العصبية القبلية المعاصرة (ومظاهرها)

د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
ليس مستغربًا أن توجد أو تتفشى العصبية القبلية في كثيرٍ من المجتمعات الإسلامية، وبخاصة العربية منها، وفي جزيرة العرب تحديدًا، حيث أصل العروبة ومهدها؛ فقد أنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنًا، فأخبر أن أربع خصال من خصال الجاهلية تظل في أمته، ولايدعها أهل الإسلام؛ منها التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ)) [1].

وعليه: فإنه مع كون التعصب القبلي خصلة مستمرة في أمة الإسلام، كما أخبر بذلك نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، لكن بقاءه لا يعني أنه أصبح أمرًا مقبولاً، أو واقعًا محتومًا يُعذَر المسلم فيه إذا ما سايره، أو انخرط فيه، فليس ذلك قصد الحديث، بل القصد هو تحذير الأمة من اتّباع عادات الجاهلية، والانسياق خلف دعاواها الباطلة. ومع هذا التحذير النبوي الشريف؛ نرى كثيرًا من الناس متأثرين بالعصبية القبلية، حتى أصبحت حديث سامرهم، وشغل شاعرهم.

وليس من المعيب أن يحفظ الإنسان نسبه وحسبه، لكن الزلل يكمن في أن يعتقد أن ذلك هو معيار التفاضل بين البشر، أو أن يتخذ ذلك سببًا للتعالي والتكبر على الآخرين، أو التفريق بين عباد الله المسلمين، وتصنيفهم إلى طبقات وفئات تفصل بينهم حواجز النسب وعوازل الحسب، فإن كان ليس محمودًا للإنسان أن يفخر على غيره بما كان من كسب يده، فما بالك بما ليس من كسبه، وما لا جهد له فيه؟!

إن معرفة الشخص لنسبه نعمة خالصة من الله؛ فهو سبحانه شاء لك أن تولد ابن فلان الفلاني، ولو شاء سبحانه أن تولد من غير ذلك النسب لنَفَذَتْ مشيئته، إذًا فالنسب نعمة تستحق الشكر لا الفخر، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حيث قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ - آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ - إِلاَّ تَحْتَ لِوائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَْرْضُ وَلاَ فَخْرَ)) [2]، وقد بيّن القرآن الكريم الحكمة من جعل الناس شعوبًا وقبائل، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13]؛ فالله سبحانه يقول: {لِتَعَارَفُوا}، وليس: لتفاخروا وتعاظموا. فليس عيبًا أن يعرف الناس أنسابهم؛ حتى يتحقق التعارف بينهم؛ شعوبهم وقبائلهم، ولكن العيب أن يكون ذلك مدعاة للتعاظم والتعالي على غيرهم. فمابال أقوام ينحون هذا المنحى، ويَدْعون بهذه الدعوى، والله سبحانه قد وضع الميزان القِسْطَ لذلك: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؟!

مظاهر العصبية القبلية المعاصرة:
لا شك أنَّ عصبية اليوم هي امتداد لعصبية الأمس، وأن العصبية القبلية الحاضرة ما هي إلا بقايا لعصبية الجاهلية الغابرة؛ حيث إن مظاهر هذه تكاد ألا تختلف عن سابقتها، ومن ذلك:

المظهر الأول: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب:
لا يزال كثير من الناس تدور بينهم المفاخرة بالآباء والأجداد، والتغني بمآثرهم وأمجادهم، وأصالة أنسابهم أو عظم أحسابهم، والتعالي بذلك على من يَعُدُّونهم أقلَّ منهم نسبًا وحسبًا، وريادة وسيادة، ففي دراسة استطلاعية قام بها الباحث تناولت آراء خمسين شخصًا من القبيليِّين ورد هذا السؤال: هل الافتخار بالأحساب شيء محمود؟ ولماذا؟ فأجاب سبعة عشر فردًا منهم بأنه محمود، بل ومطلوب أيضًا؛ لأن الفخر هو من أسباب السيادة الاجتماعية، ومن أسباب المحافظة على الأنساب. الغريب في الأمر: أن بعضهم قال: إنه محمود؛ لأن الدين أجازه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم افتخر بنسبه في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)) [3].

والذي نعتقده في ذلك: ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر نسبه على سبيل الافتخار والاستعلاء، ويبدو - والله أعلم - أن ما عناه صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن نسبه؛ هو القول بأنه من خيارنا، شريف النسب، معروف القبيلة، ومع ذلك فإن النسب لا يعني عنده شيئًا؛ لكيلا يقول قائل: ربما لم يُقِمْ وزنًا للنسب يصل إلى ما وصل إليه بعض العرب في جاهليتهم؛ لأنه غير منتسب، فوضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُبعد هذا الاحتمال، ويزيل هذا الشك، مثل أن يقول متحدث[4]: إني أعارض بتر وشطر وتمزيق الجماعات وتفريقهم إلى قبيلي وغير قبيلي، لا لأني لست من قبيلة معروفة أو مشهورة، فأنا ابن فلان، من آل فلان، من القبيلة الفلانية المعروفة نسبًا وتاريخًا، ولكني أعارض ذلك لأن الإسلام يعارضه))[5].

وإن مما يؤيد هذا الاعتقاد ما ورد من آيات وأحاديث تذمُّ الفخر والتفاخر:
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمَان: 18].
وقال سبحانه: {وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحَديد: 23].
وقال عزّ وجلّ: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *} [هُود: 10].
وقال تبارك اسمه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النِّسَاء: 36].
وقال جل وعلا: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَْمْوَالِ وَالأَْوْلاَدِ} [الحَديد: 20].
وقال عزّ مِن قائلٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الإِْسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *} [الحُجرَات: 11].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِنَ الْخُيَلاَءِ مَا يُبْغِضُ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللهُ، فَأَمَّا الْخُيَلاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ: فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللهُ: فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ)) [6]. وعلى هذا يمكن فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين: ((أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِب، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب))[7] فهذا الفخر لم يكن على سبيل الاستعلاء المذموم، وإنما كان لإظهار القوة أمام العدو فلا بأس به، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أَنَا الذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة...))[8] إلخ.

وإن من أعظم البغي تطاول عباد الله بعضهم على بعض، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ تَعَالى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)) [9]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ؛ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلانِ[10] الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ))[11].

فهذه الآيات والأحاديث تشمل نهيًا مؤكدًا عن هذه الأفعال الجاهلية؛ وهي التفاخر على الناس، واحتقارهم، وتسميتهم بألقاب يكرهونها، وأنها من عادات الجاهلية الأولى المنافية للدين؛ لما تسببه من تحزبات وحزازات بين المسلمين؛ ((لأن الإنسان - أي إنسان كان - يكره أن يوصم بالخسة أو النقص، وكل إنسان يرى نفسه خيرًا من غيره، وكل قبيلة تظن أنها الأحسن والأفضل والأشرف، وقد أصبحت هذه الظاهرة منتشرة ومشهورة، مما يدعو إلى الأسف الشديد. وهي دعوى الجاهلية[12]، التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها بشدة عندما تنازع الأوس والخزرج، وتفاخروا حتى كادوا أن يقتتلوا نتيجة لمكيدة دبرها شاس بن قيس اليهودي))[13].

قال ابن إسحاق: ((مر شاس بن قيس - وكان شيخًا قد عسا[14]، عظيم الكفر، شديد الضِّغْن[15] على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه مارأى من أُلْفتهم، وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتًى شابًّا من يهود كان معهم، فقال: اعْمِدْ إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث[16] وما كان قبله، وأنشِدْهم بعض ماكانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيَّيْن على الرُّكَب، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعة، فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرَّة - السّلاحَ السّلاحَ. فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اللهَ اللهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمُ اللهُ لِلإِْسْلاَمِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟!))، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكَوْا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا،ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين))[17].
ولقد جاء في الحديث قولُه صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لأَِحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلاَّ بِدِينٍ أَوْ تَقْوى، وَكَفى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا بَخِيلاً فَاحِشًا))[18].

هذا هو المنطق المقبول شرعًا وعقلاً، إذ كيف يَفْضُلُ المرء أخاه بأمر لا جهد له فيه ولا خيار، ولو أن النسب ينفع صاحبه دون العمل، لانتفع أبو لهب بنسبه، ولكن هيهات وقد قال الله عز وجل: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *} [المَسَد: 1]، وقال سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ *} [المؤمنون: 101]، وقال نبيّه صلى الله عليه وسلم: ((أَلاَ إِنَّ آلَ أَبِي (يَعْنِي فُلاَنًا) لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤمِنِينَ)) [19]، وقال أيضًا: ((وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) [20]، كما يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم - حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ *} [الشُّعَرَاء: 214] -: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أو كلمةً نحوها - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، سَلِينِي بمَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))[21].
ألا يحب المسلم أن يكرمه الله بالتقوى والعمل الصالح والتواضع؟! ألا يخشى من يتكبر بنسبه ويغتر بحسبه أن يهينه الله فيجعله أهون من الجِعلان؟! {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحَجّ: 18]!! 

المظهر الثاني: الطَّبَقِيَّة:
إنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد ساوى بين البشر فيما يشاء، ولو افترضنا أنه - سبحانه - لم يساوِ بينهم لما منعهم من الاعتراض على هذه التفرقة إلا الإيمان والتقوى، ولكنه - جلَّ شأنه - جعلهم سواسية، فإذا ما لم يُتوقع قد حصل؛ إذا بالناس أنفسهم يُوجِدون لأنفسهم فوارق تنافي ما قضى الله به من المساواة بينهم، وهم مع ذلك قد يرفضونها لو جاءت من غيرهم، لكنهم يدافعون عما تجنيه أيديهم.
والقرآن الكريم والسنة المطهرة لم يَشرَعا أو يُقِرّا تقسيم الناس إلى قبيلي وغير قبيلي، وما التسميات التي اصطُلِح على إطلاقها على من يُعَدُّونَ غير قبيليين - وهي حديثة إلى حد ما - غير الموالي - إلا دليلٌ على بدعيتها[22]، وأنها وليدة سنوات الظلام والتخلف والانحطاط الاجتماعي والتربوي؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ))[23].

على أي حال، إن كان هذا التقسيم لازمًا من أجل التعارف، فليس من المقبول البتة ما يتبع ذلك التقسيم من فوارق، وعادات، وحدود، وقيود؛ هي من بقايا الجاهلية وحَمِيّتها، ودعاوى الأمية القبلية، واستمرار لها، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقرر أنْ لا دعوى جاهلية في الإسلام، ويقول: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))[24]. ويا ليت القوم يعلمون، ثم يتأملون قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت عائشة رضي الله عنها: حسبكَ من صفيةَ أنها قصيرة! فقال: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ)) [25]. فما تُراه يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم لو سمع من يقول - فخرًا بنفسه واحتقارًا لغيره -: هؤلاء سادة، وأولئك عبيد، هؤلاء أشراف، وأولئك ضعفة، ونحو ذلك من الصفات والألقاب؟! وقد قال الله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الإِْسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *} [الحُجرَات: 11] وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))[26] وقد جاء أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ))[27].

شُبه والجواب عنها:
يعتمد مؤيدو العصبية القبلية والتفريق الاجتماعي في النسب على بعض الشبه في دعم آرائهم وفيما يلي أذكر بعض هذه الشبه والجواب عنها وهي كما يلي:

الشبهة الأولى:
أنَّ الله خلق الناس شعوبًا وقبائل، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في النسب؛ ويحتجون لهذا بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَْرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعَام: 165].

والرد على ذلك من وجهين:
الأول: أن الله جل وعلا عند ما أخبر في الآية الأولى أنه جعل الناس شعوبًا وقبائل؛ أردف القول مباشرة بالتعليل، فقال: {لِتَعَارَفُوا}، ولم يقل: لتوجدوا بينكم طبقيات وتشعبات لا يقرها القرآن المجيد، ولا الإسلام في توجيهاته كافة، ولا تقرها الأعراف الإنسانية الحميدة، ولا يقبل بها منطق، بل إنها تضادّ ذلك كله؛ فهل يحب قبيليٌّ أن ينزل منزلة الآخر فيُمتهن ويُنتقص من قَدْره؟! أو يقبل هو أن يمتهن أو ينتقص من قبل الشريف وهكذا؟! فكذلك الناس لا يقبلون.

والتعارف: إقبال ومودة، وإخاء وصلة. أما الفوارق الاجتماعية، والعوازل المصطنعة، بين القبيلي وغير القبيلي: فإنها تنافي ذلك كله؛ فالآية السابقة نفسها حكم صريح، وتوجيه قاطع يُتبع الفكرة بعِلّتها بما لا يقبل التأويل {لِتَعَارَفُوا}، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معنى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: أن الأفضلية بين شخص وآخر إنما تقتصر على التقوى، وتتكرس في مداها ومعناها الشامل بالاعتقاد بكل توجهات الإسلام، والالتزام بإرشاداته البناءة التي تشيد صَرْح الحضارة الحقّ.

ومن أجل غرس مبدأ المساواة في نفوس الناس جاء التصريح القرآني بأن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة؛ يقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النِّسَاء: 1]، ولسموّ مكانة هذا المبدأ القرآني كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكِّده دومًا بذكر هذه الآية في خطبة الحاجة[28]. كما أن الله تعالى قد صرَّح في كتابه العزيز بأنه كرَّم بني آدم بصفة عامة، فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً *} [الإسرَاء: 70]؛ فالتكريم لم تختص به فئة دون فئة، إنما هو عام شامل لمن يعرف قبيلته ومن لا يعرفها، ومن له شجرة نسب ومن ليس له. بل إنَّ هذا التكريم عامٌّ شامل للبشر كلهم. ويقول سبحانه أيضًا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *} [آل عِمرَان: 103]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، ولا لعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، ولا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ لأِسْوَدَ عَلَى أَحْمَر، إلاّ بِالتَّقْوَى)) [29]؛ فلا عبرة للّون، أو الجنس، أو العِرْق، أو النسب، أو الحسب، أو الثراء، أو الجاه، أو المركز، أو القومية، أو الجنسية))[30].

والثاني: أن الآية الثانية ليس مقصودها إثبات تفاوت الناس في درجات النسب[31]؛ فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب، ولم يقل أحد من العلماء أو المفسرين بهذا المعنى؛ ((لأنه يخالف حقائق صريح الأدلة التي تحث على التساوي، وتبعث في النفس النفور من مزيد الفوارق الاجتماعية المختلفة التي لايقرها الخالق سبحانه في تعاليمه التامة، ولا المخلوق في إنسانيته التي منّ الله بها عليه، وضميره الذي ميزه عن الجماد والوحوش المفترسة))[32].

قال المفسِّرون[33] في قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعَام: 165]، أي: فاوت بينكم في الرزق، والقوة، والعلم، والفضل، والخَلْق، والخُلُق، والصحة، وجودة النفوس، والأذهان، وهو كقوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزّخرُف: 32]، وقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً *} [الإسرَاء: 21]، وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عمَّا يَعْمَلُونَ *} [الأنعَام: 132]، وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجَادلة: 11].

الشبهة الثانية:
هي امتداد للشبهة الأولى والقول بالطبقية بين الشعوب كأن يقال هل يمكن لغير القبيلي في نجد مثلاً أن يزوج الهندي؟ بل وجود الطبقية بين من يُسمون ((خضيريين)).
والجواب عن ذلك: أنّ الحكم الشرعي عام يشمل الناس جميعًا ذكرهم وأنثاهم، القبيلي وغيره، فمن خالف الحكم الشرعي فقد أخطأ أيًّا كان، وإن حدثت طبقية بين غير القبائل، أو عدم تزويج غيرهم من الشعوب بسبب جنسه، فهذا تصرف غير صحيح، كما لو صدر من القبيلي، فليس في ذلك حجة لمن يقول بنظرية الطبقية بين الشعوب.

الشبهة الثالثة:
أنه ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم وَأَنْكِحُوا اَلأَكْفَاء))[34] فاستدلوا بهذا الحديث على مسلكهم في القول بالتفاضل بين البشر بناء على الأعراق والأنساب.
والجواب عنها: أن هذا الحديث لايصح، فقد نص علماء الحديث على بطلانه، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن الكفاءة في النكاح[35]، وإذا كان الحديث غير صحيح بطل ما احتج به هؤلاء القوم[36].
وربما اشتبه على بعض الناس أثر العوامل الوراثية على النسل، ولذلك كان العرب في الجاهلية ربما استبضع بعضهم من بعض - كما سبق بيانه[37] - طلبًا للنسل الجيِّد، بل إن هذا التفاضل العرقي موجود حتى في الحيوانات؛ فهناك مثلاً خيول أصيلة وأخرى غير أصيلة، وهناك أيضًا ما يسمى بـ((المزايين)) في الإبل، ونحوها من الحيوانات؛ أي فكما أن التفاضل العرقي موجود بين البشر، فهو موجود أيضًا في غير البشر، وهذا يعني أن القبيليين يمتازون بجودة النسل، والخضيريين ليسوا كذلك.

وهذه دعوى ساقطة؛ فإن جودة النسل ورداءتها موجودة في القبيليين والخضيريين على حدٍّ سواء، وهذا أمر معروف اجتماعيًّا، فكم في القبيليين من تكون فيهم صفات غير مرغوب فيها خَلْقيًّا وخُلُقيًّا، وكم في الخضيريين من تكون فيهم صفات مرغوب فيها خَلقيًّا وخُلُقيًّا كذلك. ونحن أناس شرَّفنا الله بالإسلام، وميزان التفاضل فيه {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجرَات: 13] فالتقوى هي المعيار الوحيد للتفاضل بين البشر أما غير البشر كالحيوانات فلم يرد نص شرعي يحدد معيار التفاضل بينها لذا فإن معايير القوة والجمال وبقية الصفات الوراثية الحسنة يتخذها الناس مقاييس للحكم على الحيوانات والمفاضلة بينها. والله أعلم.

من أمثلة الطبقية:
ينقسم المجتمع في أنحاء كثيرةٍ من الجزيرة العربية إلى فئات، وطبقات، وهذا التصنيف الاجتماعي للناس في كل مجتمع منها إنما هو من موروثات عصور الظلام، والتخلف الاجتماعي، والتربوي، ورثه الأبناء عن الآباء والأجداد، ولتوضيح ذلك فإننا سنلقي ضوءًا على مثالين واقعين للطبقية من مجتمعين مختلفين؛ أحدهما: من مجتمع ((اليمن))، والآخر: من مجتمع ((نجد))، ولا يعني الاكتفاء بهذين المثالين عدم وجود الطبقية في بقية أنحاء الجزيرة العربية وخارجها، أو ضعف تمكُّنها، وإنما اقتصرتُ عليهما؛ لأنني لاحظت من واقع بحثي أنهما من أكثر المجتمعات العربية تمسكًا بالعادات، والأعراف القبلية؛ وبالتالي فإن اتخاذهما مثلين واضحين - في نظري - يغني عن تناول كثير من المجتمعات العربية؛ لأن التقاليد القبلية متشابهة.

أولاً: مثال واقع للطبقية في ((اليمن)):
إنَّ انقسام المجتمع - أيًّا كان - إلى طوائف وطبقات اجتماعية، مرتبة في تدرج معين؛ هو ظاهرة اجتماعية شغلت الكثير من المفكرين والدارسين عبر العصور، ودراسة هذه الظاهرة تعدُّ من أكثر الدراسات إثارة للجدل والخلاف[38].
وقد أخذ بعض المفكِّرين والباحثين في دراسة هذه الظاهرة الواضحة في المجتمع اليمني؛ من حيث نشأتها، وأسبابها، وتطورها، وسبل معالجتها؛ فقد أشارت دراسات سابقة في هذا المجال إلى وجود ظاهرة الطبقية الناتجة عن سيادة النظام القبلي منذ القدم، قبل الإسلام، منذ عصور الحضارات اليمنية السالفة (مَعين، وسبأ، وحِمْيَر)؛ حيث ((كانت الأمة مؤلفة من طبقات عدَّة تتمثل فيما يلي:
1 - الحكام والأشراف والكهان والعلماء والمشايخ: وهذه الطبقة يعود إليها أمر التشاور، والإشراف على سير الأعمال، وسَنِّ التشريعات في السلم والحرب.
2 - حَمَلة السلاح: وهؤلاء يحمون البلاد، ويحفظون الأمن، ويحرسون القوافل، ومنهم تتكون حاشية الملك وأعوانه وحُرّاسه.
3 - الزُّرَّاع: وهؤلاء عليهم فلاحة الأرض وزراعتها، وحفر التُّرَع، وإقامة السدود لحفظ السيول، ثم توزيعها على المزارع والحقول.
4 - التجار وأهل الحِرَف ومن يلحق بهم كالعمال))[39].
إذًا، فالنظام القبلي الطبقي في اليمن موجود منذ زمن بعيد قبل الإسلام، ومن الدلائل المهمة على ذلك أن الدول اليمنية القديمة كانت مسماة أصلاً بأسماء قبائلها، بل إنَّ تلك الدول ليست إلا عبارة عن قبائل متغلبة انقلب رؤساؤها ملوكًا[40].

إن أهم ما يميز هذا المجتمع: هو استمرار بقاء وسيادة النظام القبلي فيه منذ أمد طويل[41]، ومن يتأمل الوضع الراهن للمجتمع اليمني بشكل عام؛ يدرك أنه في الواقع قد ورث أنماطًا اجتماعية من الحضارات اليمنية القديمة[42]، ويجد أن السمات التي تُحدَّد بموجبها المراتب الاجتماعية في المجتمع القبلي اليمني على وجه الخصوص والتمايز بين كل مرتبة (طبقة) اجتماعية وأخرى: تعتمد على علاقات النسب والوراثة (المُنحدَر الأصلي)، وأمور أخرى[43]؛ لكنَّ النسب كان له دورٌ مميزٌ في تكريس المجتمع الطبقي، وفي فرز السكان حسب أنسابهم؛ ففي الهرم الاجتماعي الطبقي في اليمن يعزز النسبُ مواقعَ الفئات الاجتماعية، ويحدد مكانتها الاجتماعية، وطبيعة العلاقات التي تنشأ بينها داخليًّا وخارجيًّا[44].

وسنتعرض هنا لوصف الطبقات والشرائح الاجتماعية التقليدية في اليمن على أساس موقعها في السُّلَّم الاجتماعي، من الأعلى إلى الأسفل، وهذه الطبقات هي:
1- طبقة السادة.
2- طبقة المشايخ.
3- طبقة القبائل[45].
4- طبقة الضَّعفة والمساكين.

1- طبقة السادة:
"هناك عدة أسماء تطلق على أفراد هذه الطبقة في اليمن، فبالإضافة للاسم الشائع ((سادة)) - والسَّيِّد[46]: هو الرئيس الذي فاق غيره بالعقل والمال المعطى، والذي لا يغلبه غضبه - ثمة أسماء أخرى: ((آل البيت))، أي: أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهم سلالة الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب من زوجه فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، و((هاشميُّون)) ؛ نسبة إلى بني هاشم عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم، و((أشراف))[47]، والشرف: هو الحسب بالآباء، وتدل الكلمة على الارتفاع والعلو))[48].

((وبما أن أفراد هذه الطبقة يُرْجِعون انتسابهم إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وينتمي معظمهم - في شمال اليمن - إلى المذهب الزَّيْدي؛ الذي يؤكد على أحقية أبناء علي بن أبي طالب - من زوجه فاطمة الزهراء - في الخلافة والإمامة، وفي ظل دولة قائمة على هذا المذهب، فإنه كان من الطبيعي أن تتبوأ هذه الطبقة قمة السلم الاجتماعي - في الشمال - معتمدة في ذلك على عاملين اثنين: الانتماء السُّلالي، والعلم الديني، وبناء على ما تقدم فقد كان السادة هنا يتمتعون بامتيازات واسعة على الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فكانوا صفوة الطبقة الحاكمة، كان الإمام ينتخب منهم، ويرعى مصالحهم، ويعتمد عليهم في تسيير أمور الدولة، وبحكم احتكارهم للسلطة، وشَغْلهم للمناصب الإدارية بالدولة، فإن ذلك ساعدهم في تحسين أوضاعهم الاقتصادية. أما من الناحية الاجتماعية: فإن السيد يحظى باحترام وتقدير بالغَيْن من قِبَل المجتمع، للناحيتين الدينية والروحية، إضافة لمستواهم التعليمي))[49].

وكذلك في جنوب اليمن - وبخاصة حضرموت - ((فقد اكتسب السادة بهذا النسب الموقع الأعلى في المجتمع الحضرمي، وتعزز هذا الموقع بعاملين هما: العلم والمال، ولعبوا من خلال موقعهم دورًا ثقافيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا بارزًا، في الوطن والمهجر))[50]. وحرص السادة جميعًا على عادات وتقاليد خاصة، بل وزِيٍّ خاص يميزهم، ويحفظ لهم هذه المكانة الاجتماعية المرموقة[51].

أعمالهم:
في البداية كان مجيئهم إلى اليمن لأجل الوساطة بين بعض القبائل المتنازعة؛ ومِنْ ثَمَّ أصبحت وظيفتهم التقليدية هي: ((الوساطة بين الأطراف المتنازعة، ومما ساعدهم في ذلك أن تعامل القبائل معهم في عموم اليمن ينطلق ليس فقط من منطلق انتسابهم إلى ((آل البيت))، أو مركزهم الديني، بل ومن مفهوم عُرفي أيضًا، وهو ((حماية الجار))[52] على اعتبار أنهم غرباء عن التكوينات القبلية القائمة))[53].
كما زاولوا أعمالاً أخرى منها: "تعليم العلوم الدينية في المساجد والمدارس، والأعمال الحرة؛ كتحرير العقود المختلفة، والعمل في الوظائف السياسية والإدارية بالدولة، وكانوا كأغلب سكان البلاد لا يفضلون الأعمال اليدوية بل يحتقرونها، إلا أنهم على عكس بقية السكان فإن مكانتهم الاجتماعية لا تتغير أو تنحط إذا ما اضطر بعضهم لممارسة أيٍّ من المهن، أو الحرف المحتقرة اجتماعيًّا؛ كالجزارة، أو الحلاقة، أو الحدادة ونحو ذلك))[54].

علاقات الزواج:
((من أجل الاحتفاظ بنقاء أنسابهم، وبالتالي الاحتفاظ بالمكانة الاجتماعية العالية التي يتمتعون بها، فإنَّ ثَمَّةَ قواعدَ يجب على أفراد السادة مراعاتها، وتنفيذها بدقة، وهذه القواعد تقوم أساسًا على الزواج الداخلي، فالسيد أو الشريف لا يتزوج إلا بسيدة أو شريفة، والعكس صحيح، وقاعدة الزواج الداخلي هذه لدى السادة تقوم على مسألة ((الكفاءة)) في الزواج، وهي تعني عندهم أن الرجل منهم لا يجوز له أن يتزوج من هي أقل منه نسبًا، وكذلك المرأة، والسادة في حضرموت يعدون ذلك - لو وقع - عارًا بالرغم من أنه جائز من الناحية الشرعية. ثم حدث تساهل وتسامح للذكور منهم في حالات معينة بالزواج من خارج طبقتهم، من فئات مرموقة مثل القضاة والمشايخ. وإذا كانت الكفاءة مرنة فيما يتعلق بالذكور، فإنها ليست كذلك بالنسبة للإناث، حيث يحظر عليهن - كقاعدة عامة - الزواج من غير سيد، وإن حدث هذا الزواج وجب التفريق بين الزوجين، بل أشاع بعض الأئمة الوهم بين الناس أن من تجرأ على هذا الزواج التَهَم البَرَصُ أعضاءه، وسببُ التشديد على الإناث دون الذكور هو: أن حصول الأبناء والبنات على لقب سيد مع بقية الامتيازات، يكون ذلك عن طريق الأب لا الأم، فإذا اقترن سيد بغير سيدة فلا ضرر على أبنائه، لأنهم سيرثون اللقب والمكانة منه هو، أما لو تزوجت سيّدة من غير سيد؛ فإن أبناءها سيفقدون اللقب والمكانة والامتيازات الأخرى المتعلقة بالانتماء لهذه الطبقة))[55].

2- طبقة المشايخ:
((الشيخ: هو الذي استبانت فيه السِّنُّ، وظهر عليه الشيب))[56].
((والمشايخ في الأصل: هم الفقهاء والعلماء وأصحاب القيادة الدينية في حضرموت من أهل السنة قبل أن ينتزعها منهم السادة))[57].
((والعرف بحضرموت يُطلِق هذا اللفظَ على كل فرد من أفراد البيوتات التي اشتهر بعض أفرادها بالعلم، فأطلق عليه لقب ((شيخ))، ثم أطلق بعدها على كل أفراد القبيلة))[58].

أعمالهم:
((يأتي المشايخ في المرتبة التالية للسادة، وتعود أصولهم إلى الدعاة الذين ينتمون إلى سكان حضرموت الأصليين، أو إلى النازحين من خارجها، وكثيرًا ما يربط النازحون أنسابهم إلى أحد الصحابة، مما عزز مكانة المشايخ في المجتمع اليمني، وجعلهم يقومون بأدوار مهمة في تاريخه السياسي والاجتماعي، ويتمتعون ببعض الامتيازات من قِبَل الحكام، ورؤساء القبائل، مثل الإعفاء من الضرائب، وإعطاء قراهم الأمان.

أمّا المشايخ القدماء: فيفتخرون بأصولهم الممتدة إلى ملوك كِنْدة ونحوها، وقد مارس المشايخ دور الوسيط في حل النزاعات القبلية، هذا بالإضافة لدورهم البارز ووظيفتهم الأساسية في التعليم والإرشاد، لكن في المقابل احتفظ بعضهم الآخر بحياته البدوية، فظل محافظًا على حمل السلاح، ممارسًا للعادات البدوية، وخاصة في غرب حضرموت))[59].

((وقد عُرفت هذه الطبقة في شمال اليمن باسم ((القضاة)) ؛ حيث إن اسم ((القضاة)) من الناحية الاجتماعية في اليمن يشير إلى مجموعة من الناس، تحمل مؤهلاً معينًا في علوم الدين الإسلامي، إلى جانب علوم اللغة العربية، ووظيفتهم الأساسية ((فصل الخصومات بين الناس))، وهؤلاء القضاة قد يمارسون مهنة ((القضاء))، وقد لا يمارسونها، أي: ليس بالضرورة أن يمارس أحدهم هذه المهنة حتى يطلق عليه لقب ((قاضي))، بل يكفيه حصوله على المؤهل العلمي فقط، إلا أنه يلاحظ أن الشخص من طبقة ((السادة)) الحاصل على مثل هذا المؤهل لا يعد من القضاة، ولا يطلق عليه لقب ((قاضي)) حتى وإن كان يمارس مهنة القضاء، بل يقال: ((الحاكم)) وذلك بهدف التمييز بين المؤهلين في العلوم الدينية الإسلامية من أولئك الذين ينتمون إلى طبقة السادة العدنانيين، وبين غيرهم من القحطانيين أو غيرهم))[60].((وتطور المصطلح بعد ذلك فأصبح ((قاضي)) يشمل أولئك الذين يمارسون مهنة القضاء، وفقهاء الدين وعلماءه، وكذلك الذين يتولَّون كتابة العقود والوثائق الشرعية للناس، وأغلب هؤلاء يشتركون في ثلاثة أمور: التعليم الديني، وارتداء الزي المميز للقضاة، ولا ينتمي أي منهم إلى السادة))[61].

علاقات الزواج:
((ليس هناك ما يُلزم بالاقتصار على الزواج بين أفراد هذه الطبقة، وإن كان ذلك محبّذًا ومرغوبًا فيه للمحافظة على المستوى الاجتماعي نفسه، فأفراد هذه الطبقة - ذكورًا وإناثًا - يمكنهم الزواج من كافة الطبقات الاجتماعية الأخرى، باستثناء السادة والطبقة المحتقرة ((الضعفة والمساكين)) ؛ كالأخدام، والعبيد، وأصحاب الحرف، والمهن المحتقرة، وإن حدثت مخالفة لهذه القاعدة بالزواج من الضعفة والمساكين، فإنها تواجه بالرفض، والعقاب المعنوي، من بقية أفراد الطبقة))[62].

3- طبقة القبائل:
سبق لدى الحديث عن مفهوم القبليّة أن القبيلة من الناس: بنو أب واحد، ومعنى القبيلة معنى الجماعة؛ فيقال لكل جماعة من أب واحد: ((قبيلة))، والجمع ((قبائل)).
((ويرتكز مفهوم القبيلة على الارتباط الدموي القائم على صلة القرابة بين أعضائها[63]؛ وإضافة لذلك فإن القبائل هم حملة السلاح، فكل من ينتمي إلى جماعة من أب واحد، ويحمل السلاح، ويقاتل به، يقال له: قَبِيلي، وتطلق أيضًا على الذين انتقلوا من حياة البادية إلى حياة الحاضرة، وهم يحملون السلاح، ولا ينطبق لفظ القبيلي على الجندي الحكومي، وتمثل القبائل القطاع القوي في المجتمع اليمني، والقَبْوَلة[64] بمعناها الأخلاقي النظري: عبارة عن مجموعة من المزايا الرفيعة الشأن، لا تختلف عن معاني الفروسية في القرون الوسطى))[65].

ويرى بعض الباحثين أن القَبْوَلَة هي: ((مجموعة من صفات مختلفة منها الحسن، ومنها القبيح؛ فهي مزيج من الإباء، وحماية الجار، والأخذ بالثأر، وإغاثة الملهوف، وصلابة الرأي، ومن الظلم، والاعتداء، والبطش، والحمية الجاهلية))[66].
((يعد النظام القبلي والحياة القبلية في اليمن ظاهرة تاريخية، وسياسية، واجتماعية، عاش اليمن في ظلِّها - عبر مراحل تاريخه الطويل - حياة سياسية واجتماعية غير مستقرة؛ وذلك على الرغم من مظاهر الوحدة الحضارية والثقافية والدينية التي تميَّز بها المجتمع اليمني القديم والحديث))[67].

((ولهذا النظام القبلي سمات وخصائص تميز بها، ومن أهمها:
1- النزعة نحو الاستقلال: ميل القبائل لمقاومة أي حكم مركزي، ورفضهم الخضوع له؛ وطنيًّا كان أم أجنبيًّا.
2- الولاء المطلق للقبيلة وشيخها.
3- الاحتكام للأعراف القبلية.
4- ضرورة وجود شيخ ((رئيس)) للقبيلة، تَصْدُر عن رأيه.
5- احتقار الأنشطة والأعمال اليدوية؛ وعلى وجه الخصوص الحرفية والمهنية منها))[68].
تحتل القبائل المرتبة الثالثة في السلم الاجتماعي باليمن، أي: بعد طبقتي السادة والمشايخ، ((على أن بعض الدارسين ذهب إلى تصنيفهم في المرتبة الثانية؛ باعتبار أن السادة والمشايخ طبقة واحدة ذات درجتين، نظرًا للتشابه الكبير بينهما؛ من حيث نقاءُ النسب، والفقْهُ في الدين، وتقاربُ الوظيفة، والدور الذي تقوم به كل من الفئتين، أعني: السادة والمشايخ))[69].

أعمالهم:
ارتبطت القبائل اليمنية منذ زمن بعيد بالأرض، وأصبحت تمارس الزراعة والرعي، ومع ذلك فهي لم تتخلّ عن تقاليدها وأعرافها القبلية، فهم ما زالوا يعتزون بأنسابهم، ويفاخرون بها، وينأَوْن بأنفسهم عن العمل في الأعمال - المهن والحرف - المحتقرة، من قبل طبقات المجتمع اليمني المذكور آنفًا. وهم الذين لهم القوة الدفاعية والسلاحية في اليمن، فالسادة والمشايخ يدخلون في أحلاف معهم لحمايتهم - غالبًا - والطبقات المتدنية داخلة في أحلاف القبائل من باب أولى.

علاقات الزواج:
لا تختلف طبقة القبائل كثيرًا في هذا عن طبقة المشايخ؛ فهم يعتبرون أنَّ القاعدة العامة أن يتزوج القبيلي من طبقته، وإن كانت بعيدة عن بلده، وكذلك النساء، إلا أنه لا مانع من أن يتزوج من بقية الطبقات العليا - إن أمكن - دون الطبقات المتدنية في السُّلَّم الاجتماعي، بل إنهم يعدّون ذلك عيبًا كبيرًا، وبخاصة فيما يتعلق بالنساء، لكن قد تحدث بعض المخالفات بالنسبة للرجال، فيتزوج أحدهم من طبقة دون طبقة القبائل، إلا أن ذلك يعد أمرًا نادر الوقوع، وإذا وقع قوبل من يفعله بالسخرية والاستهزاء، من بقية أفراد القبيلة.

4- طبقة الضعفة والمساكين (الطبقة المتدنِّية)، وهي فئات المجتمع الأخرى:
يمكن أن نصطلح على تسمية هذه الفئات المختلفة باسم: ((طبقة الضَّعَفة والمساكين))؛ لأنها في مجموعها فئات ضعيفة، ومغلوب على أمرها، ولأنها تشترك جميعها في فقدان أمر مهم - يقوم عليه التصنيف في الطبقات العليا - ألا وهو النسب؛ فمعظم أفراد الشرائح من هذه الطبقة إما أنهم ليسوا من القبائل أصلاً؛ كالعبيد، والأخدام، حيث تعود أصولهم إلى بلاد أخرى، وإما أنهم فقدوا أنسابهم فلا يعرفون إلى أي القبائل ينتمون، أو أنهم هبطت مكانتهم الاجتماعية بسبب خروجهم على الأعراف والتقاليد القبلية، إما بزواج من شريحة متدنية، أو امتهان حرفة محتقرة اجتماعيًّا، أو نحو ذلك، وعلى العموم: فإنه يمكن تقسيم هذه الطبقة - طبقة الضعفة والمساكين - إلى أقسام أو شرائح أربع، مرتَّبة حسب وضعها في السلم الاجتماعي للمجتمع اليمني، وهي:

أ - شريحة ((القَرَار)):
وسمُّوا بذلك لاستقرارهم في القرى، ولأنهم لا ينفرون للحروب كما ينفر القبائل للغزو ونحوه، وهؤلاء قد يكونون قبائل ضيَّعوا أنسابهم، أو قبائل ضعفت منذ عهد قديم لقلة عددهم وفقرهم، وهؤلاء عددهم كثير، ويعملون في التجارة والزراعة[70].

ب - شريحة الصُّنَّاع وأصحاب الحِرَف والمهن التقليدية:
((يمكن القول بأن هذه الشريحة تضم جميع الذين يمارسون أعمالاً يدوية إلا الزراعة والرعي؛ فهما من اختصاص فئة القبائل، بالإضافة إلى أولئك القائمين بتقديم خدمات تقليدية معينة؛ لذلك فإن هذه الشريحة واسعة تشمل مجموعات اجتماعية عديدة؛ مثل ((الصناع التقليديين؛ كالحدادين، والدباغين، والنجارين... إلخ، والحِرَفيين، كالبنائين[71]، وأصحاب المهن التقليدية؛ كالجزارين، والحلاقين، والحجامين، والدُّوشَان[72]... إلخ))"[73].
((أفراد هذه الشريحة يواجَهون باحتقار؛ من قِبل جميع الطبقات الاجتماعية السابقة عليهم في درجات السلم الاجتماعي، فيزدرونهم ولا يقيمون أي علاقات نكاح معهم، ويُلزمونهم[74] بوضع الجَنْبِيَّة[75] بشكل معين لا يشبه وضع باقي الطبقات لها، وفي مناطق معينة يُمنعون من حمل السلاح؛ ويعود ذلك إلى استمرار تأثير بعض القيم والمفاهيم القبلية البدوية التي تزدري وتحتقر العمل اليدوي عمومًا، حيث إن القبيلي يتأفف من القيام بأي عمل يدوي أو خِدْمي من شأنه خدمة الآخرين، أو التودد إليهم، وهو يعتبر ذلك من باب إراقة ماء الوجه؛ لذا فإن رجال القبائل ينظرون إلى الفئات الحِرْفية والمِهْنية بالدُّونية والاحتقار؛ باعتبارهم يفتقدون الأصالة التي يتمتع بها رجل القبيلة، ويقصد بذلك ضعف النسب؛ ومِنْ ثَمَّ نقص الشرف والمكانة الاجتماعية))[76].
((ومن سمات هذه الشريحة الزواج الداخلي، ويرث الشخص منهم مرتبته الاجتماعية عن أبيه بمجرد الولادة، وراثةَ الأبناء لحرف ومهن الآباء، وفي حالة تغيير الابن لمهنة والده فإن ذلك لا يغير من مكانته الاجتماعية الأصلية الموروثة))[77].

ج - شريحة العبيد ((الرقيق)):
يأتي العبيد ((الأرقَّاء)) في المرتبة ما قبل الأخيرة في سلم الترتيب الاجتماعي، وبالرغم من ذلك فإنهم أحسن حالاً من شريحة ((الأخدام)) - الذين سيأتي ذكرهم - مع أن أفرادها ((أحرار))، واحتل العبيد مكانة جيدة يُحسدون عليها؛ حيث كان لهم حق الدخول إلى الأوساط الراقية؛ لأن شجاعتهم الحربية تتطلب ذلك[78]، وكان أسيادهم - في الغالب - يعاملونهم معاملة حسنة؛ فالعبد - في نظر مالكه - شخص موثوق به، ومعتمد عليه، خصوصًا في القيام بالأعمال المنزلية كافة، وكان بعضهم يُستخدمون حَشَمًا[79] لإظهار فخامة أسيادهم، أو حرسًا خاصًّا، أو سائقي عربات؛ لذلك كثيرًا ما كان العبد يعامل على أساس أنه واحد من أفراد العائلة، وليس مجرد غريب، أو خادم لهم فقط[80].

بدأت تجارة العبيد - السود خصوصًا - في اليمن، بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر الميلاديين، وكانوا يُجلَبون من الساحل الشرقي لإفريقية، وكانت تهامة بموانئها وقربها من سواحل إفريقية؛ تمثل المنطقة الأنسب في اليمن لسوق النِّخَاسة[81]، وقد بدأت هذه التجارة في التقلص ابتداء من عام 1822م، حين أوقف سلطان زِنْجِبَار هذه الحركة. وظلت تجارة العبيد في اليمن الإمامية شرعية، لكنها ضعفت جِدًّا حتى تاريخ الثورة على الإمام عام 1962م، حيث أصدرت الحكومة الجديدة قرارًا بإلغاء الرِّق، وتحرير العبيد[82].

د - شريحة الأخدام:
((جمع "خادم"، والخادم بالنسبة لليمني العادي: هو ذلك الذي يقوم بأعمال حقيرة ووضيعة، أو يبيع خدماته للآخرين[83]، ويعتبر الأخدام شريحة من الشرائح الاجتماعية الفقيرة في اليمن، وتعد هذه الشريحة جزءًا من طبقة "الضعفاء والمساكين" التي تضم الفئات الهامشية الأخرى))[84].
((يحتل الأخدام المرتبة السفلى والأخيرة في السلم الاجتماعي التقليدي، ويعيشون على هامش المجتمع تمامًا، في أحياء عشوائية مبنية من الصفيح، تنقصها الخدمات الأساسية؛ كالماء، والكهرباء، وغيرها))[85].
((اختُلِف في أصل هذه الشريحة؛ ولأن الأخدام من ذوي البشرة السوداء فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم من بقايا الأحباش الذين غَزَوُا اليمن قديمًا، واحتلوه فترة من الزمن، وذهب بعضهم إلى أنهم من بقايا الموالي الأحباش الذين استقدمهم آلُ نجاح - وآل نجاح: مَوَالٍ من أصل حبشي - لتدعيم دولتهم في مدينة زَبِيد، وبعد سقوط دولة بني نجاح على يد المَهديين استُخدمت هذه الفئة من الأحباش كخدم، أي: أخدام))[86].

((عانى الأخدام ويعانون من الاغتراب، في مجتمع يقوم على التفاوت الاجتماعي، والعلاقات القبلية[87]، فعاشوا حياة اجتماعية تعيسة، ومزرية ويواجهون باحتقار شديد؛ من كافة الشرائح الاجتماعية الأخرى، وهذا الاحتقار ليس سببه لون بشرتهم السوداء - كما يتصور البعض - فقد كان العبيد من ذوي البشرة السوداء، ومع ذلك فهم أعلى درجة من الأخدام، إن مسألة احتقارهم وعزلهم ليس فقط لأنهم يزاولون أعمالاً وضيعة، وإنما يرتبط ذلك بعامل أساس - وربما الوحيد - وهو فكرة ((النجاسة)) التي لصقت بالأخدام إلا أننا لا نملك تفسيرًا لمصدر هذه الفكرة، لكن هناك افتراض بخصوصها وهو أن هذه الفكرة ربما نشأت من أن الأخدام عمومًا يعيشون حياة قذرة، ولا يعطون قضية النظافة أي اهتمام))[88].

وقبل الشروع في وصف مظاهر الاحتقار والعزلة؛ التي تواجهها هذه الشريحة، نشير إلى أهم سماتها:
1- شريحة منغلقة على نفسها، فالزواج عندهم داخلي، إذ لا يُزَوَّجون ولا يُتزوج منهم.
2- يرث الأخدام - بمجرَّد الولادة - المرتبة الاجتماعية لآبائهم.
3- يرثون أيضًا أعمال ومهام آبائهم.

أما مظاهر احتقار المجتمع لهم، فأهمها:
1- عدم التزاوج معهم من بقية الطبقات، فلا يزوّجونهم ولا يتزوجون منهم.
2- ضعف عملية الاتصال معهم؛ من مصافحة، ومؤاكلة، ومجالسة.
3- عدم السماح لهم بحمل السلاح؛ حتى الجَنْبِيَّة[89]، إلا نادرًا كحراس بعض مشائخ القبائل.
4- لم يكن يسمح لهم بامتلاك الأراضي الزراعية أو التجارية إلا نادرًا.
5- ضعف العناية بتعليمهم للارتقاء بمستواهم الاجتماعي، ولاخراجهم من العزلة التي هم فيها[90].
((وقد توصلت بعض الدراسات الميدانية للأخدام؛ ونحوهم، خلال عام 1996م إلى نتيجة مفادها: أن حياة هذه الجماعات قد تدهورت في مختلف مجالات الحياة، وتسير من سيِّىء إلى أسوأ، كما أفادت به هذه الجماعات مقارنة بظروفها السابقة))[91].

وفي دراسة استطلاعية[92] تناولت مئة فرد من مختلف طبقات المجتمع اليمني؛ حيث تم استطلاع آرائهم حول محاور اجتماعية تتعلق بمدى وجود المراتب الاجتماعية واستمرارها ومدى التمسك بها وتطبيقها. وقد تم هذا الاستطلاع بشكل غير مباشر من خلال أحاديث ونقاشات (حرصًا من الباحث على حصوله على بيانات ذات مصداقية أكبر) دون توجيه الأسئلة بشكل مباشر؛ باعتبار أن موضوع الدراسة فيه بعض الخصوصية الاجتماعية التي قد تُحْرِجُ البعض في إعطاء إجابات دقيقة. وقد جاءت نتيجتها[93] مؤيدة لنتائج الدراسات السابقة في هذا الجانب، والتي تؤكد وجود المراتب الاجتماعية، واستمرار بقائها حتى اليوم، كما أثبتت النتيجة وجود تحول في أفهام أفراد المجتمع تجاه هذه التقسيمات، ومدى تمسكهم بها، وتطبيقهم لتقاليدها وأعرافها؛ لكن هذا التحول لم يكن بالقدر المطلوب؛ فمن الملحوظ أن 90% ((تسعين في المئة)) من أفراد عينة الاستبانة، أكدوا أن التقسيم الاجتماعي من حيث النسب ما زال قويًّا وفعالاً، كما أن 48% من أفراد العينة يفهمون بقوة أن التقسيم الاجتماعي أمر موروث وطبيعي ومقبول، بينما لم يرفض ذلك بقوة إلا 25% فقط من العينة، كما أظهرت نتيجة الفقرة رقم (4) من الاستبانة أن 81% من أفراد العينة يؤكدون بقوة أن الناس متمسكون بهذا التقسيم النَّسَبي المبني على النظام القبلي.

وإذا ما انتقلنا إلى الجانب التطبيقي لهذه المفاهيم الاجتماعية نجد أن التطبيق يوافق - غالبًا - المفهوم السائد؛ حيث يؤكد عدد كبير من عينة الاستبانة على قوة انتشار تقاليد معينة، مثل الفخر بالأحساب والأنساب، وضعف التزاوج بين ذوي الأنساب وغيرهم من ضعفاء النسب، أو أصحاب المهن الحقيرة، أما العرف الاجتماعي الذي يحتقر بعض المهن، مثل الحلاقة والجزارة ونحوهما، فقد تراوح بين القوة والضعف؛ حيث إن التمسك به وتطبيقه، يختلف في جنوب اليمن - حضرموت - عنه في شماله؛ حيث لوحظ أن أفراد العينة من الجنوب أكدوا على ضعف هذا العرف في المجتمعات الجنوبية.
كما أن رجحان كفة الميل إلى التعامل مع ضعفاء النسب والمهن انطلاقًا من مبدأ العدل؛ على كفة الامتناع عن ذلك، ارتكازا على مفهوم الفوقية - كما هو واضح في الفقرتين الأخيرتين من الاستبانة - يؤكد ما أشرتُ إليه آنفًا من وجود تحول في مفاهيم أفراد المجتمع اليمني تجاه هذه التقسيمات، والأعراف، والتقاليد الناتجة عنها. وقد أوضحت نتائج الإجابة عن السؤال الثالث من الاستبانة؛ الرغبة الكامنة في نفوس كثير من أفراد المجتمع اليمني في التخلص من هذه الأعراف والتقاليد الموروثة، وأن يكون التعامل بينهم على أساس التعاليم الإسلامية؛ التي أرست مبادئ المساواة، والعدل، والأخوة الإيمانية، ونبذت كل تفاضل إلا بالتقوى، وحرَّمت التفاخر بالنسب، وازدراء الناس، وغمطَهم حقوقهم.

إنه بالرغم من ظهور بوادر التحرُّك الاجتماعي الإيجابي في المجتمع اليمني بعد قيام النظام الجمهوري في الشمال والجنوب، وسقوط حكم الإمامية والسلطنات في الستينيَّات من القرن العشرين الميلادي؛ حيث بدأت تندثر كثير من العادات، والتقاليد القبلية، التي كانت سائدة ومتجذرة في المجتمع اليمني؛ وذلك بحكم انفتاح المجتمعات بعضها على بعض، وانتشار العلم، وانحسار الجهل، بالرغم من ذلك إلا أن الواقع يبين لنا - حسبما أظهرته نتائج الاستبانة أيضًا - أن المراتب الاجتماعية التي كانت قائمة قبل هذه الحقبة لا تزال باقية، وثابتة، وحتى في حالة قيام بعض الأشخاص بالانتقال من مراتبهم الاجتماعية إلى مراتب أخرى، فإنهم يتعرضون للسخرية والانتقاد، ليس فقط من الأعضاء في مراتبهم الأصلية، بل حتى من أعضاء المرتبة الجديدة[94].

ويمكن القول: إن المسألة الأكثر ثباتًا بين الفئات الاجتماعية، المكوِّنة للنظام الاجتماعي القبلي، والتي تُعَدُّ العقبة الكؤود في سبيل الانفتاح الاجتماعي، والتلاقح الطبقي، هي: ((مسألة الزواج)) ؛ حيث إن الزواج بين المراتب المختلفة ما زال - حتى بين صفوف المتعلِّمين - ظاهرة قليلة الحدوث؛ لذلك فإن العلاقات الزواجية كما كانت في السابق محكومة بقواعد الزواج داخل المرتبة الواحدة، فمن أجل البحث عن زوجة من المرتبة نفسها قد يضطر الفرد إلى الزواج من مناطق أخرى بعيدة عن منطقته[95].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1]   أخرجه مسلم (934)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
[2]   أخرجه أحمد (11000)، والترمذي (3148 و 3615)، وابن ماجه (4308)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[3]   سبق تخريجه (ص19)، هامش (2).
[4]   كما صرّح بمثله العلاّمة المنيع في ختام تقديمه لهذا الكتاب. انظر: (ص11).
[5]   "قبيلة آدم" لعلي العيسى (ص26- 27).
[6]   أخرجه أحمد (24148)، وأبو داود (2659)، والنسائي (2558)، وابن حبان (4762)، من حديث جابر بن عتيك الأنصاري رضي الله عنه. وقد حسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود» (2316).
[7]   أخرجه البخاري (2864)، ومسلم (1776).
[8]   قالها يوم خيبر رادًّا على مَرْحَب اليَهُودِيّ. انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (2/112)، و"فضائل الصحابة" للإمام أحمد بن حنبل (2/643).
[9]   أخرجه أحمد (20669)، وأبو داود (4902)، والترمذي (2511)، وابن ماجه (4211)، من حديث أبي بكرة نُفَيْع بن الحارث رضي الله عنه.
[10]   الجِعْلاَن: جمع جُعَل، وهي دُوَيبَة سوداء تشبه الخنفساء، تكون في المواضع النَّدِيَّة. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (14/109 ج ع ل)، و"المعجم الوسيط" لإبراهيم مصطفى وآخرين، (1/130 ج ع ل).
[11]   سبق تخريجه (ص17)، هامش (1).
[12]   انظر: ملحق الفتاوى آخر هذا الكتاب، فتوى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، رقم (3)، وفتوى للشيخ ابن جبرين، رقم (10).
[13]   "مجلة الأزهر" عدد شوال 1413هـ، إبريل 1993م، الجزء العاشر، الكفاءة في النكاح على ضوء الكتاب والسنة، (ص1528)، د / فاطمة عمر نصيف.
[14]   عسا: أَسَنَّ.
[15]   الضِّغْن: الحقد.
[16]   بُعَاث: موضع بالمدينة، ويوم بُعَاث: يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه للأوس.
[17]   أخرجه ابن هشام في "السيرة" (2/136- 137)، والطبري في "التفسير" (7524).
[18]   أخرجه أحمد (17583)، والطبراني في "الكبير" (17/ رقم 814)، من حديث عقبة ابن عامر رضي الله عنه.
[19]   متفق عليه، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5990)، ومسلم (215)، واللفظ لمسلم.
[20]   جزء من حديث أخرجه مسلم (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[21]   متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (2753)، ومسلم (204).
[22]   انظر: ملحق الفتاوى آخر هذا الكتاب، فتوى للشيخ ابن حبرين، رقم (14).
[23]   متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
[24]   متفق عليه، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584).
[25]   أخرجه أحمد (26075)، وأبو داود (4875)، والترمذي (2502)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألباني. انظر: «صحيح أبي داود» (4080)، و«صحيح الترمذي» (2034).
[26]   تقدم تخريجه (ص45)، هامش (2).
[27]   متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (6477)، ومسلم (2988).
[28]   خُطبة الحاجة هي قوله (ص): «إِنَّ الْحَمْدَ لِلّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، والحديث أخرجه أحمد (3720)، وأبو داود (2118)، والترمذي (1105)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. 
 وكان عليه الصلاة والسلام يُتبع ذلك بتلاوة ثلاث آيات: [آل عِـمرَان: 102]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *}، [النِّسـَـاء: 1]{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *}، [الأحـزَاب: 70]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *}.
[29]   تقدم تخريجه (ص7)، هامش (1).
[30]   "قبيلة آدم" للعيسى، (ص13 - 17)؛ بتصرُّف.
[31]   انظر: ملحق الفتاوى آخر هذا الكتاب، فتوى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، رقم (3)، وفتوى للشيخ ابن جبرين، رقم (10).
[32]   "قبيلة آدم" للعيسى، (ص14-15).
[33]   انظر: "تفاسير" الطبري، وابن كثير، والقرطبي، والجلالين، والمراغي، و"المحرر الوجيز" لابن عطية، و"فتح القدير" للشوكاني، و"عمدة التفسير" لأحمد شاكر، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي، و"أيسر التفاسير" للجزائري.
[34]   رواه ابن ماجه (1968)، وابن أبي حاتم في "العلل" (1236)، وابن عدي في "الكامل" (1/95).
[35]   انظر (ص102).
[36]   انظر أيضًا فتوى الشيخ ابن عثيمين (ص129).
[37]   انظر: (ص30- 31).
[38]   "الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني" لقائد نعمان الشرجبي، (ص8).
[39]   "تاريخ حضرموت السياسي" لصلاح البكري (1/36)، و"اليمن الإنسان والحضارة" لعبدالله الشماخي، (ص83 - 84).
[40]   "الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني" للشرجبي، (ص55).
[41]   المرجع السابق، (ص11).
[42]   «الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في حضرموت 1918-1945م» لعبدالله الجعيدي، (ص25).
[43]   "البنية القبلية في اليمن بين الاستمرار والتغيّر" لفضل أبو غانم، (ص191 - 192).
[44]   "الفكر والمجتمع في حضرموت" لكرامة بامؤمن، (ص61).
[45]   أفادني أحد علماء اليمن أنَّ طبقة القبائل في معظم اليمن أعلى من طبقة المشايخ في سُلَّم الشرائح وذلك لأمرين: أ - في كثير من البلدان يسمى المشايخ بالقضاة أو الفقراء أو الفقهاء وهؤلاء لا يزوجهم القبائل نساءهم في الغالب.ب - أن المشايخ ونحوهم - غالبًا - يدخلون في حماية القبائل ويسمَّون بـ«العِرْوة» أو «الجار» أو «الهجرة» أو نحو ذلك، وإذا اعتدى أحد عليهم فزعوا إلى عروتهم من القبائل وخاطبت قبيلتهم التي تتولى حمايتهم قبيلة المعتدي إن كان قبيليًا أو عِروته إن كان شيخًا أو فقيرًا أو قاضيًا.
[46]   انظر: "لسان العرب" لابن منظور (3/2141 س و د).
[47]تنتشر أسر الأشراف في الحجاز "موطنهم الأصلي"، وكذلك في كثير من بقاع العالم الإسلامي، حيث انتقلوا إليها أثناء الفتوحات الإسلامية، أو الهجرات الاختيارية أو الاضطرارية، لكنَّ عاداتهم وأعرافهم متشابهة.
[48]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي، (ص136). وانظر: "لسان العرب" لابن منظور (4/2241 ش ر ف).
[49]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي، (ص137 - 144 - 145 - 147).
[50]   "الفكر والمجتمع في حضرموت" لبامؤمن، (ص61 - 62).
[51]   المرجع السابق، (ص62)، و"الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص147).
[52]   نظرًا لقلَّة السادة فهم في كثير من البلدان اليمنية يدخلون تحت حماية القبائل، بل ربما أعطَوْا من أرضهم جزءًا في مقابل تلك الحماية.
[53]   "البنية القبلية في اليمن بين الاستمرار والتغيّر" لفضل أبو غانم، (ص213 - 214)، و"الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في حضرموت" للجعيدي (ص29).
[54]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص152-153).
[55]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص139-144)، و"ابن الأمير وعصره" لقاسم غالب أحمد وآخرين (ص46).
[56]   "لسان العرب" لابن منظور (4/2373 ش ي خ).
[57]   "الفكر والمجتمع في حضرموت" لبامؤمن، (ص62).
[58]   "الأوضاع الاجتماعية" للجعيدي (ص31)، نقلاً عن "عادات وتقاليد بالأحقاف" لعبدالقادر الصبان (ص40).
[59]   "الأوضاع الاجتماعية" للجعيدي (ص31 - 32)، وانظر: "الفكر والمجتمع في حضرموت" لبامؤمن،(ص62 - 63).
[60]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص156-157).
[61]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص157 - 158).
[62]   المرجع السابق (ص161).
[63]   وقد ذكرنا فيما سبق أن هذا المفهوم هو أوسع من ذلك، فبالإضافة لرابطة الدم، قد يدخل القبيلة آخرون لأسباب أوضحتها هناك، راجع مفهوم القبلية (ص27).
[64]   القَبْوَلة: بفتح القاف والواو بينهما باء موحَّدة ساكنة: من الكلمات الدارجة عند أهل اليمن، وهي منحوتة من القبيلة.
[65]   "الأوضاع الاجتماعية" للجعيدي (ص33).
[66]   "أدوار التاريخ الحضرمي" للشاطري (2/341).
[67]   "البنية القبلية" لفضل أبو غانم (ص7).
[68]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص61).
[69]   انظر: "الفكر والمجتمع في حضرموت" لبامؤمن (ص59).
[70]   انظر: "الفكر والمجتمع في حضرموت" لبامؤمن (ص65)، و"الأوضاع الاجتماعية" للجعيدي، (ص38).
[71]   وإن كان القبائل وبعض السادة يمارسون ذلك إما بصورة مباشرة أو بصورة مقاولات معمارية.
[72]   الدُّوشان: قيل: أصل الكلمة «ذو شأن»، وهم: فئة من المجتمع وظيفتها الأساسية ترديد أبيات الشعر في السلم والحرب، يخدمون القبائل ويقومون بدور الإذاعة المتنقلة في السلم، ودورهم يشبه دور الهلال الأحمر في الحرب؛ حيث ينقل الدُّوشَان الرسائل والعتاد والمؤن أو القتلى والجرحى بين الأطراف المتحاربة بحرية دون أن يجرؤ أي طرف على التعرض لأحدهم بسوء. ولأن وظيفته «ذات شأن» أطلق عليه «ذو شأن» ثمَّ حرفت إلى «دُوشَان».انظر: "البنية القبلية" لفضل أبو غانم (ص242)، و"الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص242 - 245).
[73]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص230).
[74]   في بعض البلدان، وإلاّ ففي كثير من البلدان لا يراعون هذا.
[75]   الجَنْبية: هي مُدْية مثل الخِنْجَر، توضع بالجنب مع حزام الوسط، يستعملها أهل اليمن خاصة، وبعض قبائل العرب.
[76]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي ص(230 - 233)، و"البنية القبلية"، لأبو غانم، (ص234)، و"الأوضاع الاجتماعية" للجعيدي ص(37 - 39).
[77]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي، (ص232).
[78]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص258)، و"ملوك شبه الجزيرة العربية" ليعقوب هارولدف (ص113).
[79]   حشمة الرجل وحشمه وأحشامه: خاصته الذين يغضبون له؛ من عبيد، أو أهل، أو جيرة، إذا أصابه أمر. انظر: "لسان العرب" (2/888 ح ش م).
[80]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص257- 258).
[81]   النَّخَّاس: بيَّاع الدوابّ والرقيق، والاسم: النِّخَاسة، بكسر النون وفتحها. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي، (744 ن خ س).
[82]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص256- 257).
[83]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص259).
[84]   "الجماعات والفئات الهامشية في المجتمع اليمني" لشجاع الدين وآخرين ص(28).
[85]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص259)، و"الجماعات والفئات الهامشية" لشجاع الدين وآخرين. (ص24- 25).
[86]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص260- 266)، و"الجماعات والفئات الهامشية" لشجاع الدين وآخرين (ص30- 31).
[87]   "دراسة الفئات الهامشية في عزلة عردن" لعبده علي عثمان وآخرين، (ص6).
[88]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص267- 271).
[89]   الجنبية: تقدم ذكر معناها في (ص75).
[90]   "الشرائح الاجتماعية" للشرجبي (ص268- 272). وانظر: "الجماعات والفئات الهامشية" لشجاع الدين وآخرين. (ص96).
[91]   "الجماعات والفئات الهامشية" لشجاع الدين وآخرين (ص136).
[92]   انظر: (ص81).
[93]   انظر: (ص82).
[94]   "البنية القبلية في اليمن بين الاستمرار والتغيُّر" لفضل أبو غانم (ص193).
[95]   المرجع السابق (ص193).