في مواجهة مثيري النعرات والمتعلقين بعظام الأموات (1)

تقرير خاص بجريدة الجزيرة

في مواجهة مثيري النعرات والمتعلقين بعظام الأموات (1-3)

إحياء العصبية القبلية.. تمسك بغيض بنفايات الجاهلية


أطلت النعرات القبلية برأسها من جديد بين عدد من شرائح المجتمع، من خلال كثير من الممارسات، بدءاً من مزايين الإبل، التي تحمل أسماء القبائل، وصولاً إلى السيارات التي يتفاخر أصحابها بانتمائهم إلى هذه القبيلة أو تلك، ويعلنون ذلك عبر كتابة أسمائهم على سياراتهم.

ووصلت هذه النعرات إلى القنوات الفضائية من خلال برامج الشعر الشعبي، ومسابقاته التي تبثها هذه القنوات، ووصلت حدة هذه النعرات - في بعض الأحيان - إلى حد رفض تزويج بنات قبيلة ما إلى خاطب ينتمي إلى قبيلة أخرى.. وغيرها من الممارسات التي تخالف تعاليم الإسلام، التي نجحت في أن تسمو بالمسلمين فوق هذه النعرات، وحتى الخلافات العرقية واللون في أبدع صور المساواة بين كل بني الإنسانية، ويتزايد خطر هذه النعرات عندما تتعارض مع وحدة وتماسك النسيج الاجتماعي، وتسير في اتجاه معاكس لهما.

وبعيداً عن الشعارات البراقة، أو محاولات إخفاء الرؤوس في الرمال، نفتح هذا الملف لبيان مخاطره، ووسائل علاج هذه الظاهرة قبل تفاقمها.. من خلال رصد آراء عدد من العلماء والدعاة والتربويين، وعلماء النفس والاجتماع.

القراءة التاريخية لتعالي النعرات القبلية أو خفوتها من مرحلة إلى أخرى، تشير بجلاء إلى أن هذه النعرات كانت قائمة وحاكمة في منطقة الجزيرة العربية قبل الإسلام.. ويزخر الشعر العربي القديم في عصور الجاهلية بكم هائل من القصائد التي يتباهى أصحابها بأصولهم وأنسابهم وقبائلهم، وذلك في وقت كانت الحروب تندلع بين القبائل بسبب الماء والمرعى، تغذيها رغبات ونزعات ثأرية جاهلية.

وعندما بزغ نور الإسلام وعم البلاد، تراجعت هذه النعرات أمام الأخوة الإيمانية، والمساواة التي لم تفرق بين مسلم وآخر، بسبب اللون أو العرق أو المال، بل إنها لم تفرق بين المسلم العربي والمسلم من أبناء الأجناس الأخرى.. وفي ظلال الإسلام في عصوره الأولى، كان العمل الصالح، والتقوى هو العامل الوحيد للمفاضلة بين مسلم وآخر، وفق مبدأ (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى).. وقد وعى المجتمع الإسلامي، وفهم هذا المعنى السامي للمساواة، وطبقه في جميع أموره، فتراجعت النعرات القبلية إلى حد القول إنها اختفت تماماً في عصور الخلفاء الراشدين، وحتى بعد ذلك.

ومع ابتعاد المسلمين زمنياً عن نبع الإسلام الصافي في عهوده الأولى، عادت هذه النعرات لتطل مجدداً تغذيها طبيعة الحياة في منطقة الجزيرة العربية بالكامل، حيث الرعي هو العمل الرئيس لمعظم أبنائها، والقبيلة هي المجتمع الأول الذي يتفتح عليه وعي الفرد، وهي مصدر القوة والأمن، وأيضاً التفاخر.. وقد ترافق مع عودة هذه النعرات بصورة تدريجية، ابتعاد عن تعاليم الإسلام، وانتشار كثير من البدع والمخالفات، وإن اختلف حجم انتشارها نسبياً من منطقة إلى أخرى، ولا يختلف وضع المملكة وقتها عن كثير من الدول الأخرى.

ومع توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - وترافُق ذلك مع دعوة إصلاحية لربط المسلمين بتعاليم الإسلام الصحيحة، في كيان يمتلك كل مقومات الدولة، تراجعت هذه النعرات أمام وضوح تعاليم الإسلام، الذي أصبح الدستور الحاكم للبلاد.. وطوال العقود الماضية، وما صاحبها من تغيير في أنماط حياة الشعب السعودي، وما أنعم الله به عليه من رخاء وخير، ظلت هذه النعرات محتجبة، لكنها بدأت في الآونة الأخيرة تعود من جديد، من خلال ممارسات واضحة، منها مسابقات مزايين الإبل، ومسابقات الشعر الشعبي، واستغل البعض القنوات الفضائية في الترويج لهذه النعرات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأصبح الطلاب في المدارس والجامعات حريصين كل الحرص على ذكر أسماء قبائلهم، والتباهي بها، وربما أدى ذلك إلى مشاجرات عنيفة فيما بينهم.

فما الذي أعاد هذه النعرات مجدداً للظهور؟ وما هو موقف الشريعة من ذلك؟ وما هي طبيعة الأخطار المترتبة على هذا الأمر؟ وكيف يمكن علاجه قبل أن يتفاقم؟


•     •     •     •     •


الابتعاد عن العصبية

في البداية يؤكد فضيلة رئيس محاكم منطقة تبوك الشيخ عبد العزيز بن صالح الحميد أن الدين الإسلامي يحث على التواد والمحبة في الله، والابتعاد عن العصبية والقبلية الجاهلية، فمن حب الله والتحاب فيه، ومن ذوبان الناس في الإسلام، وفي الإخوة الإسلامية، ومن منطلق إبطال كل دعوة جاهلية، فلا عصبية ولا قبلية، بل دين واحد وإسلام واحد، وأخوة واحدة، بدأت قافلة الإسلام مسيرتها تدعو إلى حب الله والإخلاص له، وإلى حب الأخ لأخيه لا يجمعهم إلا دين واحد، لم تجمعهم لغة، ولا عصبية، ولا قبيلة بل الذي يجمعهم هو حب الله، وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأضاف الشيخ الحميد: وبهذا انطلقت الدعوة حتى أصبح الإسلام الصبغة الثابتة، والوظيفة العالمية، فمن جحد هذا القدر، وارتخص هذه النعمة، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وما يطل علينا اليوم من بعض الدعاوي الجاهلية من الافتخار بالقبيلة، هو جحود بهذا القدر، وإذا كان الله سبحانه وتعالى اعترف بالقبيلة، قال تعالى {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فإن الهدف من هذا هو التعارف، لا الافتخار وانتقاص الآخرين، متسائلاً: هل نوقظ التجارب اللاذعة؟

وقال الشيخ الحميد: يجب علينا أن نقف في وجه كل ما يراد من تفريق الأمة، عندما تنتشر العصبية، وعندما ينتشر الافتخار بالقبيلة، لا من باب صلة الرحم، وإنما من ذكر أمجاد القبيلة وحدها وسب القبائل الأخوي، فهذه دعوة جاهلية، قال عنها - صلى الله عليه وسلم -: (دعوها فإنها منتنة)، دعوا الافتخار بالأنساب والأحساب فإنها منتنة، لأن كل واحد إذا افتخر بنسبه وقبيلته فإنه يقطع العلاقة مع إخوانه، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بلال: (بلال منا)، نعم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ساوي بين سلمان الفارسي وبلال، وساوي بين الصحابة - رضي الله عنهم - لأن الله - عز وجل - أراد أن نكون إخوانا متحابين، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، متواصلين على البر والتقوى، هكذا أراد الإسلام: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، فعلينا أن ندع التعصب لأن ذلك من دواعي الجاهلية.

وخلص فضيلة الشيخ الحميد إلى القول: إن علينا أن نعود للإسلام عودة تزكي السرائر، وتجمع الناس، وتبنى الأخلاق، وتشعرنا بشرف الانتماء لهذا الدين، للقرآن الذي يقول: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهل نستشعر شرف الإخوة الإسلامية، والانتماء إلى دين الله، وإلى نبي واحد محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الشعور الإسلامي يجب أن يصل الناس بربهم في كل حين، وعلى كل حال.

النعرة والمفاخرة

ويتوقف فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء، عند أحد مظاهر النعرات القبلية التي انتشرت في الآونة الأخيرة، وهي مهرجانات مزايين الإبل القبلية، فيقول: المفاخرة من صفات الجاهلية الممقوتة، ووصلت ببعض قبائل البادية إلى إثارة الفتن والأحقاد والحسد والعداوات.. وقد تسببت هذه النعرة والمفاخرة القبلية إلى حد فرض مبالغ من المال على أفراد القبيلة، بغض النظر عن يسار أحدهم أو إعساره، فلهذه المفاخرة والنعرات تكاليفها المادية، والمثير للدهشة والعجب انتقاص من لا يجاري هذا التفاخر، ويساهم في سداد تكاليفه المالية في المجالس القبلية، إلى غيرها من سلبيات هذه البدعة السيئة.

ويضيف الشيخ المنيع: وليت هذه الأموال توجه إلى سداد ديون أفراد القبيلة من السجناء بسبب هذه الديون، أو دعم جمعيات التحفيظ، أو غير ذلك من وجوه البر والإحسان، لكن الهدف الأساس من جمع هذه الأموال من أفراد القبيلة، غنيهم وفقيرهم، هو الدخول إلى ميادين المنافسة والمفاخرة بمزايين الإبل، وقد يقال إن بعضاً منها ينفق في أعمال البر، لكن الحقيقة أن ذلك مجرد محاولة لتلميع هذا الهدف الجاهلي بهوامش خيرية بسيطة.. ويمكن تشبيه هذا الاتجاه بمركز خدمة نشاطه مشبوه، إلا أن حيطانه معلق عليها آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، وحكم وطرائف، فهل تكون هذه المعلقات نافية للاشتباه في هذا النشاط؟

والله سبحانه وتعالى لا تسرى عليه حيل المحتالين، ولا ألاعيب اللاعبين، وما نفوق هذه المزايين إلا عقوبة من رب العالمين، وموعظة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلا يجوز التمادي في هذه المفاخرات الجاهلية على حساب فقراء البادية من أفراد العشائر السعودية، فلا يخفى أن أبناء البادية يبذلون الغالي والنفيس في سبيل المحافظة على كرامتهم، ونفي الزراية عنهم في المجالس، ومن يتتبع المدينين من أفراد البادية يخرج بنتيجة مفادها أن غالب أسباب هذه المديونيات هي تكاليف ضيافات أقاربه ومعارفه في كثير من تجمعات المفاخرة، التي تقودها النعرات القبلية، فهو يبذل كل ما يطلب منه، ولو على سبيل الاستدانة، لحماية عرضه من القيل والقال، ومن الزراية به في حال تخلفه عن بذل ما طلب منه لظهور قبيلته بمظهر الفائز في المفاخرات، ولو كان على حساب ذمته.

ويؤكد الشيخ المنيع أن الاشتراك في هذه المسابقات والمفاخرات، والاحتجاج لذلك بتشجيع الثروة الحيوانية، حق أريد به باطل، ويمكن أن يقال لمن يحتج بذلك (ما هكذا يا سعد تورد الإبل) ولنا في ولي أمرنا، والقائم على شؤوننا ومصالحنا، ودفع الضرر عن أكبر الأمل في وضع حد لهذا التفاخر الجاهلي الممقوت، ولا سيما إذا ترتب عليه مالا تحمد عقباه.

الانتماء للوطن

ويتحدث الأستاذ الدكتور إبراهيم بن مبارك الجوير أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عن تنامي النعرات القبلية، فيقول: مشاعر الانتماء للأسرة أو القبيلة لا يجب أن تتعارض بحال من الأحوال مع الانتماء للوطن، كما لا يجب أن تقترن بأي مخالفة لتعاليم الإسلام الحنيف، لكن الخطر الحقيقي أن يقوى سلطان القبيلة فيصبح الحاكم المسيطر على تصرفات وسلوك أبنائها.. ويروي العلامة عبد الرحمن بن خلدون: (أن القبيلة إذا قوي سلطانها، ضعف سلطان الدولة، وإذا قوي سلطان الدولة، ضعف سلطان القبيلة).. ونص نظام الحكم في المملكة العربية السعودية على أهمية تقوية الأسرة وأنها أساس المجتمع السعودي، ولم يشر إلى القبيلة، وفي هذا تأكيد واضح على بنية المجتمع السعودي، وترابطه وتمازجه وتزاوجه، ووحدته وولائه.

ويضيف د. الجوير: ويمكن علاج ما قد يطرأ على بنية المجتمع وتماسكه من خلال (دعوها فإنها منتنة)، وهو الوصف الذي وصف به النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه العصبية القبلية الجاهلية في معرض توجيهه بتركها، والتخلي عنها.. وعلى جميع مؤسسات الدولة، الدعوية والتربوية والإعلامية، بيان ذلك، والاسترشاد بآراء العلماء في هذا الأمر، فالجهد العظيم الذي بذله الملك المؤسس - رحمه الله - ورجاله في توحيد شتات هذه البلاد، أسرا وقبائل ومناطق في نسيج واحد، وحرص أبناؤه البررة من ملوك وأمراء، ومعهم الأوفياء للحفاظ على وحدة الوطن، وسلامة هذا النسيج الاجتماعي، لابد أن يصان بالحزم والعدل، وعدم إتاحة أي فرصة يتسلل منها للنيل من وحدة وترابط الوطن، سواء بحس نية أو بسوئها.. فالأولويات يجب أن يكون لها المقدمة والقدح المعلى، فلا مساومة على الثوابت، ومن الثوابت المتفق عليها أو التي يجب أن نتفق عليها جميعاً أمن ووحدة وترابط الوطن، ومحاربة كل مظاهر التجزئة أو التفرقة أو العنصرية، سواء برز ذلك في احتفالات أو مسابقات أو مهرجانات أو تعيينات أو تكريم أو عقوبات ومخالفات، لأن هذه الوحدة يجب أن تصان في الجميع لمصالح الجميع.

الولاء والانتماء يكتسبان

وتشرح الأستاذة الدكتورة مها بنت محمد العجمي أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية للبنات بالرياض دوافع وأسباب ظهور النعرات القبلية في الآونة الأخيرة، فتقول: إن العقل البشري لو تفاعل مع الحياة بصورة حضارية تستمد مقوماتها من قيم الأمة، لاستطاع التكيف وتحقيق طموحاته، فالوطن يمثل لكل إنسان منظومة متكاملة، لأنه ولد وترعرع على أرضه، وسخرت له كل الإمكانات التي تحقق له الاستقرار النفسي والأمني، وإشباع حاجاته الفسيولوجية والاجتماعية بمختلف أشكالها، وفي ظل هذه المعطيات يفترض أن يتفاعل مع هذه الحاجات التي غالباً ما تكون إيجابية، إذ إنه أصبح عنصراً مهماً في ترسيخ قيم المجتمع، وثقافته، واستمراريتها لدى أجيال المستقبل، والمجتمع المسلم يختلف عن المجتمعات الأخرى لأنه ينظر إلى الانتماء ليس من خلال حدود القومية والوطنية فقط، بل من خلال القيم الإسلامية الشاملة لكل معاني تقدير الإنسانية أياً كانت عقيدتها أو موطنها، ويأخذ هذا الانتماء بعداً أكثر إذا كانت الدولة مرتبطة بهذه القيم، فالولاء والانتماء يكتسبان ولا يفرضان فرضاً، وهما يغرسان في نفس المواطن، ويعزز غرسهما في ممارسة المواطن لحقوقه المشروعة بدون نقص أو تجاوز عليها، وإلا فإن الحديث عن الانتماء والولاء يصبح كصرخة في واد لا تستجيب لها نفس ولا تسمعها أذن.

والإسلام جاء بالوحدة للمجتمعات، وجمع شتات القبائل المتفرقة تحت راية واحدة، مع عدم إغفال القبيلة، وتسخير التكتل القبلي لصالح الأمة، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فالهدف من جعل الناس شعوبا وقبائل هو التعارف الذي يسهل عملية التواصل لتنتشر شعائر الدين بين الناس كما أراد الله، ولذلك فإن العصبية الجاهلية تعتبر سببا رئيسا في الصد عن سبيل الله، لذا فقد قام الرسول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بإذابة هذه العصبية، وصهرها، وتعزيز جانب الأخوة التي يجمعها رابط الدين، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)، فالفيصل في ذلك هو التقوى والإيمان، لا العرق والقبيلة والنسب، فعندما قال أبو ذر - رضي الله عنه - لبلال - رضي الله عنه -: (يا ابن السوداء) غضب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال لأبي ذر: (أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية)، فذهب أبو ذر ليعتذر من بلال، ويجسد المعنى الحقيقي للأخوة الصادقة التي جاء بها الدين.

تحرير الإنسان

وتضيف د. مها العجمي: إن الرسالة المحمدية حررت الإنسان من كل القيود والانتماءات العنصرية (العرق، القبيلة..)، وجعلت الانتماء الأعلى للعقيدة الإسلامية، وفي الوقت نفسه لم تلغ الانتماءات الأخرى مثل الأسرة والوطن، لكنه جعلها ثانوية أمام الانتماء للعقيدة، فالإسلام قلل من شأن الانتماء للأرض لكنه لم ينهيه، بل جعله جزءاً من الانتماء الأعلى (الإسلام)، فمن مات دون أرضه فهو شهيد، بل جعل الدفاع عن الأرض واجب شرعي لا جدال فيه، فنحب الأرض كجزء من انتمائنا للوطن، والإسلام كذلك قلل من أهمية الانتماء للأسرة والقبيلة أمام الانتماء للعقيدة، بل ذمها الرسول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (دعوها فإنها منتنة)، ولكن لم يلغ دور القبيلة أو الأسرة، فمن مات دون أهله فهو شهيد، وليس منا من لم يحترم كبيره.. لكن ظهور العصبية القبلية يؤدي إلى الكبر، وضعف الورع، ونشر الحسد والغل وتمزق الشمل، وهدر الطاقات وتفرقة الأمة.

وما نراه اليوم من التعصبات والنعرات القبلية ينذر بالخطر، وبصورة مخيفة بعد أن خبت هذه النعرات فترة من الزمن، بسبب الوعي الذي انتشر، ولكن بدأ بعض المتعصبين الآن يبرزون هذه القضية بصورة مخيفة، ونرى التعصب القبلي يأخذ أشكالا كثيرة، وهو مرض يمتد إلى كل نقطة في حياتنا، وكل يرى أنه أعلى شأنا وأفضل مرتبة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، ومجتمعنا السعودي والحمد لله مجتمع قائم على الشريعة الإسلامية، محافظ على تقاليده ومبادئه، ويسعى القائمون عليه على تجنيب أفراده هذه الأمور التي قد تدمرهم كغيرهم من المجتمعات، خاصة وأن مجتمعنا السعودي يقوم أصلا على روح التسامح والتعايش السلمي، والتكافل الاجتماعي بين أفراده، على الرغم من أنه يغلب عليه الطابع القبلي، ومع ذلك فإن هناك بعض ضعفاء النفوس اشتطت مقاصدهم وأفكارهم فأحيوا النعرات القبلية المنتنة، واتخذوا من الفضائيات مطية لتنفيذ أغراضهم التي تعبر عن روح الجاهلية المندثرة، وهم بذلك إنما يستجيبون لأعداء الأمة، وينساقون إلى مخططاتهم الرامية إلى تفتيت كيان أمة الإسلام ليسهل تدميرها.

ولقد اعتقد كثير من المتابعين تاريخيا للمجتمع السعودي قبل عدة عقود أن مظاهر التعصب القبلي ستختفي مع تقدم المجتمع ماديا وفكريا، ولكن الحقيقة اليوم أنه مع تزايد فرص التعليم على جميع المستويات تزايدت هذه الظاهرة بشكل كبير، ولا سيما لدى فئة الشباب، الذي كان الجميع يتوقع منهم ذوبان ما لديهم من أي عنصريات قبلية، ولكن للأسف ما نراه اليوم هو عكس ذلك تماما.

التعصب البغيض

وتعدد د. العجمي أسباب التعصب القبلي في المجتمع السعودي من تدني الفكر المعرفي، وضعف الوازع الديني بسبب الابتعاد عن تعاليم الدين الحنيف، وهدي الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، والانغلاق والتقوقع على الذات، والعيش في صدى الأزمان الماضية، وإفلاس النفس وانهزامها أمام متطلبات كل مرحلة، وعدم القدرة على اكتساب متطلبات المنافسة، علما بأن وسائل تغذيتها هي أسباب وجودها في المجتمع، فالتطورات المتسارعة التي شهدها العالم، والانفتاح الإعلامي والثقافي والاقتصادي الذي شهدته المملكة مؤخرا عزز من ظهور بعض المظاهر السلبية في مجتمعنا، وهو أمر طبيعي أن تظهر بعض السلبيات مقابل أي تطور في المجتمع، وعلى الرغم من مشروعية الانتماء والافتخار بالقبيلة كوحدة اجتماعية متماسكة، إلا أنها قد تتجاوز ذلك إلى التعصب البغيض، والانتقاص من الآخرين، والنظر إليهم بشكل دوني لا يليق وهناك تخوف من تحول هذا التعصب إلى ممارسات سلوكية تشعل فتيل أزمة قد تجر معها خلافات وأزمات الوطن في غنى عنها، وهذا منذر خطير لوحدتنا الوطنية التي نفخر دوما بها.

ولا سيما أن هناك آثاراً سلبية لوجود تلك النعرات القبلية، منها: ضعف درجة الانتماء والولاء لدى أفراد المجتمع، ونمو ظاهرة الاغتراب الاجتماعي، وضعف المشاركة الاجتماعية في تنمية المجتمع، وانقسام المجتمع إلى العديد من الفئات والطبقات على أساس قبلي أو اجتماعي، وتناحر هؤلاء للحصول على مميزات أكثر، وانتشار الفتنة بين أفراد المجتمع الواحد، وضعف الثقة بين أفراد المجتمع، وزيادة قابلية الأفراد للاتجاهات الهدامة، وانتشار الأفكار الخاطئة، والظواهر السلبية كالتطرف القبلي.

ولعلاج هذه الآثار، تقول د. مها العجمي: يجب نبذ هذه الظاهرة بكل الوسائل المجتمعية والإعلامية، وتنمية روح المساواة والأخوة لدى أفراد المجتمع بكل شرائحه من خلال هيئاته المختلفة، وتنمية وزيادة الوعي بخطورة هذه الظاهرة على المجتمع عن طريق التوعية والتثقيف في مدارسنا وجامعاتنا للحد من خطورة البرامج الإعلامية التي تسعى إلى إشعال العصبية، وتوجيهها لمشاهدة القنوات التي تدعو وتحث على حب الوطن، وزرع التلاحم بين أفراده، عقد المؤتمرات بين أفراد المجتمع لتثقيفهم بخطر العصبية، وما تدعو إليه من تفرقة، وتفعيل دور علماء الدين والمفكرين والأدباء والشعراء في رد كل دعوة تدعو إلى تفتيت كيان الأمة، انطلاقا من أن قوة أي مجتمع من المجتمعات تكمن في تماسك وترابط أبنائه، وقوة العلاقات بينهم، فأن تكون مواطنا يعني أن تكون مرتبطا اجتماعيا بتراثك وتاريخك وثقافتك ووطنك، وأي مجتمع غني بالمواطنة هو قوي في تضامنه يتعهد فيه المواطنون برعاية مؤسساتهم وقيمهم وأخلاقهم التي يقوم بل يتميز بها مجتمعهم، وتلك هي المواطنة الحقة.