نظرات في سورة الحجرات

جماز بن عبدالرحمن الجماز
إن هذه السورة الكريمة ، وهي على وجازتها سورة جليلة ضخمة ، تتضمن حقائق التربية الخالدة ، وأسس المدنية الفاضلة ، فهي بحق مدرسة متكاملة ، تربّى في ضوئها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
ولقد جاءت لتربي الأمة على سمو الأخلاق وفضائل الأعمال وعلو الهمم .
إنها مدرسة عقيدية وتشريعية وتربوية ، ولذلك فلا عجب أن يُسمي بعض المفسرين هذه السورة بـ (سورة الأخلاق) فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب .
"صفوة التفاسير" للصابوني (16/44) ، "سورة الحجرات" للعمر (8)
"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (16/198)
مكان نزولها : بالمدينة ، وقد ذكر القرطبي أنها مدنية بإجماع "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (16/198) عدد آياتها : ثمانية عشر آية "تفسير ابن كثير" (7/345-369) وما قبله .
بين يدي السورة :
ابتدأت السورة بالأدب الرفيع ، الذي أدّب الله به المؤمنين تجاه شريعة الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو ألا يبرموا أمراً ، أو يبدوا رأياً ، أو يقضوا حكماً في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يستشيروه ويستمسكوا بإرشاداته الحكيمة ، فلا يقولوا حتى يقول ، ولا يأمروا حتى يأمر ، وأنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب إتباعها ، وتقديمها على غيرها .
ثم انتقلت إلى أدب آخر ، وهو خفض الصوت إذا تحدثوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في لين وتكريم ، وألا يكون الرسول كأحدهم ، بل يُميّزونه في خطابهم ، كما تميّز عن غيره ، فيقولوا : يا رسول الله ، يا نبي الله .
ثم مدح الله تعالى من غضّ صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أن قلوبهم صالحة للتقوى ، ووعدهم بالمغفرة لذنوبهم ، والثواب العظيم لهم في جنات النعيم .
ثم ذمَّ الله تعالى أناساً من الأعراب ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدوه في بيته وهو قائل ، فلم يصبروا حتى يخرج ، ونادوه : أن اخرج إلينا ، فذمهم الله بعدم العقل ، حيث لم يعقلوا الأدب مع رسوله واحترامه ، وذلك بأن
يصبروا حتى يخرج إليهم ، فإنّ ذلك أفضل عند الله وعند الناس ، والله غفور لذنوب عباده ، رحيم بالمؤمنين ، حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم ، ولم يُنزل العقاب بهم .
  * أكثر مباحث هذا البحث مأخوذ من {سورة الحجرات : دراسة تحليلية موضوعية } لناصر بن سليمان العمر

ومن الأدب الخاص إلى الأدب العام ، تنتقل السورة لتقرير دعائم المجتمع الفاضل ، فتأمر المؤمنين بعدم السماع للإشاعات ، وتأمر بالتثبت من الأنباء والأخبار ، لاسيما إن كان الخبر صادراً عن شخص غير عدل ، أو مُتّهم ، فإنّ في ذلك خطراً كبيراً ، ووقوعاً في الإثم ، وكم من خبرٍ لم يتثبت من سامعه جرّ وبالاً ، وأحدث انقساماً ، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق ما يكون سبباً للندامة . ثم أبان تعالى بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهركم – يعني الصحابة – فعظّموه وانقادوا لأمره ، فإنه أعلم بمصالحكم ، وأشفق عليكم من أنفسكم ، ورأيه فيكم أتمّ من رأيكم لكم ، ثم بيّن أنّ رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم ، فلو أطاعكم – يعني الصحابة – في جميع ما تختارونه لأدّى ذلك إلى عنتكم وحرجكم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يرشدكم .
ثم أخبر جل جلاله بأنه يُحبّب إليكم الإيمان ، ويُزيّنه في قلوبكم ، بما أودع فيها من محبة الحق وإيثاره ، وبما نصب على الحق من الشواهد الدالة على صحته ، وقبول القلوب والفطر له ، ويُكرّه إليكم الكفر والفسوق – وهي الذنوب الكبار – والعصيان – وهي جميع المعاصي - ، بما أودع في قلوبكم من كراهية الشر وعدم إرادة فعله ، وبما نصب على الشر من الشواهد الدالة على فساده ومضرته وعدم قبول القلوب والفطر له ، وبما يجعل الله في القلوب من الكراهة له .
ثم وصف أولئك بأنهم الذين صلحت علومهم وأعمالهم واستقاموا على الدين القويم والصراط المستقيم ، وأنّ هذا الخير الذي حصل لهم هو بفضل الله وإحسانه ، لا بحولهم وقوتهم ، وأنه تبارك وتعالى عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية ، فهو حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره .
ثم ينهى الله عز وجل عباده المؤمنين ، عن أن يبغي بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضاً ، وأنه إذا اقتتلت جماعة من المؤمنين ، فإنّ على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير بالإصلاح بينهم ، والتوسط على أكمل وجه يقع به الصلح ، فإن صلحتا فبها ونعمت ، وإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الفئة الباغية ، حتى ترجع إلى حكم الله ورسوله ، من فعل الخير وترك الشر الذي من أعظمه الاقتتال ، حتى إذا كفّت عن الاقتتال فأصلحوا بينهما ، وليكن الصلح بالعدل ، لا بالظلم والحيف على أحد الخصمين ، فلا تُراعى جماعة لقرابة أو وطن أو غير ذلك من المقاصد والأغراض ، واعدلوا في كل ما تأتون وتذرون ، فإن الله عز وجل يحب العادلين في حكمهم بين الناس ، وفي جميع الولايات التي تولوها ، حتى عدل الرجل في أهله وعياله في أداء الحقوق إليهم .
ثم عقد الله بين المؤمنين عقداً ، أنه إذا وُجِد من أي شخص كان ، في مشرق الأرض ومغربها : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فإنه أخ للمؤمنين ، أخوة تُوجب أن يُحبّ له المؤمنون ما يُحبون لأنفسهم ، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم ، ومن ذلك : إذا وقع الاقتتال بينهم ، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها ، فليصلح المؤمنون بين إخوانهم ، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم ، فليس المؤمنون إلا إخوة في الدين .
ثم أمر بالتقوى ، ورتّب على القيام بها حصول الرحمة ، وإنّ عدم القيام بحقوق المؤمنين من أعظم حواجب الرحمة الذي يحصل به خيري الدنيا والآخرة .
ثم حذّرت السورة معاشر المؤمنين من كل قول وفعل دالٍ على تحقير الأخ المسلم ، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه ، وعسى أن يكون المسخور به خيراً من الساخر ، وهو الغالب والواقع ، فإن السخرية لا تقع إلاّ من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق ، متحلٍّ بكل خلق ذميم ، مُتخلٍّ من كل خلق كريم ، وهذا للرجال والنساء .
ولا يعب بعضكم على بعض ، ولا يُعيّر أحدكم أخاه ، ويُلقِّبه بلقب يكره أن يُقَال فيه ، واللمز بالقول ، والهمز بالفعل ، وسمى الأخ المسلم نفساً لأخيه ، لأن المؤمنين ينبغي أن يكون حالهم كالجسد الواحد .
ثم ذم الله تعالى مرتكب ذلك ، وأنَّ من فعل ما نهى عنه ، وتقدم على المعصية بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ، ونبذه بالألقاب ، فهو فاسق .
ومن لم يتب عن نبز أخاه أو لمزه أو سخريته منه ، فأولئك الذي ظلموا أنفسهم فأكسبوها العقاب .
ثم نهى الله عز وجل عباده المؤمنين عن كثير من الظن السيئ بالمؤمنين ، من تهمة وتخوّن للأهل والأقارب والناس عامة ، وعبّر بالكثير لوجوب الاحتياط والتورع فيما يخالج الأفئدة من هواجسه ، فلا يتلفظ به ، إلا بعد التحقق ، واعلموا أنَّ بعض الظن يكون إثماً محضاً كظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة ، وكالظن الخالي من الحقيقة والقرينة ، وذلك بأهل الخير .
فليُتجنَّب كثير منه احتياطاً ، إذ لا داعية تدعوا المؤمن للمشي وراءه ، أو صرف الذهن فيه ، بل من مقتضى الإيمان ظنُ المؤمنين بأنفسهم خيراً .
ولما كان من ثمرات سوء الظن التجسس والاشتغال به : نهى الله عز وجل عنه ، وذلك بألاّ يتبع بعضكم عورة بعض ، ولا تُفتِّشوا عنها ، ودعوا المسلم عن حاله ، واستعملوا التغافل عن زلاته ، واقنعوا بما ظهر لكم من أمره ، وبه فاحمدوا أو ذُمّوا ، والتحسّس - بالحاء المهملة – غالباً يكون في الخير ، والتجسّس – بالجيم المعجمة – غالباً يكون في الشر ، وقد يُستعمل كل منهما في الشر .
ثم نهى الله تبارك وتعالى عن الغيبة ، وذلك بألاّ يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره فيه ذلك أن يقال له في وجهه ، إنّ أحدكم لو عُرِض عليه أكل لحم أخيه ميتاً لكرهه ، فلذا ينبغي أن تكرهوا غيبته ، وخافوا عقوبة الله بانتهائكم عما نهاكم عنه من ظن السوء والتجسّس عما ستر ، والاغتياب ، وغير ذلك من المناهي ؛ واعلموا أن الله يقبل توبة التائبين إليه ، ويتكّرم برحمته عن عقوبتهم بعد متابهم .
ثم نبه تعالى بعد نهيه عن الغيبة واحتقار الناس بعضهم لبعض : على تساويهم في البشرية ، فأخبرهم أنه خلقهم من أصل واحد ، وهما آدم وحواء ، فلا تفاخر بالآباء والأجداد ، ولا اعتداد بالحسب والنسب ، سواء بسواء ، كلكم لآدم وآدم من تراب ؛ ولكن الله تعلى بثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً ، وفرّقهم ، وجعلهم شعوباً – أمة كبيرة – وقبائل – مما هو دونها- لأجل التعارف بينكم ، لا التفاخر بأنسابكم ، إنه لو استقل كل واحد منكم بنفسه ، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق الأقارب .
واعلموا أنكم إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى ، فمن كان أكثركم طاعة وانكفافاً عن المعاصي ، فهو المستحق لأن يكون أكرم وأشرف وأفضل ، فدعوا التفاخر بالأنساب .
إن الله عليم بظواهركم وبواطنكم ، خبير بالأتقى والأكرم ، لا تخفى عليه خافية .
إنه لمّا كانت طليعة السورة في الحديث عن جفاة الأعراب ، والإنكار على مساوئ أخلاقهم ، ختمها بتعريف أنّ من كان على شاكلتهم في ارتكاب تلك المناهي ، فهو ممن لم يخامر فؤاده الإيمان ، فهو تبارك وتعالى يُنكر على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان ، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم ، فأُدّبوا وأُعلِموا أنّ ذلك لم يصلوا إليه بعد ، فهم مسلمون ، والسبب أنكم إنما أسلمتم خوفاً أو رجاءً ، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم ، فهو ليسوا بمنافقين ، وإلا لفُضحوا وعُنِّفوا .
وإن تطيعوا الله ورسوله بفعل خير أو ترك شر ، فلا ينقصكم من أعمالكم ولو مثقال ذرة ، بل يوفيكم إياها ، أكمل ما تكون ، لا تفقدون منها صغيراً ولا كبيراً .
إن الله غفور لمن تاب إليه وأناب ، رحيم به ، حيث قبل توبته .
ثم بيّن تعالى الإيمان ، وما به يكون المؤمن مؤمناً ، إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان ، الذين جمعوا بين طاعة الله ورسوله ، ولم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به من وحدانية الله ونبوة نبيه ، وجاهدوا المشركين بإنفاق أموالهم وبذل مهجهم في جهادهم ، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، إنّ أولئك الجامعون بين الأمور المذكورة : هم الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان ، والدخول في عِداد أهله ، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام ولم يطمئن بالإيمان قلبه .
إنّ إثبات الإيمان ونفيه ، من باب تعليم الله بما في القلب ، وهو سوءُ أدبٍ وظنٍ بالله عز وجل ، ولهذا قال آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الأعراب : أتعلِّمون الله بدينكم ، أتخبرونه بما في ضمائركم ، إنه إن كان إخباراً للخلق فلا دليل على صدقه ، وإن كان للحق تعالى فلا معنى له ، لأنهم كيف يُعلِّمونه ، وهو العالم بكل شيء ، إنه تجمّل بما لا يجمل ، وفخر بما لا ينبغي لهم الفخر به ، فإن المنة لله تعالى عليهم ، فهو سبحانه لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، والله بكل شيء عليم .
ثم أشار تعالى إلى نوع آخر من جفائهم ، وهو منتهم بإسلامهم ، وتكثيرهم لسواد أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، فردّ الله عليهم : ألاّ  { تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم }الحجرات17، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ، ولله المنة عليكم فيه ،  { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ}الحجرات17 أي أرشدكم إليه ، وأراكم طريقه ووفقكم لقبول الدين ، وشرح صدوركم له ، إن كنتم صادقين في دعواكم ، ولكن علم الله من قلوبكم أنكم كاذبون ، لاطلاعه على الغيوب ، إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من الكاذب ، ومن الداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه ، ومن الداخل فيه رهبةً من الرسول صلى الله عليه وسلم وجنده .
فهو سبحانه يعلم الأمور الخفية التي تخفى على الخلق ، كالذي في لجج البحار ، وما جنّه الليل أو واراه النهار ، يعلم قطرات الأمطار ، وحساب الرمال وكنونات الصدور وخبايا الأمور . انظر
"تفسير القرطبي" (16/198-228) ، "تفسير ابن كثير" (7/345-369) ،
"تفسير القاسمي" (15/106-147) ، "تفسير السعدي" (5/67-77) ، "زبدة التفسير" للأشقر (684-688)
"صفوة التفاسير" (16/44-52)
في ذكر أسباب نزول آياتها :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ}الحجرات1 و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَه}الحجرات2 أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أمِّرِ القعقاع بن معبد ، وقال عمر : بل أمِّر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر : ما أردتَ إلى – أو- إلاّ خلافي ، فقال عمر : ما أردتُ خِلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزل في ذلك : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ}الحجرات1 حتى انقضت الآية ، إلى قوله :  {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا }الحجرات5 بخ . عن عبد الله بن الزبير
"الفتح" (8/590-592) و (13/276) ، "تفسير ابن كثير" (7/345-346) .
{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى }الحجرات3
قال ابن عباس : لما نزل قوله : { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ }الحجرات2تألّى أبو بكر – أي آلى على نفسه ، أي حلف عليها – ألاّ يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلاّ كأخي السِرار – خفض صوته- فأنزل الله في أبي بكر  {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ }الحجرات3 ك وصححه ، وقال الذهبي : على شرط مسلم .
"المستدرك" (2/501) ، "الفتح" (8/591) ، "معالم التنزيل" للبغوي (7/336)
{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }الحجرات4
أصح ما ورد فيها : أنها نزلت في أعراب من بني تميم ، قاله مجاهد ، ذكره ابن جرير وغيره .
وقد ذُكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ، فيما أورده غير واحد ، قاله ابن كثير .
وقال ابن إسحاق : نزلت في جفاة بني تميم ، وكان فيهم الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم ؛ ذكره الواحدي .
وعن الأقرع : أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ، فقال : يا رسول الله : فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ألا إن حمدي زين وإن ذمي شين ، فقال رسول الله : « ذاك الله عز وجل » حم و طب وابن جرير عن الأقرع مرفوعاً بسند صحيح ، قاله الهيثمي والسيوطي .
ولا إشكال في هذا ، فإن الفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم ، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم ، وكان الباقون راضين ، فكأنهم تولوه جميعاً ، قاله الساعاتي .
وقد ذكر القرطبي عن مجاهد أنهم كانوا سبعين رجلاً ، وقيل غير ذلك .
وقد أخرج الواحدي قصة المفاخرة التي حصلت من جفاة بني تميم ، وهي قصة طويلة ، وإسنادها هالك
انظر "السيرة النبوية" (4/203-210) ، "أسباب النزول" للواحدي (387-390)
"الفتح الرباني" (18/281-282) ، "زاد المسير" لابن الجوزي (7/458-459)
"تفسير القرطبي" (16/203-204) ، "تفسير ابن كثير" (7/349) ، "الدر المنثور" للسيوطي (7/552) .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6
قال البغوي : نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقاً ، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، فهابهم ، فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهمّ أن يغزوهم ، فبلغ القوم رجوعه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عزّ وجل ، فبدا له الرجوع ... فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر ، وأمره أن يُخفي عليهم قدومه ، ...ففعل خالد ، ووافاهم ، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء ، فأخذ منهم صدقاتهم ، ولم يرَ منهم إلاّ الطاعة والخير ، فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر ، فأنزل الله الآية ) ا.هـ "تفسير البغوي" (7/338-339) .
وحديث خبر الوليد هذا ، حم ، طب وغيرهما وصحّحه الهيثمي والسيوطي ، وعدّ ابن كثير طريق أحمد من أحسن الطرق ، والقول بأن الآية نزلت في الوليد هو قول كثير من المفسرين ، كما قاله ابن كثير ، وذكر منهم من السلف : ابن أبي ليلى والضحاك وغيرهما "تفسير ابن كثير" (7/350-352) بل ذكره بعضهم قول جماهير المفسرين "سورة الحجرات" (24-26) وذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين أهل التأويل في أنها نزلت في الوليد "الفتح الرباني" (18/282-284) . وما أجمل قول الرازي : ( ... إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبت في خبر الفاسق ، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد ، فهذا جيد ، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات ، فهذا ضعيف ، لأن الوليد لم يتقصّد الإساءة إليهم ، ورواية الإمام أحمد تدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث ، وقد خرجت في انتظاره ، فظنها خرجت لحربه ، فرجع وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما أخبره ظناً منه أنهم خرجوا لقتاله ...
ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاقه لفظ "الفاسق" على الوليد شيء بعيد ، لأنه توّهم وظنّ فأخطأ ، والمخطئ لا يُسمّى فاسقاً ... "التفسير الكبير" للرازي (28/119) ، وانظر "الدر المنثور" (7/555) ، "أسباب النزول" (391) ، "تفسير آيات الأحكام" للصابوني (2/443) .
{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}الحجرات9
الأظهر والأرجح أنها نزلت لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أُبيّ ، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حماراً ، فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النبي قال : إليك عني ، والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه ، فشتما ، فغضب لكل واحدٍ منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنها أنزلت { وَإِن طَائِفَتَانِ}الحجرات9 بخ عن أنس
"الفتح" (5/297) رقم (2691) ، وانظر "تفسير ابن الجوزي" (7/462) .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ }الحجرات11
أما  { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ }الحجرات11 فقد رُوِيَ أنها نزلت في ثابت بن قيس لما ذكر رجلاً بقوله : ( أنت ابن فلانه ) حيث ذكر أماً له كان يُعيّر بها في الجاهلية ، ورُوِي أنها نزلت في وفد تميم حينما استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما [ ولا نساء من نساء ] فقد رُوِي أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيّرن أم سلمة بالقِصَر ، ورُوِي أن صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن النساء يُعيّرنني ويقلْنَ : يا يهوديّة ، فنزلت الآية ؛ وهذه كلها ذكرها الواحدي بدون إسناد ، فهي ضعيفة "أسباب النزول" (393) .
{ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ }الحجرات11 فأصح ما ورد ، قال أبو جبيرة بن الضحاك : ( فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة ، قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس منا رجل إلا وله إسمان أو ثلاثة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « يا فلان » فيقولون مهْ يا رسول الله ! إنه يغضب من هذا الاسم ، فأنزلت هذه الآية ) د وغيره وهو صحيح .
"صحيح سنن أبي داود" (3/937) برقم (4151) ، انظر "تفسير ابن الجوزي" (7/465-467) و تفسير ابن كثير (7/356)
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }الحجرات13
رُوِي أنها نزلت في قوم تكلّموا في بلال وعيّروه ، عندما أذّن يوم الفتح فوق ظهر الكعبة ، ورُوِي أنّ عبداً أسود مرض ، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم ، ثمّ قُبِض ، فتولى غسله وتكفينه ودفنه ، فأثر ذلك عند الصحابة ، فنزلت ؛ وروي أنها نزلت في حادثة ثابت بن قيس السابقة ، وكل هذه الآثار تُروى بدن سند ، سوى أثر بلال فقد عزاه السيوطي لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وغيرهم .
وبكل حال لا يمكن الجزم بشيء منها ، لعدم ثبوته .
أنظر "أسباب النزول" (394-396) ، "تفسير ابن الجوزي" (7/473) ، "الدر المنثور" (7/578) .
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا }الحجرات14
أصح ما ورد في سبب نزولها ، ما ذكره الواحدي : أنها نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فيسنة جدبة ، فأظهروا الشهادتين ، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها ، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه ، فأنزل الله الآية .
وعند الطبراني : ( أن ناساً من العرب قالوا : يا رسول الله : أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأنزل الله {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا }الحجرات17 وحسّنه السيوطي في اللباب ، وعند البزار وغيره : أنهم "بنو أسد" وإسناده صحيح .
ورُوي غير هذا ، ولكنه بدون إسناد ، فالمعوّل عليه هو الأول ، وإليه ذهب جماهير المفسرين .
أنظر "أسباب النزول" (396) ، "تفسير ابن الجوزي" (7/475-476) ، "تفسير ابن كثير" (7/369)
"تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير" (4/226) ، "سورة الحجرات" (31-32) .
ما ورد في السورة من أحكام :
{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}الحجرات9 قال أبو بكر بن العربي : هذه الآية هي الأصل في قتال المسلمين – أي البغاة – والعمدة في حرب المتأولين ، وعليها عوّل الصحابة ، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة ، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « يقتلُ عماراً الفئة الباغية » م . عن أم سلمة مرفوعاً .
"شرح مسلم" (18/257) برقم (2916) ا.هـ
 { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }الحجرات9 قال أبو بكر بن العربي : أمر الله بالقتال ، وهو فرض على الكفاية ، إذا قام به البعض سقط عن البعض الباقين ، ولذلك تخلّف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات ، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، وصوّب ذلك علي بن أبي طالب لهم ا.هـ "أحكام القرآن" لابن العربي (4/149 ، 151) .
هذا وقد تحدّث ابن العربي عن أحكام قتال البغاة ، وكذا أفاض الجصاص في ذلك أنظر "أحكام القرآن" لابن العربي (4/151-155) ، و "أحكام القرآن" للجصاص (3/400)
 {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }الحجرات10 قال القرطبي : في هذه الآية والتي قبلها دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان ، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين ، قال الحارث الأعور : سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو القدوة عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفِّين : أمشركون هم ؟ قال : لا ، من الشرك فروا ، فقيل : أمنافقون ؟ قال : لا ، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلاَّ قليلاً ، قيل له : فما حالهم ؟ قال : إخواننا بغوا علينا ا.هـ وقال ابن كثير : وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت ...ا.هـ
"تفسير القرطبي" (16/212) ، "تفسير ابن كثير" (7/353) .
ولمناسبة المقام ، نذكر مقولة القرطبي فيما حصل بين الصحابة : ( لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به ، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه ، وأرادوا الله عز وجل ، وهم كلهم لنا أئمة ، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم ، وألاّ نذكرهم إلاّ بأحسن الذكر ، لحرمة الصحبة ، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبّهم ، وأن الله غفر لهم ، وأخبر بالرضا عنهم .... وإذا كان كذلك ، لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم ، وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم غنائهم في الدين رضي الله عنهم ، وقد سُئِل بعضهم عن الدماء التي أُريقت فيما بينهم ، فقال : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }البقرة134 وسُئل بعضهم عنها أيضا فقال : ( تلك دماء طهّر الله منها يدي ، فلا أخضب بها لساني ) يعني التحرز من الوقوع في الخطأ ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه ... وقد سُئل الحسن البصري عن قتالهم ، فقال : ( قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبنا عنه ، وعلموا وجهلنا ، واجتمعوا فاتبعنا ، واختلفوا فوقفنا ) قال المحاسبي : ( فنحن نقول كما قال الحسن ، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا ، ونتبع ما اجتمعوا عليه ، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا ، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل ، إذ كانوا غير مُتّهمين في الدين ، ونسأل الله التوفيق ) ا.هـ "تفسير القرطبي" (16/211) .
وقفات مع سورة الحجرات :
الأولى : إنه منهج للدعاة :
هذه السورة تشتمل على كثير من الأوامر والنواهي ، بدأ الله السورة بنداء المؤمنين ، وأعاده في السورة خمس مرات ، ثم عمّم في السادسة فقال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ }الحجرات13 "غرائب التفسير وعجائب التأويل" للكرماني (2/1121) .
إنه النداء المُحبّب إلى النفوس ، النداء من الخالق للمخلوقين ، إنه سبحانه وهو يعاتبهم ويأمرهم وينهاهم ، يناديهم نداء يفتح القلوب المغلقة والنفوس المُعرِضة ، إنهم وهم يتقدمون بين يديه سبحانه وبين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكفى به معصية ، وحسبك به جرماً ، ومع ذلك يناديهم ... إنه حين ترتفع الأصوات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتأذى بذلك ، يناديهم ربهم ... إنه عندما تأخذ العجلة بعض النفوس المُتحمّسة لهذا الدين ، ويقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أموراً قد تكون عواقبها وخيمة ، ونتائجها مخيفة ، يناديهم ربهم ... إنهم وهم يسخرون ويلمزون ويتنابزون بالألقاب ، يناديهم ربهم .... إنهم وهم يظنون الظن السيئ بالمؤمنين ، وجرّهم ذلك إلى أن يتجسسوا وينهشوا بألسنتهم لحوم إخوانهم ، يناديهم ربهم ... إن السورة ترسُم منهجاً للدعاة ، وتضعُ أسساً للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، إننا لن نسع الناس بأموالنا ، ولكنا قد ننقذ الناس بأخلاقنا ، أين كثير من الدعاة عن هذا الأسلوب القرآني والتوجيه الرباني ، وليس هذا فحسب ، فها هو جل جلاله عندما دعاهم إلى التثبت عند خبر الفاسق ، ولفت نظرهم إلى وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم ، يقول لهم { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ }الحجرات7 إنه أسلوب يأخذ بمجامع القلوب ، ويفتح مغاليقها ، ثم ماذا ؟  {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ }الحجرات7 ولا يكتفي بهذا ، بل {فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً }الحجرات8وهذا له دلالته ومراميه ، إن الكتاب والسنة قد برز فيهما هذا المنهج .
فيقول تعالى آمراً موسى وهارون عليهما السلام {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }طه44 إن فرعون هذا طاغية زمانه ، ومدّعي الألوهية ، ومُقتِّل بني إسرائيل ، ومع هذا فقد أثّر فيه هذا الأسلوب ، حيث استخدم معهما أسلوب الحوار {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى }طه49 أما الإيمان فلم يؤمن ؛ وهذا إبراهيم عليه السلام ، نادى أباه وهو مشرك ، يدعوه إلى الإيمان {يَا أَبَتِ }مريم45 وكرّرها عدّة مرات ، مما يلين الصخر ويفلق الحجر ، ولقمان يقول لابنه وهو يعظه { يَا بُنَيَّ}لقمان13 مرات عديدة ، وبينهما فلتكن دعوتنا ، وبمثل هذا الأسلوب نبلغ رسالتنا . انظر "سورة الحجرات" (119-125) .
قال صلى الله عليه وسلم : « ما وُجِد الرفق في شيء إلاّ زانه ، وما نُزِع من شيءٍ إلا شانه » م . عن عائشة مرفوعاً "شرح مسلم" (16/383) رقم (2594) .
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما حينما بعثهما إلى اليمن فقال : « يسّرا ولا تُعسِّرا ، وبشِّرا ولا تُنفِّرا ، وتطاوعا ولا تختلفا » م . عن أبي موسى مرفوعاً "شرح مسلم" (12/284) رقم (1733) .
واعجباً ، كيف يكون الفاجر أقدر منا على ترويج فسقه ، يا لله العجب ، كيف يكون التاجر أقدر منا على تسويق بضاعته ، أيها الدعاة : تأملوا في أخلاقه وأسلوب معاملته للناس صلى الله عليه وسلم ، إنه لا حُجّة لمن يقول : إن الناس أساؤوا إليّ ، إنا لا ننتظر ممن أساء إلى ربه أن يُحسِن إلينا ، بل إن الناس لا يقبلون الإساءة من الداعية ولو أساؤوا إليه "سورة الحجرات" (124) .
الوقفة الثانية : مع أسماء الله الحُسنى
من المُؤسف أن يتحول توحيد الأسماء والصفات ، إلى جدل كلامي ، وبحوث فلسفية مع الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ، دون أن تجد وقوفاً إيمانياً وتربوياً حول مدلولاتها وآثارها ، إلاّ في النزر اليسير ، إنا لا نُقلِّل من أهمية تناول الأسماء والصفات كما تناولها كثير من السلف ، بل إنّ ذلك من أهم الواجبات ، وإلاّ فكيف نجد آثارها قبل إثباتها ، ونقول : يجب أن نثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك نقف مع أهل البدع الذين خرجوا عن منهج السلف ، وأوّلوا في أسماء الله وصفاته ، ونردُّ على شبهاتهم ، ولا ننسى تناول الجانب الإيماني في الأسماء والصفات ، والجانب العملي لها ، وهذه قضية نأمل أن يصرف لها العلماء اهتمامهم وعنايتهم ويُفردوها بالتأليف والبحث ، كما أفردوا غيرها ، وكذلك فإنّ على المُربّين والمعلمين والدعاة مسؤولية خاصة في إبراز هذا الجانب وتأصيله .
واستطراداً لهذه القضية المهمة ، نقول : إنّ دراسة توحيد الأسماء والصفات في ضوء منهج السلف الصالح ، ينقلنا إلى الأفق الواسع والميدان الرحب لمفهوم أهل السنة والجماعة ، ويعطينا الأبعاد الحقيقية لمعنى "السلفية" .
إن السلفية الحقة لا تقبل تحرير العقائد من شرك الأموات والتمائم ، وتضرب صفحاً عن شرك الأحياء والأوضاع والنظم ، والتي لا تقلُّ خطراً عن شرك الأصنام ، وكلا الشركين خطير .
كما لا تقبل السلفية الحقّة أن تحارب التشبيه والتعطيل في صفات الله عز وجل ، وتقف عند ذلك ، ولا تعلن الحرب على تعطيل الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية ، وفصل الدين عن الدولة .
وإننا بهذا المنهج الشامل والسلفية الواعية : نسلَم وتسلَم عقيدتنا من أي خلط أو اهتزاز ، كما هو الحاصل في هذه الأيام ، ولكنها الفتن ، نعوذ بالله منها ما ظهر منها وما بطن .
إن عدم إدراك ما لأسماء الله وصفاته من أثر في حياة الأفراد والجماعات ، أبعدت كثيراً من المسلمين عن حقيقة الإسلام وأهدافه ومثله العليا ، وأصبحت بعض حقائق التوحيد نظريات لا رصيد لها في الواقع ، ولا أثر لها في الوجود عند بعض المسلمين ، ويُعبّر عن ذلك الأستاذ المربي : محمد قطب ، حيث يقول : يقوله الله سبحانه وتعالى : {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }الذاريات58 ولو أنك سألت أي إنسان في الطريق : مَنِ الذي يرزُقُك ؟ لقال لك على البديهة : الله ، ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضُيِّق عليه في الرِّزق ، يقول : فلان يريد قطع رزقي ، فما دلالة هذه الكلمة ؟ دلالتها : أن تلك البديهة التي نطق بها ، لم تكن يقيناً قلبيّاً ، إنما كانت بديهة ذهنيّة فحسب ، وبديهة تستقر في وقت السلم والأمن ، ولكنها تهتزّ إذا تعرّضت للشدة ، لأنها ليست عميقة الجذور ) "واقعنا المعاصر" لمحمد قطب (486) .
إنه إذا استقر هذا الأمر في عقولنا وأفهامنا : استطعنا أن ندرك بعض مدلولات ورود بعض أسماء الله الحسنى في سورة الحجرات ، وقد وردت ثمانية أسماء ، كُرِّر بعضها عدة مرات ، ومجموعها أربعة عشر اسماً ، فإذا أيقن أن الله سميع بصير عليم خبير ، هل يرفع صوته أو ينالُ من عرض أخيه المسلم همزاً أو لمزاً ؟ وهل يتجسّس على عورات المسلمين ، والله يسمعه ويراه وقد نهاه ، وإذا آمن حقيقة بأن الله حكيم خبير ، هل يتقدّم بين يديه ورسوله ؟
وهل يقترح على الله ورسوله ؟ وإذا نظر إلى ذنوبه وأخطائه بسبب ما وقع فيه من هذه الآثام ، وكاد اليأس أن يُوصله إلى الهاوية أو الإصرار ، فتذكّر من خلال هذه السورة : أن الله غفور رحيم ، وأنه تواب رحيم ، انفتحت له الأبواب ، وعاد عن ذنوبه ينشد الرحمة والغفران ، وقل مثل ذلك في كل موضوعات السورة .
وبهذا تتحقق أهداف السورة لإصلاح المجتمع وتقويم اعوجاجه ، وتنقيته من الشوائب والمثالب ، وبهذا نتفاعل مع هذه الأسماء والصفات عقيدة وعبادة وعملاً ، تصوراً وسلوكاً وخُلُقا . بتصرف من "سورة الحجرات" (126-137)
وانظر "إن ربك حكيم عليم" لعبد العزيز الجليل (150 ، 160-167) .
الوقفة الثالثة : مع اللسان :
إنّ كل قضية وردت في هذه السورة ، اللسان طرف أساسِ فيها ، وعند معالجتنا لهذه القضايا ، لا بد من مراعاة هذا الجانب المهم ، فإنّ الغفلة عنه قصور في النظر والمعالجة ، فالتقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له صور متعددة ، ومنها الكلام باللسان ، ورفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ، والجهر له بالقول لا يكون إلاّ باللسان ، ومناداة الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات لا يكون إلاّ باللسان ، ونقل الأخبار والأنباء، له صور متعددة ومنها اللسان واقتتال طائفتين من المؤمنين ، إنما سببه الكلام باللسان كما مرّ معنا في سبب النزول ، والسخرية واللمز لها صور متعددة، ومنها الكلام باللسان، والتنابز بالألقاب لا يكون إلاّ باللسان ، وكذا الغيبة لا تكون إلا باللسان ، أما التجسس وسوء الظن فاللسان يشترك في التحدث عن آثار التجسس وسوء الظن ، وأما إسلام الأعراب ، فحكى الله "قالت" و "قل" و "قولوا" وهل القول إلاّ باللسان ، إننا إذا تأملنا ذلك جيداً ، وجدنا أنَّ اللسان قطب الرحى في كل هذا ، فيجدر بنا أن نقف وقفة مناسبة للحديث عن هذا اللسان.
بتصرف "سورة الحجرات" (138-141) .
تعريفه : هو رسول القلب وترجمانه ودليله ، صغير جرمه ، عظيم خطره ، وأعصى الأعضاء على الإنسان هو اللسان ، واللسان آية ، سبحان مبدعها وصانعها ، فاللسان واحد في الشكل والمنظر ، ولكن الكلام مختلف {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }الروم22 وقد امتنّ الله به على عباده {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ }البلد9.
خطورة اللسان : اللسان باب عظيم إلى النار ، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان معاذ بن جبل ، فقال : « كف عليك هذا » فقال : « وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به » ، قال : « إحفظ لسانك ، ثكلتك أمك معاذ ، وهل يَكبُ الناس على وجوههم إلا ألسنتهم » الخرائطي وغيره وهو صحيح "صحيح الجامع" (1/101) برقم (205) .
والإمساك عن فضول الكلام نجاة ، قال عقبة بن عامر : يا رسول الله ، ما النجاة ؟ قال : « املك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك » ت وغيره وهو صحيح "الصحيحة" (2/581) برقم (890) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه كان على الصفا يُلبِّي ، ويقول : ( يا لسان ، قل خيراً تغنم ، أو أنصت تسلم ، من قبل أن تندم ؟ ) قالوا : يا أبا عبد الرحمن ، هذا شيء تقوله ، أو شيء سمعته ؟ قال : لا ، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أكثر خطايا بني آدم لسانه » ابن أبي الدنيا في "الصمت" ص (53) برقم (18) ، وهو حسن .
وعن الحسن البصري قال : ( ما عَقَل دينه من لم يحفظ لسانه ) ابن أبي الدنيا في "الصمت" وإسناده قوي ص (61) برقم (34) .
وعن إبراهيم النخعي قال : ( يهلِكُ الناس في خَلَّتين : فُضول المال ، وفُضول الكلام ) ابن أبي الدنيا في "الصمت" وإسناده صحيح ص (90) برقم (103) .
واللسان إذا استُخدِم في الدعوة إلى الله فهو باب عظيم إلى الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم : « إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ... » بخ عن أبي هريرة مرفوعاً "الفتح" (11/308) برقم (6478) .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ، ما يلقي لها بالاً ، يرفعه الله بها إلى الجنة ) ابن أبي الدنيا في "الصمت" ، وهو صحيح ص (78) برقم (72) .
ويقول الشاعر :
احفظ لـسانك   أيـها الإنسان 
لا يـلدغنّـَك   إنـهُ ثُـعبانُ 
كم في المقابر   من قتيل لسانه 
قد كان هابّ   لقاءه الشجعانُ 
  "الأذكار" للنووي (418) .
من كفَّ كفَّ   الناس عنه ومن أبى 
إلاّ الخنا فكما   يدين يُدانُ 
  "مجمع الحكم والأمثال" لأحمد قبش (447) .
إن كان من فضةٍ   كلاُمك يا 
نفسٌ فإنّ   السكون من ذهب 
ويقول الآخر :
واجعل الصمت إن   عَيِيت جواباً    
رُبَّ قولٍ   جوابهُ في السكوتِ 
ابن أبي الدنيا في "الصمت" (312 ، 300) .
قال النووي : ( اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام ، إلاّ كلاماً تظهر المصلحة فيه ، ومن استوى الكلام وتركه في المصلحة ، فالسنة الإمساك عنه ، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه ، بل هذا كثير أو غالب في العادة والسلامة لا يعدلها شيء
"الأذكار" (414) .
ولذلك فإن على المسلم أن يعرف متى يكون السكوت ، ومتى يكون الكلام ، ثم كيف يكون السكوت ، وكيف يكون الكلام ، وبهذا نفهم قول رسول صلى الله عليه وسلم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » حم ن عن علي بن الحسين مرفوعاً وهو صحيح "المشكاة" (3/1361) برقم (4839) ، وانظر "سورة الحجرات" (138-156)
و"سلسلة المنهاج في ضوابط السلوك والمنجيات" لهاشم محمد علي (1/22-27) .
موضوعات السورة :
الأول : التقدم بين يدي الله ورسوله .
إنَّ صور التقدم بين يدي الله ورسوله كثيرة جداً ، ومن أبرزها التحاكم إلى غير شرع الله ، ولهذا قال ابن عباس : ( أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ، واعتمد هذا التفسير جمع من المفسّرين كالطبري وابن الجوزي وابن كثير ، ولهذا أكّد الحافظ ابن كثير تفسيره لهذه الآية بحديث معاذ المشهور لما سأله « بم تحكم ؟ » قال : ( بكتاب الله ) قال : « فإن لم تجد » ، قال : ( بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال : « فإن لم تجد » . قال : اجتهد رأيي ، فضرب في صدره ، وقال : « الحمد لله الذي وفَّق رسول رسولِ الله لما يُرضي رسول الله » حم – د – عن معاذ ، وإسناده منكر ، غير أنه صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص
"الضعيفة" (2/273-286) برقم (881) .
ولنعلم أن من مقتضى العقيدة : التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما تضمنه كمال الانقياد لله ورسوله والتسليم المطلق لله ورسوله ، ولهذا ذم المشركين سبحانه وتعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ، لكونهم حرّموا ما لم يُحرّمه الله ، ولكنهم شرعوا ديناً لم يأذن به الله ، وبهذا تعلم أن تحكيم القوانين الوضعية والإعراض عن شريعة الله ، هو خلاف مقتضيات الشهادتين ، وبطريق الأولى هو تقدّمٌ بين يدي الله ورسوله .
وعلى هذا جرى أئمة الإسلام على ما ذكرناه كابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب وابن ابراهيم وابن باز وغيرهم
أنظر "تفسير ابن كثير" (7/345) ، "فتاوى ابن تيمية" (12/339-340)
"تهذيب مدارج السالكين" لعبد المنعم العزي (2/577) ، "فتاوى ابن باز" جمع الشويعر (2/337) .
وفي وجوب التحاكم إلى شرع الله  {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }النساء105 وفي من لم يحكم بما أنزل الله {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }التوبة31 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44 {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء60{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }النساء65قال الجصّاص : وفي هذه الآية دلالة على أنّ من ردّ شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام ، سواء ردّه من جهة الشك فيه ، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم ."أحكام القرآن" (1/213) ، وانظر رسالة "تحكيم القوانين" لابن إبراهيم (1)
قال ابن عثيمين : ( وهذه المسألة ، أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، من المسائل الكبرى التي ابتُلي بها حكام هذا الزمان ، فعلى المرء ألاّ يتسرّع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه ، حتى يتبين له الحق ، لأن المسألة خطيرة ، نسأل الله أن يُصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم ) "فتاوى ابن عثيمين" (2/147) .
وبهذا يتضح لنا خطورة الحكم بغير ما أنزل الله ، وأنه أشد أنواع التقدم بين يدي الله ورسوله . انظر "سورة الحجرات" (161-189) .
الثاني : الأدب مع العلماء :
 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ }الحجرات2 عندما نزلت الآية ، تأثر الصديق أبو بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما ، والتزما ألاّ يكلما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ سراً أو همساً ، ومن ثَمَّ نزل قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ }الحجرات3 وهذا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التزم به الصحابة ومن بعدهم ، حتى بعد وفاته ، حيث كرهوا رفع الصوت عند قبره كما ذكر ذلك كثير من المفسّرين كابن كثير وغيره ، وهذا الأدب وعاه السلف ، حيث تجاوزوا به شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل شيخ وعالم من العلماء ، حيث يحملون ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سنته ، فالأدب مع العلماء أدب مع الله وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن أساء الأدب مع العلماء والدعاة فقد أساء الأدب مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك لن يقف عند أشخاصهم ، بل سيتعدى إلى ما يحملونه من علم الكتاب والسنة ، ومن هذا المنطلق ، ولما نراه من هجوم على كثير من العلماء ، من تتبّع لمثالبهم وانتقاصهم والتشهير بهم ، ولم يقتصر الأمر على الأحياء ، بل تعدى إلى الأموات من سلف هذه الأمة وقدوتها ، ولما لهذا الأمر من خطورة قد لا يدركها كثير من هؤلاء الذين يقعون في علمائهم ، فضلاً عن غيرهم من العامة ، فسنقف وقفة يسيرة لبيان هذه القضية وعلاجها
بتصرف "سورة الحجرات" (193-196) .
أولاً : مكانة العلماء وفضلهم :
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ }المجادلة11{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}الزمر9 وقال صلى الله عليه وسلم : « من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين » بخ عن معاوية ابن أبي سفيان مرفوعاً . "الفتح" (1/164) برقم (71)، وعند أبي يعلى من وجه ضعيف ، والمعنى صحيح "ومن لم يتفقّه في الدين لم يُبالِ الله به " قاله الحافظ ، الفتح (1/165) .
قال الأوزاعي : ( الناس عندنا أهل العلم ، ومن سواهم فلا شيء )
وقال الحسن : ( كانوا يقولون : موت العالم ثُلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار ) قال تعالى : {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32 والشعيرة : كل ما أذن الله وأشعر بفضله وتعظيمه ، والعلماء بلا ريب يدخلون دخولاً أولياً فيما أذن الله وأشعر بفضله وتعظيمه ، وعلى هذا : فالنيل من العلماء وإيذاؤهم يُعدُّ إعراضاً أو تقصيراً في تعظيم شعيرة من شعائر الله ، ولذا فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة : ( أنهم يدينون الله باحترام العلماء الهداة ) قاله السعدي ، وإنّ مما يدل على خطورة إيذاء مصابيح الأمة ، قوله صلى الله عليه وسلم : « قال الله عز وجل : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب » بخ . عن أبي هريرة مرفوعاً
"الفتح" (11/ 340 رقم "6502" ) .
وقال ابن عباس : ( من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل )
فهل نستحضر هذا الوعيد الشديد ، عندما نهمّ بالحديث في عالم من العلماء ؟!
ثانياً : أسباب أكل لحوم العلماء :
1- الغَيرة والغِيرة ، بالفتح : هي محمودة ، وهي أن يغار المرء وينفعل من أجل دين الله وحرمات الله ، لكنها قد تجر صاحبها - إن لم يتحرّز - شيئاً فشيئاً حتى يقع في لحوم العلماء من حيث لا يشعر ، وأما الغِيرة بالكسر ، فهي مذمومة ، وهي قرينة الحسد ، والمقصود بها : كلام العلماء بعضهم في بعض "الأقران" ، قال سعيد بن جبير : ( استمعوا لعلم العلماء ، ولا تُصدِّقوا بعضهم على بعض ، فوالذي نفسي بيده ، لهم أشدُ تغايراً من التيوس في ضرابها ) قال الذهبي : ( كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به ، لا سيما إذا كان لحسد أو مذهب أو هوى )
2- الحسد : وهو يُعمي ويُصم ، فقد يطغى بعض الأقران على بعض ، ويطعن بعضهم في بعض ، من أجل القرب من سلطان أو الحصول على جاه أو مال .
3- الهوى : فبعض الذين يأكلون لحوم العلماء ، دفعهم الهوى{وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}ص26
4- التقليد : وأعني بالتقليد ، أنّ من الناس يسمع سباً أو قدحاً في عالم ، فيسبّه تبعاً له ، دون تبين ، هكذا يطعن في العالم بهذه السهولة ، غير مراعٍ حُرمة العالم
5- التعصب : والباعث عليه هو الحزبية لمذهب أو جماعة أو قبيلة أو بلد ، فهو يثني على علماء ويقدح في آخرين ، وفجأة قد يتغير موقفه وقد لا يتغير ، وهذه هي الحزبية الضيّقة التي فرّقت المسلمين شيعاً ، وهذا التعصب مخالف للمنهج الصحيح ، الذي يدعونا إلى أن نأخذ بالحق مهما كان قائله ، ولهذا قال أبو حامد الغزالي في ذم التعصب : ( وهذه عادةُ ضعفاء العقول ، يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق )
6- التعالم : وأعني بذلك أنك تجد شاباً حَدثاً يتصدّر لنقد العلماء ، ولتفنيد آرائهم وتقوية قوله ، وهذا أمر خطير ، فإنّ من أجهل الناس من يجهل قدر نفسه ويتعدى حدوده ، وهذا ممكن حدوثه ولو في رجل كبير السن ، وهو لا يزال في بداية تعلمه .
7- النفاق وكره الحق ، {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً }البقرة10 وقال : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ }البقرة13 وحكى الله عنهم بقوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }البقرة14
فهؤلاء المنافقين ، في قلوبهم مرضٌ وبغض للحق وأهله ، وهؤلاء يتحدّثون في علمائهم بكلامٍ بذيء ، يعفُ العلم عن تسطيره ، واللسان عن ذكره ، مما يدلّ على ما في قلوبهم من الدّغل ، ومعاداة ورثة الأنبياء ، وما يحملونه من الحق .
8- تمرير مخططات الأعداء ، فالأعداء أدركوا أنه لا يمكن أن تقوم لهم قائمة والعلماء لهم شأن وهيئة وهيبة ، فأخذوا في النيل من العلماء ، وشرعوا في تشويه صورة العلماء وتحطيم قيمتهم بالدسّ واللمز والافتراء والاختلاف .
ثالثاً : الآثار المترتبة على الوقيعة في العلماء :
1- أن جرح العالم سببٌ في ردّ ما يقوله من الحق :
فجرج العالم بليغ الأثر ، يتعدى الحدود الشخصية ، إلى ردِّ ما يحمله العالم من الحق ، وقد أدرك المشركون ذلك ، وعلموا أنهم إن استطاعوا تشويه صورة محمد صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس فقد نجحوا في صدِّهم عنه ، وعمّا معه من الحق ، فلم يطعنوا في الإسلام ، بل طعنوا في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقالوا ساحر ، كاهن ، مجنون .
2- أنّ جرح العالم جرح للعلم الذي معه :
ومن جَرح هذا العلم ، فقد جَرَح إرث النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر
3- أنّ جرح العلماء سيؤدي إلى بُعد طلاب العلم عن علماء الأمة ، وحينئذ يسير الطلاب في طريقهم بدون مرشد ، فيتعرضون للأخطار والأخطاء ، ويقعون في الشطط والزلل .
4- أنّ تجريح العلماء تقليل لهم في نظر العامة ، وذهاب لهيبتهم وقيمتهم في صدورهم ، فتشوّهت صورتهم ، وتلطخت سمعتهم ، فأصبحوا من سقط المتاع في نظر كثير من الناس ، وهذا يسرُّ أعداء الله ويُفرِحهُم .
رابعاً : واجبنا تجاه العلماء :
1- أن نحفظ للعلماء مكانتهم ، وأنّ نتأدب معهم :
وقد تأدب ابن عباس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، حيث مكث سنة وهو يريد أن يسأله عن مسألة من مسائل العلم ، فلم يفعل ؛ قال طاووس بن كيسان : ( من السنة أن يوقر العالم ) وقال المغيرة : ( كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير ) وقال عطاء بن أبي رباح : ( إنّ الرجل ليحدثني بالحديث ، فأُنصت له ، كأني لم أسمعه أبداً ، وقد سمعته قبل أن يُولد )
2- أن نعلم أنّه لا معصوم إلا من عصم الله ، وهم الأنبياء والملائكة :
فندرك أنّ العالم مُعرّض للخطأ ، فنعذره حينما يخطئ ، وليس لنا أن نذهب نلتمس أخطائهم ونحصيها عليهم ، قال الثوري : ( ليس يكاد يثبت من الغلط أحد ) وقال أحمد : ( ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ) وقال الترمذي : ( لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحدٍ من الأئمة مع حفظهم )
3- أن ندرك أن الخلاف موجود منذ عهد الصحابة إلى قيام الساعة ، ولذلك يجب أن تتسع صدورنا للخلاف بين العلماء - وذلك في الفروع لا في الأصول - فلكل واحد منهم فهمه واطلاعُه ، ونظرته في ملابسات الأمور .
4- أن نحمل أقوال علمائنا وآرائهم على المحمل الحسن
وألاّ نسيء الظن فيهم ، وإن لم نأخذ بأقوالهم ، وإنّ عدم اقتناعنا برأي العالم ، لا يعني أنا نستبيح عِرضَه ، ونأكل لحمه ؛ قال الفاروق عمر : ( لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاّ خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ) .
5- أن ننتبه إلى أخطائنا وعيوبنا نحن ، وننشغل بها عن عيوب الناس عامة ، وعن أخطاء العلماء خاصة .
6- التثبت من صحة ما يُنسب إليهم .
7- الثناء على العالم بما هو أهل له .
8- عدم التجاوز في بيان الخطأ الذي وقع فيه العالم ، كالاستطالة في عِرضِه وأهله .
9- الاتصال بهم إذا وقع منهم الخطأ ، لأن الخطأ أمر طبيعي ، والحق هو المقصود .
خامساً : أمورٌ لا بدّ من بيانها :
1- نحن لا ندعو إلى تقديس الأشخاص ، أو التغاضي عن الأخطاء ، أو السكوت عن الحق ، بل ندعو إلى المنهج الصحيح في بيان الحق ، بدون انتهاكٍ لأعراض العلماء .
2- لماذا تبرز أخطاء العلماء أكثر من غيرهم ؟
لأنهم صفوة الأمة وخيارُها وقدوتها وأحمدها سيرة ، فإذا وقع منهم الخطأ كان واضحاً جلياً ، فهو بمثابة النقطة السوداء في صفحتهم الناصعة البيضاء ، ولذلك قيل : ( زلة العالم مضروبٌ بهما الطبل )
3- أن من أساء الأدب مع العلماء ، فسيلقى جزاءه ، عاجلاً أم آجلاً .
قال الذهبي في ترجمة ابن حزم : ( وصنّف كتباً كثيرة ، وناظر عليه ، وبسط لسانه وقلمه ، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب ، بل فجّج العبارة ، وسب وجدّع ، فكان جزاؤه من جنس فعله ، بحيث أنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة ، وهجروها ، ونفروا منها ، وأُحرقت في وقته )
4- على العلماء وطلاب العلم الذين يُبتلون بالتعرّض للطعن والكلام فيهم أن يصبروا ويتقوا الله ، وأن يعلموا أنهم ليسوا أفضل من الأنبياء والمرسلين ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يسلم من الكلام فيه ، وطُعن ، حتى في أهله في حادثة الإفك ، فللعلماء أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليقتدوا به ، وليعلموا أنّ العاقبة للمتقين .
5- أخيراً نقول للمتحدثين في العلماء :
كناطحٍ صخرةً   يوماً ليُوهِنَا 
فلم يضرُها ،   وأوهى قرنه الوَعِلُ    
وقول الآخر :
يا ناطح الجبل   العالي ليثلمه 
أشفق على الرأسِ   لا تُشفق على الجبل 
الثالث : التثبت في الأخبار :
قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6 وفي قراءة أخرى : ( فتثبتوا ) وهما قراءتان متواترتان ، والتثبت ينصب على السند ، أما التبين فهو حول معنى الخبر ومتنه وملابساته .
إن التثبت منهج شرعي في سماع الأخبار وتمحيصها ونقلها وإذاعتها ، بل هو أصل كبير نافع ، أمَر الله به رسوله ، كما في الآية ، وأخبر بالأضرار المترتبة على عدم التثبت {أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ }الحجرات6 وأنّ من تثبت لم يندم ... إن الذي يعلم كيف يتحقق وكيف يسمع وكيف ينقل وكيف يعمل هو الحازم المصيب ، ومن كان غير ذلك فهو الأحمق الطائش الذي مآله الندامة .
وعند ورود الخبر ، فإنّ المنهج الشرعي تجاه ذلك يكون بما يلي :
1- عدالة الراوي ، وذلك بسلامته من الفسق وخوارم المروءة .
2- ضبط الراوي وإتقانه وقوة حفظه ، وإنّ كثيراً ممن يروون الأخبار ويتلقونها ، يغفلون عن هذه القضية ، أو يتساهلون بها ؛ قال مالك : ( إن هذا العلم دين ، فانظروا عمَّن تأخذونه ، لقد أدركت سبعين ممن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين ، وأشار إلى المسجد ، فما أخذتُ عنهم شيئاً ، وإنّ أحدهم لو ائتُمن على بيت مالٍ لكان أميناً ، إلاّ أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن )
"ترتيب المدارك" (1/138) .
3- حسن الفهم ودقة الاستيعاب للمراد :
وكم من ورع حافظ ، لكنه لا يفقه ما يروي وما يحفظ ، وإلاّ فالطفل يحفظ حفظاً عجيباً ، قد يعجز عنه بعض الكبار ، ومع ذلك لا يُدرك ما يحفظ ولا يفهم ما يروي .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : « نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها ، وبلغها من لم يسمعها ، فرُبّ حامل فقه لا فقه له ، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » حم وغيره وهو صحيح . "المشكاة" (1/78) برقم (228) .
« فحفظها ووعاها » إشارة إلى الحفظ السليم ، والفهم المستقيم .
« وبلّغها من لم يسمعها » إشارة إلى أداء الكلام بنصه .
« فربّ حامل فقه لا فقه له » إشارة إلى صاحب الفهم الضعيف .
« وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » إشارة إلى تفاوت الأفهام ، وأن سامع الخبر قد يستنبط مما سمع ما لم يستنبطه الراوي .
4- مراعاة اتصال السند .
5- مقارنة الخبر ، وعرض متنه ومدلوله على السنن الإلهية والأحوال الجارية .
قال ابن خلدون : « وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل ، غثّاً أو سميناً ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ... » "مقدمة ابن خلدون" (9) .
6- وجوب مقارنة الخبر بسيرة من نُسب إليه ابتداء ، بمعنى أنه يثبت الخبر ثبوتاً قاطعاً ، وهو لا يليق بسيرة هذا الرجل وما عُرِف عنه ، فنبحث له عن مخرج ونحمله على المحمل الحسن دون مجاملة أو مداهنة في الحق ، ولو تمحصنا بعض الأخبار التي يتعجّل بعض الناس في تصديقها وروايتها لاكتشفنا الحقيقة ، بأن هذا الخبر مكذوب ، أو قد يكون صحيحاً ولكن جاء على غير وجهه ، وقد يكون لصاحبه عذر وأنت لا تعلم ؛ قال السبكي : ( فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة ، فلا ينبغي أن يُحمَل كلامُه وألفاظُ كتاباتهِ على غير ما تُعوّد منه ومن أمثاله ، بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن الواجب به وبأمثاله )
"قاعدة في الجرح والتعديل" (93)
وقال ابن تيمية لما بلغه كلام عن سهل التستري ، مما فيه مخالفة شرعية : ( وهذه الحكاية ، إما كذب على سهل وهذا الذي نختار أن يكون حقاً ، أو تكون غلطاً منه فلا حول ولا قوة إلا بالله ) . "الفتاوى" (14/366) .
ونُنبّه إلى أن الأخبار تتفاوت ، فمنها ما يجب أن نُطبِّقه فيه ما نقدر عليه من شروط التوثيق ، ونسلك جميع السبل الممكنة للتبين والتثبت ، وأخرى دون ذلك حسب مدلولها وأثرها ، وتخصّص راويها أو المروية عنه ، فلكل خبرٍ رواتُه ، ولكل حدث فاعلوه ، ولكل جهد مصادرُها ومخبرُها ، ويجب أن تقدر كل حالة بقدرها ، فلا إفراط ولا تفريط .
وأما ما يرد من أخبار في وسائل الإعلام العالمية ، فعلى أحوال :
أ – ما كان من مصادر الأخبار منسوباً إلى الجهة التي أعلنته ، فإنه مثل خبر الفاسق .
ب- إذا كان الخبر مما يستحيل فيه التواطؤ على الكذب فيُقبل .
ج- إذا كان الخبر منسوباً للأفراد أو جهات أخرى ، فلا بد من التبين والتثبت .
وفي عصرنا ، كثيراً ما ينقل أناس فتاوى عن علماء ، خلاف ما أفتوا به ، وما ذاك إلاّ بسبب سوء حفظهم وسوء فهم ، ناهيك عن سوء التعبير ، والواقع أكبر شاهد .
فالضابط في هذه المسألة : أنّ من عُرِف عنه الصدق والدين وجودة الحفظ والفهم وحسن التعبير والأداء ، فإننا نقبل خبره دون تثبت ، ومن اختلت فيه صفة من هذه الصفات أو ما شابه ذلك ككلام الأقران بعضهم في بعض ، فإنه يحتاج إلى التثبت في خبره ، وخاصة إن كان الخبر يترتب عليه أموراً مهمة ؛ وقديماً قيل : ( وما آفة الأخبار إلاّ رواتها ) .
وقد دلت الآية على عدة أحكام ، ومنها :
- قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً ، وذلك في العقائد والأحكام ، لا فرق في ذلك ، وهذا منهج أهل السنة والجماعة .
- اتفق أهل العلم على جواز قبول خبر الفاسق في أمور المعاملات من بيع وشراء وهدية ووكالة ونحوها . قاله الجصاص . "أحكام القرآن" (3/399) .
- اختلف العلماء في ولاية الفاسق في النكاح ، والصواب ثبوت ولايته .
- صحة إمامة الفاسق ، والأولى غيره إذا وُجد ، وكذا الصلاة خلفه .
الرابع : الأخوة :
قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ }الحجرات10 هذه الآية أصل من الأصول التي تنظم علاقة المسلم بأخيه المسلم ، حتى الاقتتال بين المسلمين ، عدّه الله خروج عن قاعدة الأخوة التي قرّرها الله ، إنّ للأخوة الإيمانية مكانة سامية ودرجة عالية رفيعة ، قال صلى الله عليه وسلم : « أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله » حم . عن ابن عباس مرفوعاً ، وهو صحيح .
"صحيح الجامع" (1/497) برقم (2539) .
وعن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة : « ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه » بخ . عن أبي هريرة . "الفتح" (2/143) .
ولعظم الأخوة ، فإنا سوف نقف معها من وجهين :
1- الأمور المشروعة التي تقوي الأخوة بين المؤمنين ، بل وتوجدها ، ومن أهمها :
1- الصلح بين المسلمين {أَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}الحجرات10 {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ }الأنفال1، وقال صلى الله عليه وسلم : « كل سُلامى من الناس عليه صدقة ، وكل يوم تطلع فيه الشمس تعدل فيه بين اثنين صدقة » بخ . عن أبي هريرة مرفوعاً .
"الفتح" (5/309) برقم (2707) .
ومن الأدلة على مكانة الصلح وأثره ، أنّ من المواضع التي يجوز فيها الكذب : الصلح بين المتخاصمين ، والدعاة أحوج الأمة إلى أن يصطلحوا فيما بينهم ويوحدوا كلمتهم ، قبل أن يدعوا غيرهم .
2-حسن الخلق  {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الشعراء215 وقال صلى الله عليه وسلم : « إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم » د . عن عائشة مرفوعاً ، وهو صحيح .
"صحيح الجامع" (1/391) برقم (1932) .
وحسن الخلق مأمور به مع غير المسلمين ، ومع المسلمين أولى ، فهو يقضي على خوارم الأخوة .
3- الحقوق الست ، قال صلى الله عليه وسلم : « حق المسلم على المسلم ست » قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : « إذا لقيته فسلّم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه » م . عن أبي هريرة مرفوعاً .
"شرح مسلم" (14/393) برقم (2162) .
4- نصرة المسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : « انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً » بخ . عن أنس مرفوعاً ."الفتح" (12/323) برقم (6952) .
5- التواد والتراحم ، قال صلى الله عليه وسلم : « من لا يرحم الناس لا يرحمه الله » بخ . عن جرير بن عبد الله مرفوعاً ، وقال : « وإنما يرحم الله من عباده الرحماء » بخ عن أسامة بن زيد مرفوعاً . "الفتح" (13/358) برقم (7376 و 7377) .
وقال : « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى » بخ . عن النعمان بن بشير . "الفتح" (10/438) برقم (6011) .
6- السعي لقضاء حوائج المسلمين {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا }النساء85 وقال صلى الله عليه وسلم : « اشفعوا فلتؤجروا » بخ . عن أبي موسى مرفوعاً .
"الفتح" (10/451) برقم (6028) .
وقال صلى الله عليه وسلم : « ... ولأن أمشي في حاجة أخي حتى أثبتها ، أحبّ إليّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً ... ومن مشى في حاجة أخيه أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام » طب وغيره وهو حسن
7- حفظ السر وستر العورة ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلاّ ستره الله يوم القيامة » م .
8- أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » بخ . عن أنس مرفوعاً .
9- إفشاء السلام ، وهو أعم من رده ، قال صلى الله عليه وسلم : « لن تدخلوا الجنة حتى تُؤمنوا ، ولا تُؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم » م .
10- مراعاة الجوانب النفسية ، لأنّ تأثيرها في النفس عظيم ، سلباً أو إيجاباً ، وهو من أهم ما يُوثّق العلاقة بين المسلمين ، ومنها :
- التبسم ، قال صلى الله عليه وسلم : « وتبسّمك في وجه أخيك صدقة » ت . وهو حسن.
- إخباره بأنّه يُحبه ، طلبه الدعاء له في ظهر الغيب ، المصافحة ، تعاهده بالزيارة ، تهنئته بالمناسبات.
- الهدية ، قال صلى الله عليه وسلم : « تهادوا تحابوا »
وفي الخبر الضعيف : « فإنّ الهدية تسلّ السخية »
والعجيب ، أنّ الهدية تُؤثر في نفوس جميع الناس : غنيهم وفقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، قريبهم وبعيدهم ، فقيمتها المعنوية أضعاف قيمتها المادية ، والواقع شاهد بذلك .
2- الأمور المنهي عنها ،مما يكون سبباً في إضعاف الأخوة أو زوالها ،ومنها :
1- الغيبة {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً}الحجرات12 وقال عن المنافقين : { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ}الأحزاب19 وقال صلى الله عليه وسلم : « أتدرون ما الغيبة ؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : « ذكرك أخاك بما يكره » قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ فقال : « إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه » م .
وقد ذكرت عائشةُ صفية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت : ( حسبك من صفية كذا وكذا ) تعني قصيرة ، فقال : « لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته » ... د . وهو صحيح .
ويكفي أيها العبد أن تعلم عاقبة الغيبة الوخيمة ، يقول صلى الله عليه وسلم : « لما عُرِج بي ، مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ، قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم » د . وهو صحيح .
2- النميمة ، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم ، {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }الهمزة1 ، وقال صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنة نمام » م . قال يحي بن أبي كثير : ( يُفسد النمام والكذاب في ساعة ، ما لا يُفسد الساحر في سنة ) ومما له صلة بموضوعنا ، أنك إذا سمعت المغتاب أو النمام ، فاجهد في ردّه ، وفي حديث ضعيف : « من حمى مؤمناً من منافق يغتابه ، بعث الله إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم » د . وهو ضعيف .
وقال صلى الله عليه وسلم : « من ذبّ عن عرض أخيه ، ذبّ الله عن عرضه يوم القيامة »
3- سوء الظن ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }الحجرات12 ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث » بخ .
ولهذا نصّ العلماء على وجوب تجنب الظنون السيئة ، وحمل الناس على المحامل الحسنة ، وطرد ما يلج للخاطر من أوهام وظنون ، قال الفاروق عمر : ( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاّ خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ) .
وقال أبو قلابة : ( إذا بلغَك من أخيك شيء تكرهه ، فالتمس له العذر جهدك ، فإن لم تجد له عذراً ، فقل في نفسك : لعل لأخي عذراً لا أعلمه )
4- التجسس {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا }الحجرات12 وقال صلى الله عليه وسلم : « فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا » بخ .
إن التجسس خصلة قبيحة ، ولا يتصف بها إلاّ من في قلبه مرض وفساد طوية .
إن المتأمل في سورة الأخلاق ، يرى وقوع النهي عن التجسس جاء بين النهي عن سوء الظن وبين النهي عن الغيبة ، وهذا له دلالة مهمة ، ذلك أنّ التجسّس أول ما ينشأ عن سوء الظن ، ثم يبدأ التجسس وتتبع العورات ، فتحصل الغيبة ، نتيجة لما رآه أو سمعه .
وكفى بخصلة تجمع هذه الأثافي سوءاً وقبحاً ، قال صلى الله عليه وسلم : « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه : لا تُؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله » د . وهو صحيح .
إن التجسس بحق ، يثير الضغائن والأحقاد ، وقد يعفوا المرء ويصفح عمن اغتابه أو ظن به سوءاً ، ولكن يصعب أن يعفوا عمن تجسّس عليه وتتبع عوراته وفضحه ، ونقول للناس : ( إنّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه ، عمي قلبُه وتعب بدنُه ، وتعذّر عليه ترك عيوب نفسه ، وإنّ من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم ، وأعجز منه من عابهم بما فيه ، ومن عاب الناس عابوه ) قاله ابن حبان .
وعجيب ما قاله زاذان المدايني : رأيتُ أقواماً من الناس ، لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس ، فستر الله عيوبهم وزالت عنهم تلك العيوب ، ورأيتُ أقواماً لم تكن لهم عيوب اشتغلوا بعيوب الناس ، فصارت لهم عيوب ) .
5- السخرية والهمز واللمزوالتنابز ، { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ }الحجرات11 ولا تنشأ تلك إلاّ من مرض الاحتقار ، فإذا احتقر المسلم أخاه سخر منه ولمزه ونبزه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم » م .
والاحتقار منشؤه إعجاب المرء بنفسه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « الكِبْرُ بَطْرُ الحق وغمط الناس » م .
هذا ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتقار : « المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله » م .
وبكل حال ، فإنّ السخرية تلك ، تُسبّب الشحناء والبغضاء والتقاطع ، ولله درُّ الشاعر :
إنَّ القلوب إذا   تنافر ودُّها 
مثل الزجاجة   كسرُها لا يُجبرُ 

ونقول : إن عيب الإنسان بشيء فيه ، سوءُ أدبٍ مع الله ، واعتراضٌ على خلقه وقَدَرِه .
6- التفاخر ،{ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }الحجرات13
جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، لا لتفاخروا ، فأبوك أبوه وأمك أمه ، فلِم التفاخر ، قال صلى الله عليه وسلم : « كلكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ، ولينتهين قومٌ يفخرون بآبائهم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان » بز . وهو صحيح .
والتفاضل والتقديم إنما يكون بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }الحجرات13
يقول سيد : ( وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام ، لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس والعصبية للأرض والعصبية للقبيلة والعصبية للبيت ، وكلها من الجاهلية وإليها ، تتزيا بشتى الأزياء ، وتُسمّى بشتى الأسماء ، وكلها جاهلية عارية من الإسلام .
وعندما عيّر أبو ذرٍ رجلاً من الصحابة بأمه ، وكانت أعجمية ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهره قائلاً : « أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية » بخ، فالتفاخر بحق يكون سبباً في التباغض والتهاجر .
7- التناجي ، وذلك بين اثنين وعندهما ثالث ، قال صلى الله عليه وسلم : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أن يحزنه » بخ
حتى ولو كان التناجي في أمر من أمور الخير فلا يجوز ، فما بالك بالشر الذي نهى الله عنه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }المجادلة9 أرأيتم كيف عُني الإسلام بما يحفظ للمسلمين أخوتهم ووحدتهم وتوادهم وتراحمهم ، ويعصمهم مما يؤذيهم ويفرّقهم .
8- الهجر ، وذلك لغير مُسوّغ شرعي ، وفيه قال صلى الله عليه وسلم : « لا يحلُّ لمسلم أن يهجُرَ أخاه فوق ثلاثٍ ، من هجر فوق ثلاث فمات دخل النار » د . وهو صحيح .
9- الغش والتدليس والمكر والخداع والغدر ، قال صلى الله عليه وسلم : « من غشنا فليس منا » م
10- التباغض والتحاسد والتناجش والتدابر وإظهار الشماتة ، قال صلى الله عليه وسلم : « ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً » بخ .
وواجب على الدعاة : ألاّ يكون الاختلاف في المسائل الاجتهادية والفرعية سبباً للفرقة والشحناء والعداوة والبغضاء .

وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين .