العلماء حذروا من خطرها وشرحوا وسائل مواجهتها (2)

تقرير خاص بجريدة الجزيرة

العلماء حذروا من خطرها وشرحوا وسائل مواجهتها (2-3)
تزايد النعرات القبلية.. من المسابقات التراثية إلى الفضائيات


القبيلة هي إحدى وحدات المجتمع، لكنها ليست كل المجتمع، ولا يجب أن يتعارض الانتماء لها مع الانتماء للوطن أو الأخوة الإسلامية، إلا أن تعالي النعرات القبلية في الآونة الأخيرة، وتعدد مظاهر التفاخر بالقبيلة، يمثل ردة لعصور الجاهلية، وهي ردة فكرية وعقدية تتطلب الإسراع في مواجهتها، وبيان عوارها، وخطرها على وحدة المجتمع، ومكتسباته الحضارية.

وفي الحلقة السابقة رصدنا بعض مظاهر هذه النعرات القبلية، وعرضنا لآراء العلماء والتربويين والأكاديميين في تحليل أسبابها، ودوافع ظهورها، وآثارها السلبية بالنسبة للفرد والمجتمع.. ونواصل في هذه الحلقة عرض جوانب أخرى لهذه الظاهرة المقيتة، وأخطارها، ووسائل علاجها.

•     •     •     •     •


إضرام العصبيات

بداية يقول فضيلة الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس إمام وخطيب المسجد الحرام: إنه من الحقائق التي غنيت عن التمهيد، واستعلت عن التأصيل والتحرير، كون شريعتنا الفيحاء عمدت في مقاصدها وأخبارها، وبديع حكمها، ولطيف أسرارها، إلى تهذيب النفوس، وتزكيتها، والسمو بها، وترقيتها، وما ذاك إلا لتحقق من كرم تقواها نبل غاياتها، وأرجاها، واقواها، وإن من أعظم القضايا التي أقامت الشريعة منها سمتاً فغادرتها لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، قضية التماجد بالأنساب، والفخر بالأحساب، والتنابز بالألقاب، والتمدح بالقبيلة والعشيرة، والإعجاب والاستطالة بالعرق والأطناب، حيث جاءت مكارم الإسلام وأخلاق أعظم شرعة للأنام، لتقويمها وتسديدها وتهذيبها.. يقول الحق تبارك وتعالى معرضاً بأهل العجب والغرور: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}.

ويقول سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}.

وما ورد هذا النهي المعدد والتأكيد المردد إلا للتطهر من ذاك الخلق الوبيء، والسلوك الدنيء، الذي لا ينزع بصاحبه إلا عن حزازات بدائية سمجة، وأهواء جاهلية لججة، وعصبيات جغرافية عرجة، وطوية نزقة حرجة، وما ذاك إلا لأن إضرام تلك العصبيات، وتأريث تلك المعرات والعنصريات والنعرات سهم يجعل الجمع النظيم أشتاتاً متنافرة، والأمة المتراصة طرائق متناثرة ومتناهرة، والصفوف المعتصمة أباديد منكوثة قد غشاها الوهم وجفاها الحجا والفهم، وتلك غاية العدو منا، ومطمحه فينا.

وأضاف الشيخ السديس: ومنذ أن تنزل الامتياز المبين في قول الحق القوي المتين: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، استمدت العظمة والعزة من الكتاب، والقوة والشرف من العقيدة، والكرامة والحسب من الإيمان، والفضل والزكاة من هدي سيد الأنبياء عليه السلام، ومع انتشار العلم وشيوعه انحصر خلق العصبية الذميم، وتقلص، ولكن كثيراً من النفوس لم تتخلص منه، لذا نجمت من جديد أدغاله وسرت أذحاله، عبر قنوات مناطقية ودعوات نشاز عرقية، استهزتها الحمية القبلية، والعصبية الجهوية، لتجوس بمنهجها البتار بالتفرقة والتقويض خلال الديار، مطيتها سباقات ومنافسات ذمت بين أبناء الوطن العتيد الواحد الضغائن والتحاسد، وشدت شطرهم حبل التحاقد حتى بلغ الأمر الغرور، والاعتداد، والصلف، والتشامخ بمظاهر الامتياز، والفضل الذي لم تعتبره الشريعة إلا في ميدان الإحسان، والصالحات، والطاعات، والقربات يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين أو عمل صالح)، وليس بخاف على عاقل أن تلك النقائض والتجاوزات اتجاه معاكس لسفينة المجتمع الماخرة، وطعنة نجلاء في وحدة الأمة، وشرخ مريع في مسيك شملها البديع، ومعول خطير في صرح الوحدة، وفيروس وبائي طرير يطعن في الوحدة، وجراثيم قاتلة تشعل فتيل الصراعات، وتجلب الفرقة، والنزاعات، وتذكي الضغائن والأحقاد والحزازات، في الوقت الذي يتربص فيه الأعداء بالأمة من كل حدب وصوب، فما حلت هذه النعرات الجاهلية في ديار إلا فرقتها، ولا في مجتمعات إلا مزقتها وجعلتها ممزعة مشتتة الجناب، لا سيما وأنها تنقل للعالم بأسره.

وناشد د. السديس القائمين على تلك القنوات أن تعزز الوحدة الراسخة الآلفة، وحمايتها من مزالق العصبية، لما في ذلك من المصالح الكبرى للأمة، وانتظام أمور الملة، يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية)، وأن يلتف الجميع حول الوشيجة الدينية التي لا تشاد ولا ترسوا ولا تستقر إلا على أصول الوحدة الإسلامية، مشيداً فضيلته بالتنافس المحمود دون تعصب أو ازدراء الآخرين والتسابق في ميادين الخير والإصلاح، تحت مظلة مأمونة، فقال: نعم للتنافس الشريف والتسابق المحمود، والإنجاز الرائع والإبداع المتألق، نعم ذلك، ولكن دون تعصب أعمى أو تجريح للآخرين، وازدراء لهم، ونماذجه الرائدة المشاريع الخيرية والمجالات العلمية والاجتماعية والإصلاحية، كإصلاح ذات البين، وقضاء الدين، ونبذ وحل الصدور، وإرخاص المهور، وتزويج الأوانس اللاتي غدين عوانس، تحقيقاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.


نعرات جاهلية

من جانبه أكد الأستاذ الدكتور سليمان بن صالح القرعاوي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فيصل بالأحساء أن الإسلام دين المساواة، دين العدالة، دين لا يفضل فيه أحد على آخر إلا بالعمل الصالح والتقوى، دين لا يميز جنساً من الأجناس، وطبقة من الطبقات، أو سلالة من السلالات، دين يدعو إلى المساواة بين الأفراد، وقد أرسل المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعاً من غير تفرقة بينهم قال جل شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ}.

وقد روى مسلم في صحيحه أن أبا ذر رضي الله عنه قال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية)، وقد نادى الإسلام بحق المساواة بين الناس، لأنهم مخلوقون من أصل واحد قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، فقال: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)، وقال صلى الله عليه وسلم عن الصعبية الجاهلية: (دعوها فإنها منتنة)، ومن منطلق المساواة بين الناس انتشر الإسلام حتى وصل إلى أصقاع المعمورة.

وأضاف د. القرعاوي: وما نراه اليوم من النعرات الجاهلية من التداعي والتباهي سواء أكانت قبلية أم إقليمية هناك من يؤجج نارها، وهم ضعفاء الإيمان من المسلمين الذين لا يزالون يعيشون تحت ربقة التنادي والمفاخرة بأمجاد الماضي، وقد حذرنا الإسلام منهم ومن أمثالهم وأمرنا بعدم الاستماع إليهم، لما يشكله ذلك من التناحر والتفريق في الصف الإسلامي وبالتالي يؤدي ذلك إلى القطيعة.

ومما لا شك فيه أن هناك من الناس من ينتمي إلى الإسلام ويعتبره دينه، غير أن الإسلام منه براء، كما يحصل الآن في بعض الدول من ينادي بالقومية والفرعونية، والآشورية والفارسية، وهذا مما يمزق أوصال الإسلام، ويجعله دين قائم على التفرقة والعنصرية، وأسباب عودة مثل هذه النعرات كثيرة لعل من أبرزها:

- حب التفاخر والتباهي بالانتماء إلى القبيلة الفلانية، مما يكسبه بعداً عن الدين.
- عمل أعداء الإسلام على إيقاظ هذه النعرات، وإحياء القوميات لتفكيك وحدة المسلمين وتقويض بنائهم.
 - ما تثيره المجالس القائمة على القبلية من زهو وفخر، قد لا يصل إلى مرتبة الزهو والفخر بالانتماء إلى الإسلام.
- ضعف الوازع الديني لدى البعض ممن يثير مثل هذه النعرات الجاهلية، وعدم الفهم لروح الدين، وأن الدين هو السلوك الحسن والخلق القويم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى تمزق أواصر الأخوة الإيمانية التي نادى الإسلام بها بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌَ}.

كما تقرر في فعله صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخواناً) فالإخوة الإنسانية والإخوة في الدين يعبر عنها في الجمع بلفظ (إخوان) وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وكان ذلك مبدأ الإخاء بين المسلمين.

ومما يؤسف له أننا في عصرنا الحاضر نلمس تفريقاً بين الزملاء في الدائرة الواحدة، مبنياً على أساس المنطقة أو الإقليم، ومثل هذا التفريق يمتد ليشمل المعاهد والجامعات، مما يفقدها الرسالة التي أنشئت من أجلها، ويخلق بين أبنائها العداوة والبغضاء.


العلاج لدى المساجد

وعن مسؤولية العلماء والدعاة في التصدي لمثل هذه النعرات والآليات، يقول د. القرعاوي: المسؤولية جسيمة وكبيرة على العلماء والدعاة في بيان عظم الأخوة بين المسلمين، وأن الله ساوى بينهم، من غير تفريق، ولعظم هذه الأهمية نلحظ وقوفهم في الصلاة أمام ربهم من غير تمييز بينهم، ولبسهم غير المخيط في الحج بلون واحد للرجال من غير مفاضلة فيما بينهم، ولابد من وقوف العلماء والدعاة سداً منيعاً أمام هذه النعرات المقيتة، وما تسببه من تفريق وتكتل بين الناس أحزاباً وجماعات، كذلك ما تشكله من تحقيق مآرب أعداء الإسلام والمسلمين، لكيلا يكون لهم شوكة وقوة، ولذا فإن التصدي لمثل ذلك ينبغي علاجه عن طريق المساجد في خطبة الجمعة، لجسر الهوة بين هذه النعرات التي انتقلت من العصبية القبلية لتصبح عصبية إقليمية أو بلدية، والاستفادة من جميع وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في هذا الاتجاه، ولا نغفل أهمية الزيارات التي يقوم بها العلماء والدعاة للمجالس وقصور الأفراح في المناسبات لمناقشة مخاطر هذه النعرات ومخالفتها لتعاليم الإسلام.

ويمكن نشر وطباعة كتيبات ومطويات توزع بين الناس، يبين فيها أثر هذه النعرات في خلق جو من التشاحن والبغضاء، ومجافاتها لتعاليم الدين، فهو دين المحبة والمساواة، وكذلك إصدار الصحف والمجلات الدعوية التي تثقف الناس، وتوضح لهم أمور دينهم، وتغرس فيهم التسامح والتآخي والتآلف، ويحسن في هذه المقام أن نورد ما ذكره العالم المفسر محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في تفسيره القيم: (تفسير التحرير والتنوير): عند معرض تفسيره لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.. إذ يقول: والتعارف يحصل طبقة بعد طبقة متدرجاً إلى الأعلى؛ فالعائلة الواحدة متعارفون، والعشيرة متعارفون من عائلات إذ لا يخلون عن انتساب ومصاهرة، وهكذا تتعارف العشائر مع البطون والبطون مع العمائر، والقبائل مع الشعوب، لأن كل درجة تأتلف من مجمع الدرجات التي دونها.

فكان هذا التقسيم الذي ألهمهم الله إياه نظاماً محكماً لربط أواصرهم دون مشقة ولا تعذر، فإن تسهيل حصول العمل بين عدد واسع الانتشار يكون بتجزئة تحصيله بين العدد القليل، ثم بينه وبين طوائف من ذلك العدد القليل، ثم بينه وبين جماعات أكثر، وهكذا حتى يعم أمة أو يعم الناس كلهم، وما انتشرت الحضارات بين البشر إلا بهذا الناموس الحكيم، وقد جبر الله صدع العرب بالإسلام، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}، فردهم إلى الفطرة السليمة.

وأمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونوا إخوة وأن يصلحوا بين الطوائف المتقاتلة ونهاهم عما يثلم الأخوة، وما يعين على نورها في نفوسهم من السخرية واللمز والتنابز، والظن السوء والتجسس والغيبة، وذكرهم بأصل الأخوة في الأنساب التي أكدتها أخوة الإسلام، ووحدة الاعتقاد ليكون ذلك التذكير عوناً على تبصرهم في حالهم ولما كانت السخرية واللمز والتنابز مما يحمل عليه التنافس بين الأفراد والقبائل جمع الله ذلك كله في هذه الموعظة الحكيمة التي تدل على النداء عليهم بأنهم عمدوا إلى هذا التشعيب الذي وضعته الحكمة الإلهية، فاستعملوه في فاسد لوازمه، وأهملوا صالح ما جعل له بقوله (لِتَعَارَفُوا) ثم اتبعه بقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، أي: فإن تنافسم في التقوى كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.


خطر التعصب

من ناحية أخرى، يستعرض الدكتور عبدالرزاق بن حمود الزهراني أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، تاريخ ظهور وخفوت النعرات القبلية، فيقول: القبيلة والقبلية وجدت منذ العصر الجاهلي، وعندما جاء الإسلام لم يقض عليها، وإنما هذبها، وأعاد توجييها لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فحارب الإسلام العنصرية والعصبية وآخى بين المسلمين بغض النظر عن ألوانهم وأحسابهم وأنسابهم، واسخدمت القبلية في الحروب في الفتوح الإسلامية، فأسند إلى كل قبيلة جهة معينة من جهات المعركة، وهذا أدى إلى أن كل قبيلة كانت تبذل قصارى جهدها، وتحاول ألا تقل شأناً عن غيرها من القبائل، وظلت القبلية سائدة في الجزيرة العربية قروناً طويلة، وبعض القبائل احتفظت باسمها القديم، مثل: هذيل وقريش وذبيان، وبعضها تغير اسمها القديم إلى اسم جديد، مثل هوازن التي أصبحت عتيبة، ودوس التي أصبحت زهران، وبجيلة التي أصبحت بني مالك، والقبلية إذا وجهت وجهة صحيحة كانت مفيدة للمجتمع في كثير من الجوانب مثل: الترابط، والتكافل، والضبط الاجتماعي، والتنافس في الخيرات، والإيجابيات، والقيم الرفيعة.

ويضيف الدكتور الزهراني: ولا أعتقد أن القبلية في مجتمعنا وصلت إلى مرحلة مقلقة، فرجال القبائل في معظمهم يحترمون القبائل الأخرى، ويفخرون بقبائلهم، والقبلية تصبح سلبية إذا خرجت إلى المفاخرة، وإلى الانتقاص من القبائل الأخرى، وإلى أخذ حقوق الآخرين باسم القبيلة، وعكس ما يعتقد الكثيرون، أعتقد أن احتفالات مزاين الإبل لا تثير النعرات القبلية إلا عند قلة قليلة لا يؤبه لها، وفقد لاحظنا أن الاحترام متبادل بين القبائل، وأن المشاركات تتم من قبائل أخرى سواء بالإبل، أو من قبل الشعراء والمتحدثين، بل إن تلك الاحتفالات تؤدي وظائف اجتماعية مختلفة مثل العناية بالإبل، تلك الكائنات التي كانت الحياة تتمركز حولها، وكان لها فضل كبير على المجتمع، ويجب أن يُعتنى بها، وبالنخل بصفة خاصة، ومن الوظائف الاجتماعية لاحتفالات مزاين الإبل ما يتم فيها من تفاعل اجتماعي ومحاضرات وندوات ولقاءات تعارف، وإذا كان لها سلبية فإنها أحياناً تكون في العصبية بين فروع القبيلة الواحدة، وهو أمر لم يظهر على السطح فيما أعلم إلا في حالات نادرة جداً، وأعتقد أن خطر التعصب للأندية الرياضية، وفرق كرة القدم أكثر من خطر القبيلة والقبلية، فكم من صدامات وصراعات وعمليات عبثية، وتوترات أسرية، ومشاحنات في العمل تمت باسم الكرة، ونادراً ما يتم ذلك باسم القبيلة.

ومن ناحية أخرى، انتشرت القنوات الفضائية الشعبية، وقد لوحظ أن بعض الشعراء يعزف على موضوع القبيلة من حيث الفخر، والهجاء لقبيلة الشاعر المقابل، وهو أمر يجب محاربته، وهو ليس حديثاً، فكثيراً ما كنا نسمع مثل ذلك في حفلات الزواج التي يجتمع فيها شعراء البادية قبل أن تأتي القنوات الفضائية، فالقبيلة تصبح خطيرة إذا أدت إلى ضياع حقوق الآخرين في الوظائف، وفي الفرص الاقتصادية وإذا أدت إلى الانتقاص من القبائل الأخرى، وربما تصبح القبلية خطراً إذا ضعفت سلطة الدولة، وهو أمر غير موجود في المملكة العربية السعودية؛ فالدولة تمسك بجميع الخيوط وسلطة شيوخ القبائل أصبحت في معظمها شرفية، ولكن - لا سمح الله- لو ضعفت سلطة الدولة، فإن دور القبيلة يمكن أن يفعل بيسر وسهولة، ويصبح خطراً على الجميع.


إلغاء اسم القبيلة!

وعن دوافع تعالي الأصوات القبلية في الآونة الأخيرة، قال د. الزهراني: يشبه بعض المحللين القبيلة بالنادي الرياضي، أو بالحزب السياسي، فمن ينتمي إلى أحدهما فإنه يبذل جهده في النصرة والتعصب والتعاطف، والبعض ينظر إلى القنوات الفضائية الشعبية، والإعلام الشعبي المقروء، واحتفالات مزاين الإبل على أنها دوافع اجتماعية للتعصب القبلي، وأنا لا أتفق مع ذلك إلا في بعض حالات نادرة الحدوث.

أما الآثار السلبية المرتبطة بهذه النعرات إذا تضخمت وخرجت عن نطاقها - وهو أمر لم نصل إليه في المملكة وإن شاء الله لن نصل إليه - فإنها تصبح خطراً على الأمن، وعلى حياة المجتمع، وخصوصاً أن بعض القبائل لازالت تذكر ثاراتها عند بعض القبائل الأخرى، وسوف تسفك الدماء، وتنتهك الحرمات باسم القبيلة، كما كان الوضع قبل توحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله وجزاه على ما فعل خير الجزاء.. لكن الوقائع تشير إلى أن الانتماءات الجهوية أكثر فاعلية وأخطر على المجتمع من الانتماءات القبلية.

ويعرب د. الزهراني عن تمنياته أن يلغى اسم القبيلة من آخر اسم الشخص، ويبقى فقط في السجلات الرسمية لاستخدامه عند الحاجة، فيقول: كم من إنسان أخذ حقاً ليس له أو ضاع حقه، لا لشيء إلا لوجود اسم القبيلة في نهاية اسمه وهذا في تصوري من أكبر سلبيات الجانب القبلي في مجتمعنا.

إن الحياة المعاصرة يجب أن تصهر الناس في بوتقة الوطن، ويجب ألا يشعر الشخص بفقد أي حق من حقوقه بسبب انتمائه القبلي أو الجهوي، وبخاصة أن الكثيرين ممن ينتمون للقبائل ولدوا وعاشوا في المدن الكبرى ولا يعرفون من القبيلة إلا اسمها، وعلاقاتهم مع فئات المجتمع المختلفة علاقات ترتكز على الزمالة والعمل والجوار، أكثر من ارتكازها على القبيلة.