هي قضية على قدر كبير من الأهمية، ألا وهي قضية تحديد الآفاق السياسية والأبعاد الحضارية للتاريخ الإسلامي.

والتاريخ كما عرفنا قديم وحديث ووسيط، وهناك تاريخ ما قبل التاريخ، كما أن هناك تاريخ الأمم والشعوب، وتاريخ الإعلام من الملوك والسلاطين والعلماء والقادة.. ومن في حكمهم.. والتاريخ الإسلامي يدخل تحت عنوان تاريخ الأمم والشعوب، كما انه يمكن تصنيفه تحت المراحل التاريخية المختلفة قديم ووسيط وحديث ومعاصر، كما يدخل في التاريخ الإسلامي تاريخ وتراجم الشخصيات التي ظهرت على مسرح الأحداث وأثرت فيها خلال تلك الأحقاب.

والمعنى أن مفهوم التاريخ الإسلامي، مفهوم شامل ومتسع ومتشعب الموضوعات والمراحل كما انه قد اكتسب أهميته من الطبقة الإسلامية.. وإن نظرة إلى تاريخ الأمم والشعوب السابقة واللاحقة لا تجد أمة قد تميزت بتاريخها مثل الأمة الإسلامية التي اتسعت حدودها وامتدت شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وصهرت في بوتقتها الكثير من الشعوب والأمم الأخرى، فكانت الوحدة الدينية هي الراية التي تجمعت خلفها تلك الأمم لشموخها وكبريائها.

آثار إيجابية
إن القارىء والدارس والباحث في التاريخ الإسلامي ليقف مشدوهاً لعظمة تلك الأمة وإلى الآثار الإيجابية التي تركتها ومازالت تؤثر بها في أركان المعمورة.

لذلك كان واجبنا أن نتمهل ونقف لاستخراج واستقراء الحقائق والأبعاد المختلفة من تاريخ أمتنا الإسلامية، ولا نترك ذلك لغيرنا من المستشرقين لأنه ليس من مصلحة هؤلاء ان يكونوا محايدين في كتاباتهم أو على حبهم للقضايا الإسلامية بل من المؤكد أن نظرتهم سوف تكون من خلال نظرة متعصبة أساسها التعصب الديني. إن تماسك البناء الإسلامي والحضارة الإسلامية رغم العواصف والزوابع العاتية التي هبت عليها من كل اتجاه. إن دلت على شيء إنما تدل على أصالة هذه الأمة وقوتها.. إننا معشر أبناء هذه الأمة يجب أن نفخر بذلك. فقد كانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أليس هذا دليلاً وشاهداً.

ولكن برغم ذلك يجب القول بأن الحاجة قائمة إلى نظرة دقيقة شاملة للتاريخ الإسلامي منذ ظهور رسالة الإسلام في الجزيرة العربية وهي الدعوة التي حملت لواء نشر الإسلام في العالم أجمع، وبددت سحب الظلام التي تجمعت في سماء البشرية، وأزاحت جيوش الشرك والضلال واستبدلت بذلك نور التوحيد والإيمان والعلم لجديرة ببذل كل محاولة من أجل تلك النظرة لأنها ضرورة يفرضها التطور المعاصر للأمة الإسلامية، وتتطلبها أيضاً الجهود التي تبذل للانطلاق بها نحو آفاق الحرية والسيادة العالمية.

.. ذلك أن الدراسات التي تحفل بها مكتبة التاريخ الإسلامي اليوم تتسم بالتباين الشديد بين وجهات نظر أصحابها، وتشعب مناهجها وموضوعاتها، ومن ثم طمست تلك الدراسات معالم الطريق أمام المواطن المسلم اليوم، وحجبت عنه الرؤية الشاملة اللازمة للتقدم والوصول إلى الهدف المنشود.
وفي هذه الدراسة البحثية الشاملة «التاريخ الإسلامي آفاقه السياسية وأبعاده الحضارية» استعرض الكاتب ابراهيم أحمد في قدرة نادرة المراحل التاريخية للأمة الإسلامية مبتدئاً بأحوال العرب في الجاهلية، وما انطوت عليه جاهليتهم من عادات حسنة وعادات غير مقبولة.

دور رفيع
وقد حمل هؤلاء العرب الدور الرفيع في التاريخ الإسلامي، نتيجة البيئة التي شبوا وترعرعوا فيها، واكتسبوا فيها من الملكات والخصال ما أهلهم لحمل الرسالة الإسلامية السليمة في أمانة وعزم صادق متين. فقد تكامل العرب في تلك البيئة في طرازين من الحياة لكل منهما دوره في بناء أقدم الحضارات التي عرفها العالم، وتزويدها في الوقت نفسه بأسباب البقاء والازدهار.

الطراز الأول هو حياة الاستقرار والزراعة والبناء، التي تركزت في جنوب الجزيرة في اليمن ومما ساعد على التجمع والاستقرار والتموين، مما مهد لتكوين المدن وبداية التنظيم الاجتماعي والسياسي.

والطراز الثاني: هو حياة التنقل والرعي، وسادت هذه الحياة في بوادي جزيرة العرب ولم تكن أقل شأناً وأهمية من حياة الاستقرار فالمجتمعات البدوية كانت أشد مراساً وأوسع نظرة إلى الحياة وأكثر علماً بأحوال الجو والمرعى بفضل عدم استقرارها في أرض واحدة. غير أن الطراز الأول وهم أصل الزراعة كانوا أهنأ عيشاً وأعظم تأثيراً في تاريخ العمران والحضارة، ولهذا نبتت بذور الحضارة العالمية ببلاد العرب في أرض اليمن، وهي الحضارة العربية القديمة التي احتلت مكان الصدارة في موكب الحضارات الإنسانية الأولى.

ووقفت مختلف البوادي بشبه الجزيرة العربية تساند تلك الحضارات القديمة وتمدها بموجات بشرية متجددة حملت إليها الحضارات والدم الجديد جيلاً بعد جيل حتى ظهور الإسلام. ذلك أن موقع الجزيرة العربية بين قارات العالم القديم، آسيا وافريقيا واوروبا، جعلها همزة وصل بين الأمم وواسطة العقد بين الحضارات الأولى، والتقاء طرق التجارة القديمة فيها من بحرية وبرية، جعل حضارات الجزيرة العربية يغلب عليها طابع التجارة. بينما استحال على المؤثرات الخارجية أن تفرض نفسها على بلاد العرب وأهلها، فإن العرب فرضوا أنفسهم وطابعهم وتاريخهم على معظم البلاد المحيطة بهم، واتخذت تلك التأثيرات العربية طابع اللهجات التي انبثقت من شبه الجزيرة إلى المناطق المحيطة بها.

مرحلة الدعوة والجهاد
تأتي بعد ذلك مرحلة الدعوة الإسلامية، وجهاد الرسول في نشرها الينابيع الدافقة للتاريخ الإسلامي وما حفل به من أحداث. ذلك أن تعاليم الإسلام لا يمكن - فصمها عن شخصية الرسول التي لقنها. كما أن شخصية الرسول التي لا يمكن فصمها عن التطور الثقافي لأمته العربية، فهذه الامور جميعاً وثيقة الصلة في بناء التاريخ الإسلامي بدرجة توجب دراستها سوياً لأن كلاً منها ملتصق بالآخر التصاق الحمل بحامله.

وبعد أن تداعت صورة الحياة القبلية في بلاد العرب، وما صاحب ذلك من فوضى في جميع النظم التي سيطرت على تلك الحياة، وانهيار الممالك القبلية وبدء تغلغل القوى الخارجية.

في تلك الأثناء اندلعت الثورة على هذه الحياة القبلية ونظمها ومؤسساتها حين نزل الوحي بالقرآن الكريم على الرسول الأمين وهو في الأربعين من عمره أثناء تعبده في غار حراء، فكان نزوله ثورة اجتماعية ودينية ضد الاتجاهات القبلية ونظمها ومؤسساتها التي تركزت في مكة، وداعياً إلى إقرار نظم جديدة في سبيل بناء مجتمع متحرر من النظرة القبلية الطبقية وقائم على أساس العدالة العالمية.

وتمت تنظيمات الرسول أثناء نشر الدعوة على مرحلتين هامتين مترابطتين. المرحلة الأولى: استهدف فيها الرسول الكريم نشر تعاليم الإسلام بما ينظم حياة الفرد في مكة للتخلص من قيود العصبية القبلية في هذا المعقل القبلي.

المرحلة الثانية: عمل فيها الرسول الكريم بعد هجرته إلى المدينة على تنظيم جماعة المؤمنين منها لإعلاء شأن المجتمع الإسلامي الوليد وإعداد أبنائه لحمل رسالة الإسلام إلى سائر أرجاء العالم وأرسى الرسول الكريم في مكة القواعد التالية وفق ما جاء به القرآن الكريم:

أولاً: الدعوة إلى وحدانية الله. ثانيا: تقرير فكر البعث والحساب بعد الموت. ثالثا: اتخاذ التقوى بدلاً من العصبية القبلية أساساً لبناء قيم أخلاقية سامية تتعدى مجالاتها القبلية وتتسع لتشمل العرب وجميع الأمم المجاورة لهم أيضاً. رابعا: التأكيد على وحدة الرسالات السماوية.

تحالف يهودي ضد الإسلام
ويتابع الكاتب تسلسل الأحداث فيتناول دخول الدعوة الإسلامية إلى مرحلة الحرب ضد المشركين. وقد بدأت بغزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون، ولكن بعدها اتسعت دائرة القتال بحيث لم تعد قاصرة على رد المسلمين لعدوان قريش، وإنما دخل اليهود في حلبة الصراع ضد المسلمين وتأليب قوى القبائل المشركة ضد الدعوة الإسلامية، وتجلى ذلك في غزوة الخندق التي جاءت دليلاً قاطعاً على التحالف الذي قام بين قريش وأهل الكتاب من اليهود والمشركين من أجل القضاء على الدعوة الإسلامية في مهدها.

وقد جاءت هذه الغزوة بمثابة إعلان لحرب شاملة ضد المسلمين، ثم بدأت تتوالى التشريعات القرآنية للجهاد الشامل، وآداب الجهاد، الذي كان أهم مبدأ فيه هو الابتعاد عن اتخاذ القتال سبيلاً لفرض الدين الإسلامي على الناس وحملهم على اعتناقه قسراً. لقد كانت غزوات الرسول الكريم هي حجر الزاوية في بناء الدولة الإسلامية ومدرسة التعبئة الي تخرج منها قادة الفتوح الأولى العظام بعد أن تلقوا أصول هذا النظام الحربي وقواعده نظرياً وميدانياً.

وظلت بلاد العرب من المشركين حين جاء العام العاشر للهجرة، وهو العام الذي حج فيه الرسول الكريم حجة الوداع والتي بعدها بثلاثة أشهر. تكامل على عهد الرسول الكريم العناصر الأساسية للفكر الإسلامي واستقرت في النواحي الثلاث الآتية:
1 - طبيعة النظام الإسلامي الكامل.
2 - مبدأ حرية التفكير للفرد.
3 - إقرار مبدأ الشورى.

اجتياز ناجح
واستطاعت الدولة الإسلامية ان تجتاز على هذه القواعد الأساسية للفكر الإسلامي أول مرحلة من مراحل تطورها السياسي عقب وفاة الرسول، وان تقر نظام الخلافة ليكون مؤسسة سياسية في قدرتها مواصلة النهوض برسالة الأمة الإسلامية. ودارت عدة آراء عند مولد هذا النظام وإقراره. وعلى نحو ما يحدث في المجتمعات الجديدة عندما يفاجئها حادث حاد. وتجلت تلك الآراء في نظام أو عهد الخلفاء الراشدين وانتخاب أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين.

وفي عهده اجتاز النظام الإسلامي الجديد امتحاناً رهيباً، وهي حركة الردة التي اتخذت صوراً شتى بين القبائل العربية في نواحي شبه الجزيرة، وهي بمثابة دعوة انفصالية ولكن بفضل قيادة أبي بكر الحكيمة ومن معه من الصحابة أمكن اجتياز هذه المحنة وعادت الأمور إلى نصابها والقضاء على هذه الفتنة التي كادت أن تؤدي إلى انهيار كامل للبناء الإسلامي.

ويتابع الكاتب تناول كل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي من خلال وجهة نظر موضوعية ثاقبة فينتقل بنا من عهد أبي بكر الصديق، إلى عمر بن الخطاب، وأسس الإدارة والسياسة التالية في عهده، وما اشتهر به من حزم وحكمة في قيادة الدولة الوليدة، ثم عهد عثمان بن عفان ودوره في بناء البحرية الإسلامية، ثم دور علي بن أبي طالب ونهاية عهد الخلفاء الراشدين.

ونتابع المراحل التاريخية للدولة الإسلامية، فيتناول الكاتب الفتوحات الأموية، ثم تغريب الدولة وغرس بذور الحضارة العربية ثم يشرح معالم التحول الاجتماعي في الدولة الإسلامية وأثره في سقوط الخلافة الأموية وقيام الدولة العباسية، وسياسة العباسيين في إقامة الحكم الإسلامي،ورعاية الحضارة العربية الإسلامية، وانطلاق القوة الذاتية للإسلام خلال العصر العباسي الثاني. ثم الحركات الاستقلالية التي ظهرت في أنحاء الدولة الإسلامية ثم موقف العالم الإسلامي من الغزو الصليبي والمغولي، ودور التجارة والطرق المصرفية في نشر الإسلام في العالم، ثم يتحدث عن عجز القوى الاقليمية في العالم الإسلامي عن صد الزحف الاستعماري الاوروبي.

ثم يتناول يقظة العالم الإسلامي في العصرالحديث، ثم القيادة الجماعية ومقومات العالم الإسلامي المعاصر، حقاً.

والكتاب في مجمله يعتبر مرجعاً في التاريخ الإسلامي لشموليته، كما انه يتناول هذا التاريخ من خلال منظور غير تقليدي، ومؤلفه من العلماء المعدودين، والذين لهم السبق في تلك الدراسات ومن الغيورين على الإسلام والمسلمين، وهو يعتبر إضافة جديدة للمكتبة العربية.