العصبية القبلية في العصر الجاهلي مفهومها ومظاهرها

د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
أولاً: مفهوم العصبية:
1- تعريف العصبية لغة[1]:
العصبية في اللغة: مشتقة من ((العَصْبِ))، وهو: الطَّيُّ والشَّدُّ. وعََصَبَ الشيءَ يَعْصِبُهُ عَصْبًا: طَوَاه ولَوَاه، وقيل: شدَّه. والتَّعَصُّب: المحاماة والمدافعة.

والعََصَبَة: الأقاربُ من جهة الأب، وعَصَبَةُ الرَّجُلِ: أولياؤه الذكورُ من وَرَثَتِه، سُمُّوا عَصَبَةً لأنهم عَصَبُوا بنسبه، أي: أحاطوا به، فالأب طَرَفٌ والابن طرف، والعم جانب والأخ جانب، والجمع: العَصَبَات، والعرب تسمِّي قرابات الرجل: أطرافَهُ، ولمَّا أحاطتْ به هذه القراباتُ وعَصَبَتْ بنسبه، سُمُّوا: عَصَبَةً، وكلُّ شيءٍ استدار بشيء فقد عَصَبَ به.

والعُصْبَة والعِصَابة: الجماعة؛ ومنه قوله تعالى: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يُوسُف: 8]، ومنه حديث: ((اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِه الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ، لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ))[2].

وعَصِيب: شديد؛ ومنه قوله تعالى: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هُود: 77].

2- العصبية في الاصطلاح:
قال الأزهري في "تهذيب اللغة": ((والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عَصَبته والتألُّبِ معهم، على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين))[3].
وعرَّفها ابن خلدون بأنها: ((النُّعَرَةُ[4] على ذوي القربى، وأهلِ الأرحام أن ينالهم ضَيْم، أو تصيبَهم هَلَكة... ومن هذا الباب الولاء والحِلْف، إذ نُعَرَةُ كلِّ أحدٍ على أهل ولائه وحِلْفه))[5].

وعرَّفها بعضهم بأنها: ((رابطة اجتماعية سيكولوجية (نفسية) شعورية ولا شعورية معًا، تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة، ربطًا مستمرًّا، يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد؛ كأفراد أو كجماعة))[6].

وعرفها آخرون بأنها: التلاحم بالعصب، والالتصاق بالدم، والتكاثر بالنسل، ووفرة العدد، والتفاخر بالغلبة والقوة والتطاول))[7].
وهناك من الباحثين من فسرها بأنها ((رابطة الدم)) أو ((تكاتف اجتماعي)) أو ((تضامن قبلي)) [8]، إلى غير ذلك من تعريفات وتفسيرات للعصبية؛ تدور في مجملها حول معنيين رئيسين: ((الاجتماع))، و((النُّصْرة)) ؛ فهما يمثلان صُلب العصبية، ومع أن العلماء والكتّاب قد ذكروا للعصبية تعريفات متنوعة، إلا أنها لا تخرج في مجملها عن هذين المعنيين؛ سواء كان ذلك الاجتماع والتناصر حقًّا أم لا.

ثانيًا: مفهوم القَبَلِيَّة:
هي نسبةٌ إلى القَبِيلَة، ويُنسب إليها أيضًا فيقال: قَبِيلِيَّة، و((القبيلة من الناس: بنو أب واحد. ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل: معنى الجماعة؛ يقال لكل جماعة من أب واحد: قبيلة))[9].
هذا هو المعنى العام للقبيلة، في القديم والحديث.
وإن الناظر في النظام الاجتماعي عند العرب، يدرك أن هذا المفهوم كان واسعًا في الجاهلية، ثم هذّبه الإسلام، فأقرّ بعضه، ونهى عن بعض، وتتمثل سعة النظام الاجتماعي في العهد الجاهلي، في قبوله انضمام أفراد للقبيلة لا ينتمون إلى أبيهم؛ ومن صور ذلك:

1 - المُستعرِبون:
هم ناس دخلوا جزيرة العرب، وخالطوا العرب، فأخذوا لسانهم، وأتقنوه، فصاروا منهم، ولنا في إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر - وقد كانت أَمَة - مثال ناصع، وهو من تشرفت به العرب، جاء إلى مكة صبيًّا، فاستقر بها، وشب، وخالط العرب، وصاهر جُرهُمًا، فصار بينهم كأنه منهم.
وقد أجمعت معاجم العربية على أن لفظ ((العرب المستعرِبة)) يعني: أولئك الذين ليسوا بعرب خُلَّص، وإنما هم من خالطوا العرب، فاستعربوا، فصاروا عربًا[10].

2 - الحلفاء من داخل جزيرة العرب:
وهم: قوم نزحوا من مكان إلى مكان داخلَ جزيرة العرب، فاستقروا مع قوم من قبيلة غير قبيلتهم، فحالفوهم فصاروا منهم.
ومن هؤلاء من هو معروف القبيلة والنسب، والأمثلة على ذلك عديدة.

منهم على سبيل المثال: حذيفةُ بن اليَمَان العَبْسي، ونسبه معلوم في بني عَبْس، فأصاب أبوه دمًا في قومه، فنزح إلى المدينة، وكان اسمه: حُسَيلاً، وقيل: جَرْوة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف اليمانية[11]، وقد تزوج منهم الرَّباب بنتَ كعبٍ من بني عبد الأشهل، فولدت له حذيفة، وكانا في بني عبد الأشهل: لهما ما لأحدهم، وعليهما ما على أيٍّ منهم.
ومنهم: ياسر بن عامر العَنْسي اليماني، استقر في مكةَ فحالف أبا حذيفة ابن المُغِيرة المخزومي؛ فزوجه أَمَته سُميَّة بنت خيَّاط، وغيرهم كثير.

3 - الموالي:
وهم: من طالهم السَّبْي، إما نتيجة للحروب، أو لسبب آخر.

ومنهم: من يكون من الأحرار فيقع ظلمًا في السَّبْي؛ ليصبح بعدها مملوكًا يُباع ويُشترى! وهذا من الظلم الشديد الذي حذر منه الإسلام؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ))[12].
وقد كان هذا واقعًا مُعاشًا قبل الإسلام، فأبطله الإسلام، ورفضه رفضًا باتًّا. وفي قصة أبي تميمة الهُجَيمي - الآتية في سياق هذا البحث - أكبر دليل على هذا الواقع المؤلم[13].

4 - التَّبَنِّي:
كان التبنّي أمرًا واقعًا قبل الإسلام؛ يلجأ إليه الناس: إما لأن أحدهم ظل عقيمًا، أو لأنه رزق إناثًا فحسب، أو لأن أولاده الذكور لا يعيشون، أو لأي سبب آخر. يصير الابن الدخيل بعدها ابنًا منتسبًا لأبيه الذي تبناه، له من الحقوق ما لأبناء الرجل من صُلْبه، وعليه من الواجبات ما عليهم. وقد يكون المتبنى معروف القبيلة والنسب؛ كزيد بن حارثةَ الكلبي رضي الله عنه الذي تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يكون معروف الجهة غيرَ معروف القبيلة والنسب؛ كسالمٍ مولى أبي حذيفة.
ولولا أن الإسلام منع هذه العادة، لأضحى المنتسبون لبعض قبائل العرب الكبرى ممن ليسوا معروفي النسب أعضاءً فيها، دون أن يطالهم نقص في حياتهم الاجتماعية.
ولم يكن من مقاصد الشرع - بمنعه عادة التبني - أن يكرِّس للقَبَلِيَّة البغيضة، وإنما أراد الإسلام بذلك تنظيم حياة الناس على أسس حَقَّة، لا اعوجاجَ فيها.
ولو كان هذا المنع لتكريس القَبَلِيَّة لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)) [14] ؛ فجعل صلى الله عليه وسلم الولاء في مرتبة النسب.

تهذيب الإسلام للنظام الاجتماعي الذي كان سائدًا في الجاهلية:
من خلال هذا العرض يتضح أن النظام الاجتماعي في الجاهلية كان أكثر مرونة مما هو عليه الآن، ومع ذلك فقد هذبه الإسلام ليصبح أكثر مرونة.
من أجل ذلك، فإن التعصب النَّسَبي أمر لا مسوِّغ له البتة. ولعل قصة عبدالله بن حُذَافة السَّهْمي - وهو من قريش - خير دليل على بطلان مسألة الاعتداد بالنسب؛ وقد كان من أمره أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((سَلُونِي عَمَّا شِئْتُم))، فقال رجل: مَنْ أبي؟ قال: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ))، فقام آخر، فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: ((أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)). فلما رأى عمرُ ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب، قال: يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله عز وجل[15]. وقد قالت أم عبدالله ابن حذافة: ((ما سمعت بابن قطُّ أعقَّ منك؛ أأمنتَ أن تكون أمُّك قد قارفَتْ بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية؛ فتفضحَها على أعين الناس؟!))[16].

فقد برّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ عبدالله، لكنها مع ذلك وصفت ابنها بالعقوق؛ لِمَا كانت تعرفه عن مجتمع الجاهلية، مما كان يقع فيه الناس من مقارفة الفواحش؛ علمًا أن بعضها كان مباحًا عندهم ولا يُعَدُّ عيبًا في عُرْفهم؛ فقد أخبرت عائشةُ عروةَ رضي الله عنهما: ((أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنِكاحٌ منها نكاحُ الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وَلِيَّتَه أو ابنته، فيُصدِقُها، ثم يَنْكِحها، ونكاحٌ آخرُ؛ كان الرجل يقول لامرأته - إذا طَهُرَتْ من طَمْثها -: أرسلي إلى فلانٍ فاستبضِعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يَمَسُّها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضِع منه، فإذا تبين حملُها أصابها زوجُها إذا أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الولد! فكان هذا النكاح نكاحَ الاستبضاع، ونكاحٌ آخرُ؛ يجتمع الرهط ما دون العشَرة، فيدخلون على المرأة، كلُّهم يُصيبها، فإذا حمَلت ووضعت، ومر عليها ليالٍ بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنُك يا فلانُ، تسمِّي من أحبَّتْ باسمه، فيَلْحَقُ به ولدُها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كن يَنْصِبنَ على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جُمِعوا لها، ودَعَوْا لهم القافةَ[17]، ثم ألحقوا ولدها بالذي يَرَوْنَ، فالتاطَ[18] به، ودُعِي ابنَه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم، هدم نكاحَ الجاهلية كلَّه، إلا نكاح الناس اليوم))[19].

فإذا علمنا أن الإسلام هو الذي هدم الأنكحة الباطلة؛ التي كان الناس عليها، علمنا أن الأوعية الاجتماعية - القبائل والأنساب - كان كثير منها مبنيًا على أساس غير صحيح، يدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُخْرِجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ))[20]، وأن سلامة الأنساب وطهارتها لم تتضح ولم تكتمل إلا بالإسلام والالتزام به، وعلمنا يقينًا أن الافتخار بالأنساب إنما هو دعوى جاهلية محضة.

هذا هو الواقع الأليم الذي كان يعيشه الناس في الجاهلية، فاستنقذهم الإسلام منه؛ وأقام المجتمعات على النحو السليم؛ وبذا يمكن أن نتفهَّم قصد نَهَار بن تَوْسِعة[21]، حين قال:
أَبِي الإِسْلاَمُ لاَ أَبَ  لِي  سِوَاهُ        إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ[22]
فقد تيقن أن القبيلة: هي وعاء اجتماعي لتنظيم التواصل والتعارف بين الناس وحَسْبُ، وليس موضوعًا للافتخار؛ إذ لا فخر لأحد بأوضاع جاهلية قبيحة أبطلها الإسلام، وعادات مستشرية هذبها.
من خلال التعريفات السابقة لـ ((العصبية)) و((القبلية)) يمكن أن نعرِّف ((العصبية القبلية)) بأنها: ((تضامنُ قومٍ تَجْمَعُهم آصرة النسب أو الحلف، مع نصرة بعضهم بعضًا ضِدَّ من يناوئهم؛ ظالمين كانوا أم مظلومين)). وقد سأل واثلةُ ابن الأسقع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن العصبية؟ فقال: ((أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ))[23].

أنواع العصبيات:
للعصبية أنواع متعددة، وما سبق في تعريفها من أنها تعصُّب ذوي القربى والتحالف، وتضامن أبناء القبيلة؛ إنما هو أصل معناها في اللغة، وهو يعود إلى كلمة عَصَبَة، غير أن معناها قد تُوسِّع فيه بعدُ، فأُطلقت على أنواع أخرى من التعصُّبات؛ بحسب الغرض الذي نشأت لأجله، والسبب الذي اعتمدَتْ عليه، وإن من الصعوبة البالغة، حصر أنواعها، لكن يمكن أن نضرب أمثلة لها بعصبيات: ((الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو المذهب، أو الوطن، أو الحزب، أو القوم، أو الجنسية... وهكذا))، ومنها - لا شك - عصبية النسب، أو العصبية القبلية التي هي مَدار بحثنا هذا.


ثالثًا: مظاهر العصبية القبلية في العصر الجاهلي:

لم يكن العرب في الجاهلية أمة واحدة، ولا شعبًا واحدًا، بل كانوا قبائل وعصائب متفرقة، تحكمها أعراف قبلية متنوعة، وقد كانت العصبية القبلية هي أساس النظام الاجتماعي الجاهلي، الذي شعاره: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))[24]، الداعي إلى نصرة المنتسب إلى القبيلة دون اعتبارٍ لكونه مُحِقًّا أو غير محق، وبخاصة " أن مجتمع القبيلة في العصر الجاهلي - بعلاقاته وعاداته وأعرافه - مجتمع يولد فيه العربي، ثم ينشأ متشرِّبًا عاداته وأعرافه التي تُبنى على دعامة أساسية هي النسب، وحينما يفتح الفرد عينيه على ما حوله يجد أن كل امرئ في قبيلته يتغنَّى بانتمائه إليها، ويعتدُّ بأَرُومَته[25]؛ بدءًا من والده وإخوته، وانتهاءً إلى رهطه وعشيرته، فـ((جنسيته)) هي جنسية القبيلة المنحدر منها، و((هُويَّته)) التي يحملها في حِلِّه وتَرحاله اسمُ قبيلته، ذلك الاسم الذي يميزه عن أفراد القبائل الأخرى، ويعصمه عن أن يتيه بينهم"[26].


وبما أنّ العصبية القبلية كانت أساسًا للنظام الاجتماعي في العصر الجاهلي، فقد تأصَّلت في نفوس العرب بعامة، والأعراب منهم بخاصة؛ لعيشهم في الصحارى والقِفَار. وتجلّت في كثير من نواحي حياتهم، وقد كان من أهم مظاهرها:

1- الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب:
"كان التفاخر والتعاظم بين أهل الجاهلية سمة اجتماعية سائدة؛ إذ كانت المفاخرة بمآثر الآباء والأجداد، وبالسيادة والريادة، أمرًا شائعًا، حتى إنهم ينطلقون أحيانًا إلى المقابر، فكانوا يشيرون إلى القبر بعد القبر، ويقولون: فيكم مثل فلان، ومثل فلان؟!"[27]

"ومن أهم مظاهر التزام الفرد بالقبيلة: حرصه الشديد على النسب، والاعتزاز به، فقد كان أقوى صلة تربطه بقومه، وتشدّ أواصر العصبية معهم، فلا غرابة بعد ذلك أن يطمح إلى أن يجعل نسبه في الذروة من الشرف والرفعة، وأن يجعل الأجداد والآباء - الذين ينتمي إليهم - في مقام السادة العظماء. نجد صدى ذلك في قول معاوية بن مالك[28]:
إِنِّي  امْرُؤٌ  مِنْ  عُصْبَةٍ  مَشْهُورَةٍ        حَشَدٍ  لَهُمْ   مَجْدٌ   أَشَمُّ   تَلِيدُ
أَلْفَوْا   أَبَاهُمْ   سَيِّدًا    وَأَعَانَهُمْ        كَرَمٌ   وَأَعْمَامٌ   لَهُمْ    وَجُدُودُ
إِذْ   كُلُّ   حَيٍّ   نَابِتٌ   بِأَرُومَةٍ        نَبْتَ العِضَاهِ فَمَاجِدٌ وَكَسِيدُ[29]
فالشاعر يؤكِّد انتماءه إلى قومه، الذين يشكلون عُصْبة قوية ملتحمة الأطراف، تشمخ متطاولة بأمجادها نحو السماء، قد رعاها الآباء، والأعمام، والجدود، حتى جعلوها كشجرة وارفة الظلال تنضح عبيرًا فوّاحًا من المجد والسيادة.

وعلى هذه الشاكلة يَنْزِع سلامةُ بن جندل السَّعدي[30] إلى الفخر بانتسابه إلى قومه، الذين يجمعون إلى شرف المحتد[31]، شجاعةً في القتال، ورأيًا صائبًا في حل قضايا القبيلة، وإحلال الوفاق والوئام بين أفرادها؛ فيقول:
إِنِّي   امْرُؤٌ   مِنْ   عُصْبَةٍ   سَعْدِيَّةٍ        ذَرْبَى الأَْسِنَّةِ[32] كُلَّ  يَوْمِ  تَلاَقِي
لاَ يَنْظُرُونَ  إِذَا  الكَتِيبَةُ  أَحْجَمَتْ        نَظَرَ الْجِمَالِ كُرِبْنَ بِالأَْوْسَاقِ[33]
يَكْفُونَ  غَائِبَهُمْ   وَيُقْضَى   أَمَُْرُهُمْ        فِي  غَيْرِ   نَقْصٍ   مِنْهُمُ   وَشِقَاقِ
وَالْخَيْلُ  تَعْلَمُ  مَنْ  يَبُلُّ   نُحُورَهَا        بِدَمٍ كَمَاءِ الْعَنْدَمِ[34] المُهْرَاقِ[35]
إن اعتزاز الإنسان العربي بنسبه جعله يغلو فيه أحيانًا، فلا يرى نسبًا يضاهي نسب قبيلته نُبْلاً وشرفًا، ولا يرضى أن يتطاول أحد من القبائل الأخرى فيدعي لنفسه نسبًا أشرف من نسبه، أو حَسَبًا أشرف أرومة منه، وما الرواية الآتية إلا صورة واضحة لذلك الغلو.

فقد ورد أن بدر بن مَعْشَر - من بني مُدرِكة - وقف في الجاهلية بسوق عكاظ يفخر بنسبه، ويقول:
نَحْنُ  بَنُو  مُدْرِكَةَ   بنِ   خِنْدِفِ        مَنْ يَطْعَنُوا فِي عَيْنِهِ لم يَطْرِفِ[36]
وَمَنْ  يَكُونُوا  قَوْمَهُ  يُغَطْرِفِ[37]        كَأَنَّهُ  لُجَّةُ   بَحْرٍ   مُسْدِفِ[38]
ثم مد رجله، وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها. فلم يطق الأحمر بن مازن الهوازني عنجهيته، وادعاءه رفع نسب قبيلته فوق أنساب القبائل الأخرى، فاستلّ سيفه وضرب رِجْلَه فأَنْدَرها[39] من الركبة، غير مبالٍ بحرمة الشهر الحرام، وقد كاد الشر أن يستفحل بين قبيلتي الرجلين، لولا أنهم جنحوا إلى الصلح فيما بينهم[40].

تلك - لا شك - صورة للغلو الشديد في التعصب القبلي، وهي - إنصافًا - الصورة السائدة في العصر الجاهلي. وكانت تلك الحادثة دافعًا حدا بالأحمر الهوازني إلى المزيد من الفخر بنفسه وقبيلته حين صورها في قوله[41]:
إِنِّي  وَسَيْفِي   حَلِيفَا   كُلِّ   دَاهِيَةٍ        مِنَ  الدَّوَاهِي  الَّتِي  بِالْعَمْدِ  أَجْنِيهَا
إِنِّي نَقَمْتُ عَلَيْهِ  الْفَخْرَ  حِينَ  دَعَا        جَهْرًا  وَأَبْرَزَ  عَنْ   رِجْلٍ   يُعَرِّيهَا
ضَرَبْتُهَا   آنِفًا   إِذْ   مَدَّهَا    بَطَرًا        وَقُلْتُ: دُونَكَهَا،  خُذْهَا  بِمَا  فِيهَا
لَمَّا  رَأَى  رِجْلَهُ   بَانَتْ   بِرُكْبَتِهَا        أَوْمَا إِلَى رِجْلِهِ الأُْخْرَى يُفَدِّيهَا[42]
2- الطَّبَقِيَّة:
لقد كان أهل الجاهلية يعاملون الناس حسب منازلهم ودرجاتهم، ويُعمِلون مبدأ عدم التكافؤ بين الناس؛ فقد كان هناك سادة القوم وأشرافهم؛ من أمراء العرب، ورجال الدين، والتجار، ورؤساء العشائر، والشعراء، وغيرهم، وكان هناك من ينتمون إلى الطبقات الدنيا؛ كالفقراء، والصعاليك، والمحتاجين، وأبناء السبيل، وأصحاب الحِرف اليدوية، بالإضافة إلى العبيد وغيرهم، وكانت هناك طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها، وامتيازًا، فتترفع على الناس، ولا تشاركهم في عادات كثيرة، حتى في بعض مناسك الحج.
ولقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى أولئك الذين اختصوا أنفسهم بامتيازات، وترفعوا على الناس، بل على دعوات الرسل - عليهم السلام - وفي السيرة النبوية الكثير من المواقف، والأحداث البارزة، الشاهدة على هذا الواقع الطبقي الجاهلي[43].

3- الأخذ بالثأر:
لا شك أن معاقبة الجاني والثأر منه أمر جائز، فقتل القاتل مثلاً شيء لا ينكره شرع ولا عقل ولا عرف، إنما المذموم هو قتل غير القاتل بحجة أنه من آل فلان، أو ترك القاتل لأنه ليس كُفْئًا للمقتول، ثم السعي في قتل من هو كفء للمقتول وإن كان بريئًا، وهو ما كان سائدًا في العصر الجاهلي. فقد كان من خُلُق القوم في الجاهلية: الحرص على الأخذ بالثأر على أي حال، واستثارة الهمم للقتال، ليتمثل بذلك اعتزاز العربي بعصبيته، وصون كرامته، والحفاظ على هذه الكرامة إنما هو حفاظ على حيَاته نفسها، وكيانه في مجتمع ينهار فيه كل شيء إذا لم يَذُد فيه عن حياضه، ويركب للشر كل مركب[44]، ويهون على العربي أمر الحياة، ويستهين بالموت من أجل ثأره، فإذا وجب الثأر دفاعًا عن الحرمات وحفظًا للكرامة، فإن المَنِيّة عند العربي خير من إعطاء الدَّنِيّة. فالأخذ بالثأر إذًا هو معنًى من المعاني التي تعبر عن روح العصبية، وهذا الخلق - على ما فيه من شر - يتصل بكرامة العربي التي تدفعه إلى أن يقتص بنفسه من المعتدين، بيد أنه تنقصه الشريعة التي يدين بها الجميع، ويمتثلون لنصوصها، ويخضعون لوجوه تطبيقها. إلى جانب هذا كان معنى الثأر أيضًا يستتبع ضروبًا من الشجاعة، والرجولة، والاستبسال، جعلت حصونهم ظهور خيلهم، ومِهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجُنَّتهم السيوف، وعُدَّتهم الصبر.

وتتشعب معاني الأخذ بالثأر، وما يتصل به من فكرة دفع الديات، وما يرتبط به أيضًا من قيم وعادات خاصة برفضها أو بقبولها والرضا بها؛ حسمًا للقتال وإقرارًا للسلام، ثم علاقة ذلك كله بمفهموم الكرامة عند العربي، ومعنى الشرف في معجم أخلاقه[45].

4- الحروب:
إن ((النُّعَرَة)) - وهي الصياح، ومناداة القوم بشعارهم؛ من أجل الاستغاثة بهم، وحثهم على الحرب - هي مظهر أساس من مظاهر العصبية، وحين ينادي أحد قومه؛ فلا بد من إجابته، دون النظر إلى طبيعة موقفه، أو فعله، هل هو ظالم أو مظلوم[46]، ومن ذلك قول قُرَيْط بن أُنَيْف أحد بني العَنْبَر:
قَوْمٌ  إِذَا  الشَّرُّ  أَبْدى  نَاجِذَيْهِ  لَهُمْ        طَارُوا   إِلَيْه    زَرَافَاتٍ    وَوُحْدَانا
لاَ  يَسْأَلُونَ  أَخَاهُمْ   حِينَ   يَنْدُبُهُمْ        فِي النَّائِبَاتِ عَلَى ما قَالَ بُرْهَانَا[47]
ويمضي العربي بهذه الروح الجَسُور إلى القتال، لا يتردَّد ولا تخور قواه، ولا تصده هيبة الموت عن الإقدام؛ فقد عقد العزم على الحرب، فلا رجعة عنها؛ وهذا أحدهم يقول: ((حتى إذا جاشت نارها، وسُعِّرت لظاها، وكَشَفَت عن ساقها، جعلتُ مَقَادَها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خُضَاخِضها[48]، حتى أنغمسَ في غمرات لُجَجها، وأكون فُلْكًا[49] لفرساني إلى بُحْبوحة كَبْشها[50]، فأستمطرها دمًا، وأترك حماتها جَزَرَ السباعِ[51] وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَم[52]))[53].

ومع ذلك: فإن حياة الجاهليين لم تكن ثأرًا ودماء وحسب، ولم تَحُلْ روحُ العصبية بينهم وبين التمسك ببعض القيم والفضائل التي أقرها الإسلام، وقد صوَّرتها لنا بعض أشعارهم، كما عبر عنها ما نُسِب إليهم من خطابة، بل إن قيم العصبية نفسها لم تكن كلها مما يرفضه الدين، وتنبذه طبيعة الحياة المتحضرة، فإذا كانت هذه العصبية قد دفعت العربي إلى الثأر، والدماء، والاعتداد بالقوة، والرغبة في البطش والعدوان، فقد دفعته في الجانب الآخر إلى ضروب من الشجاعة، والاستبسال، والحفاظ على الكرامة، والاعتزاز بالشرف[54].

5- مظاهر أخرى:
ما ذكرته آنفًا هو أبرز مظاهر العصبية القبلية في العصر الجاهلي وهناك مظاهر أخرى تتمثل فيما يلي:
أ - التحاكم إلى أهواء مشايخ العشائر والطواغيت والكهان ونحوهم وترك التحاكم إلى طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ب - التنقُّص من قَدْر القبيلة التي لا تسعى إلى الشر، وتكره الظلم كما في تتمة أبيات قُريط بن أنيف[55] وهي قوله:
لكنَّ قَوْمِي وإِنْ  كَانُوا  ذَوِي  عَدَدٍ        لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وإِنْ  هَانَا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ  مَغْفِرَةً        ومِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا[56]
فقد مدح الشاعر في البيتين الأولين القوم الذين يسرعون جماعات وأفرادًا في نصرة أخيهم عند النائبات والملمات دون أن يطلبوا منه على استغاثته دليلاً وبرهانًا، ثم استدرك واستثنى قومه - على سبيل التنقص لهم - لأنهم لا يفعلون ذلك على الرغم من كثرة عددهم، بل يقابلون الظلم بالصفح والإساءة بالإحسان، فالبيتان ظاهرهما المدح وباطنهما الذم لأنهما استدراك بعد مدح كما ذُكر آنفًا.

ومنه قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ     لا     يَغْدِرُونَ      بِذِمَّةٍ        وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ[57]
وهذا البيت جاء في غرض الهجاء لهذه القبيلة وهو أيضًا ((ذم بما يشبه المدح)) فقوله ((قُبيِّلة)) من تصغير التحقير، والمراد أنها ضعيفة جدًا وفاقدة للقدرة على الغدر أو الظلم.
جـ - التفرق الحسي والمعنوي وعِمِّيَّة الراية وترك الإمارة ورد الصاع صاعين ومنه:
أَلاَ   لاَ   يَجْهَلَنْ   أَحَدٌ    عَلَيْنَا        فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا[58]
د - التقليد في الباطل واتباع طريقة الآباء دون تمييز كما وصفهم الله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزّخرُف: 23].

حكم الإسلام في العصبية الجاهلية
لقد بات من المسلّم به أن الشريعة الإسلامية لم تأت لتهدم كل ما كان عليه الناس قبلها، لتؤسس على أنقاضه بناءً جديدًا لاصلة له بفطرة البشر وما تقتضيه سنن الاجتماع، وإنما جاءت لتُحِقّ الحق وتبطل الباطل، ومما لا شك فيه أيضًا أن عادات العرب وتقاليدهم وأخلاقهم ومعاملاتهم في العصر الجاهلي - بمختلف جوانب الحياة - لم تكن سيئة كلها، بل منها ماكان ممدوحًا فأقره الإسلام ونبي الإسلام؛ انطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُِتَمِّمَ صَالِحَ الأَْخْلاَقِ))[59]، ومنها ما كان مذمومًا فأبطله الإسلام، أو صحّح فهمه، وطريق إعماله، فأصبح بعدها أمرًا محمودًا.

وبما أن العصبية الجاهلية كانت بمثابة الأساس للأعراف القبلية السائدة آنذاك، وكانت في الوقت نفسه من أسباب الفرقة، والتقاتل بين الناس؛ لذا فقد ركز الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، "وحاربها بكل قوة، ودون هوادة، وحذر منها، وسد منافذها؛ لأنه لا بقاء للدين العالمي، ولا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات، ومصادر الشريعة الإسلامية زاخرة بإنكارها، وتشنيعها، وما أكثر النصوص في ذلك"[60].

ويمكن تلخيص حكم الإسلام في العصبية الجاهلية في الأمور الآتية:
1- إلغاء العصبية الجاهلية، والتحذير منها؛ ويتجلى ذلك في كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ)) [61]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ومَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ[62]؛ يَغْضبُ لعَصَبَةٍ، أو يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أو يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ؛ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ))[63].

2- تقرير المساواة بين الناس، وعدم الاعتراف بالامتيازات الطبقية، أو النفوذ الموروث؛ فأساس التفاضل: التقوى والعمل الصالح؛ قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...} الآية [الحُجرَات: 13]، وعن أبي نَضْرة قال: حدثني من سمع خُطْبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق؛ فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلاّ بِالتَّقْوَى)) [64]، وعن عائشةَ رضي الله عنها أن قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقَتْ، فقالوا: من يكلّم فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامةُ، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلّمه أسامةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟))، ثم قام فاختطب، فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) [65].

3- إلغاء كل مظاهر العبودية لغير الله؛ من نحو تقديس الأعراف القبلية، والانسياق معها باطلاً دون تبصُّر، إلا لمجرد الهوى واجتماع الناس عليها، ومِنْ ثَمَّ إثبات العبودية لله وحده؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذّاريَات: 56].

4- النهي عن الطعن في الأنساب، وعن التفاخر؛ والتعاظم بالآباء، والأجداد، والمآثر، والأمجاد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى َلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، ولا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))[66].

ومن أعظم صور التواضع في الإسلام: أن جبريل عليه السلام جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء، فإذا مَلَك ينزل، فقال جبريل عليه السلام: إن هذا الملك ما نزل منذ يومِ خُلِقَ قبل الساعةِ، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلَني إليك ربُّك: أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يجعلك، أو عبدًا رسولاً؟ قال جبريل عليه السلام: تواضعْ لربك يا محمّد، قال: ((بَلْ عَبْدًا رَسُولاً)) [67].
ـــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: مادة (ع ص ب) في "تهذيب اللغة" للأزهري (45-51)، و"الصحاح" للجوهري (1/182-183)، و"لسان العرب" لابن منظور (4/2964-2966)، و"القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص 148)، و"موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" للتهانوي (946).
[2] جزء من حديث أخرجه مسلم (1763)، من حديث عمر رضي الله عنه.
[3] "تهذيب اللغة" للأزهري (2453 ع ص ب).
[4] النُّعَرَةُ: بضم النون، وفتح العين؛ كـ«هُمَزَة»، والعامَّة تقول: النَّعْرَة على وزن التَّمْرَة. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (7/543 ن ع ر).
[5] "مقدمة ابن خلدون" (ص235).
[6] "فكر ابن خلدون، العصبية والدولة" لمحمد عابد الجابري (ص168).
[7] "خُلُق ودين (دراسات اجتماعية أخلاقية)" لإبراهيم سلامة (ص81).
[8] "فلسفة التاريخ عند ابن خلدون" لزينب الخضيري (ص179- 182).
[9] "لسان العرب" لابن منظور (5/3519 ق ب ل).
[10] المرجع السابق (4/ 2863 ع ر ب)، وانظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (1/121).
[11] انظر: "تهذيب الكمال" للحافظ المِزِّيّ (5/495).
[12] أخرجه البخاري (2227)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[13] انظر ما سيأتي (ص89-90).
[14] رواه الشافعي في "المسند" (ص456)، وابن حبان (4950)، والبيهقي (10/293)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[15] متفق عليه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أخرجه البخاري (92)، ومسلم (2360).
[16] أخرجه مسلم (2359)، من حديث أنس رضي الله عنه.
[17] القافة: جمع قائف، وهو الذي ينظر إلى شبه الولد بأبيه. انظر: "لسان العرب" (5/3776 ق و ف).
[18] التاط: التاط ولدًا، واستلاطه: استلحقه، أي: بنسبه. انظر: "لسان العرب" (5/4098 ل و ط).
[19] أخرجه البخاري (5127). وانظر في شرح الحديث: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر (9/184-186).
[20] أخرجه عبدالرزاق في "المصنف" (13273)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (32173) من حديث جعفر الصادق عن أبيه رفعه.
[21] شاعر فارس، من بكر بن وائل، عاش في العصر الأموي، في عهد هشام بن عبدالملك، من سكان خراسان، له ترجمة في "تاريخ دمشق" لابن عساكر (62/314).
[22] انظر: "الكتاب" لسيبويه (2/282).
[23] أخرجه أبو داود (5119)، والطبراني في "الكبير" (236).
[24] وقد قيل: إن أول من قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» هو جُنْدُب بن العنبر، وقد عنى بها ظاهرها، وهو: ما اعتيد من حمية الجاهلية. كما في: "فيض القدير" للمناوي (3/59). لكنَّ الإسلام هذَّب هذا المبدأ الجاهلي فيما بعد؛ ففي "صحيح البخاري" (2444) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا نَنْصُرُهُ مظلومًا، فكيف نَنْصُرُهُ ظالمًا؟ قال: «تأخُذُ فوقَ يَدَيْهِ».
[25] الأَرُومة: أصل كل شجرة، وأصلُ الحَسَب: أَرومة، وكذلك أصلُ كل شيء ومجتمَعُه. انظر: "معجم المقاييس" لابن فارس (1/49-50 أرم).
[26] "الخفجي" مجلة شهرية، العدد 12، ذو القعدة 1413هـ - يونيو 1993م، الشاعر والقبيلة، د. عبدالغني زيتوني (ص20).
[27] "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض (ص98).
[28] هو: ابن مالك بن جعفر بن كلاب، شاعر جاهلي، لقبه: معوِّد الحكماء. انظر: "نزهة الألباب في الألقاب" لابن حجر (2/187).
[29] "المفضليات" للمفضل الضبِّي (ص355).
[30] شاعر جاهلي من بني تميم، من الفرسان، ومن وُصَّاف الخيل. انظر: "الأعلام" للزركلي (3/106).
[31] المَحْتِد: الأصل. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي، (ص352 ح ت د).
[32] ذَرِب الشيءُ ذَرْبًا، أي: صار حديدًا ماضيًا. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (ص79 ذرب).
[33] الأوساق: جمع وَسْقٍ، وهو ستون صاعًا، وقال الخليل بن أحمد: الوَسْق: حِمْل البعير، والوِقْر: حمل البغل والحمار. انظر: "مختار الصحاح" للرَّازي (ص619- و س ق). فالأوساق: الأحمال الثقيلة، والمقصود هنا: تجشُّم قومِه تحمّلَ مشاقِّ الحرب وويلاتِها دون سائر الأقوام.
[34] العندم: شجر أحمر، «دم الأخوين» انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص1473/عندم)
[35] "ديوان سلامة بن جندل" صنعة: محمد بن الحسن الأحول، (ص151- 152).
[36] لم يطرف: أي مات، وهو كقولهم: «ما بَقِيَتْ منهم عين تَطْرِف». انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص1075 ط رف)
[37] يُغطرف: يمشي مختالاً فخورًا. انظر: القاموس المحيط (ص 1088 غ ط ر ف).
[38] مسدف: مظلم. انظر: القاموس المحيط (ص 1058 س د ف)
[39] فأَنْدَرَها: ندر الشيءُ، سقط وشذّ. والمقصود: فقطعها برُكْبتها. انظر: "مختار الصحاح" للرَّازي (561 ن د ر).
[40] "العقد الفريد" لابن عبد ربه، (6/87 - 88).
[41] "المؤتلف والمختلف" للآمدي، (ص42).
[42] انظر: "مجلة الخفجي" الشاعر والقبيلة، (ص20 - 21).
[43] انظر: "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض (ص96 - 97).
[44] "القيم الخُلُقية في الخطابة العربية" لسعيد حسين منصور (ص24).
[45] انظر: "القيم الخلقية في الخطابة العربية" لسعيد حسين منصور (ص24 - 26).
[46] انظر: "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض، (ص94).
[47] البيتان في "خزانة الأدب" للبغدادي (7/413-414)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (1/296).
[48] خُضَاخِضها، بالضم: الكثير الماء والشجر من الأمكنة. "القاموس المحيط" (ص827 خ ض ض).
[49] فُلْكًا: سفينة. "القاموس المحيط" (ص1228 ف ل ك).
[50] كبشها: كبش القوم: سيدهم، وقائدهم. "القاموس المحيط" (ص778 ك ب ش).
[51] جَزَر السباع: قِطَعًا لها. "القاموس المحيط" (ص465 ج ز ر).
[52] القشعم من النسور: المُسِنّ، الضخم. "القاموس المحيط" (ص1484 ق ش ع م).
[53] "جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب" للسيد أحمد الهاشمي (1/231).
[54] انظر: "القيم الخُلُقُية في الخطابة العربية"، لسعيد حسين منصور، (ص25، 33).
[55] انظر: (ص39).
[56] البيتان في "خزانة الأدب" للبغدادي (7/413-414)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (1/296).
[57] انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (1/81).
[58] البيت لعمرو بن كلثوم بن مالك، من بني تغلب (39 ق.هـ). انظر: "خزانة الأدب" لابن حجَّة الحموي (1/64، 423، 252).
[59] أخرجه أحمد (8939)، والبخاري في "الأدب المفرد" (273)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (45).
[60] "رِدَّة ولا أبا بكر لها" لأبي الحسن الندوي (ص12).
[61] أخرجه أبو داود (5121)، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه.
[62] عِمِّيَّة، أي: في الأمر الأعمى للعصبية، فلا يستبين المقاتلُ ما وجه الأمرِ الذي عليه يقاتِل. انظر: "لسان العرب" (4/3115 ع م ي).
[63] جزء من حديث أخرجه مسلم (1848)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[64] سبق تخريجه (ص7)، هامش (1).
[65] متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
[66] أخرجه مسلم (2865)، من حديث عِيَاض بن حِمَارٍ المجاشعي رضي الله عنه.
[67] أخرجه أحمد (7160)، والبزار في "كشف الأستار" (2462)، وأبو يعلى في "مسنده" (6105)، وابن حبان (2137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.