قلة فقه ومرضى (عدم الثقة بالنفس) وفضائيات تتاجر (3)

تقرير خاص بجريدة الجزيرة

قلة فقه ومرضى (عدم الثقة بالنفس) وفضائيات تتاجر (3-3)

العصبية القبلية.. بين التماسك الأسري والنعرات الجاهلية


استطاع الإسلام منذ انطلقت دعوته الأولى أن يخلص المسلمين من كثير من أمراض الجاهلية، وفي مقدمتها النعرات القبلية، والتمييز العنصري، ويقر قواعد المفاضلة الإيمانية على أساس من التقوى، والعمل الصالح، والعطاء في خدمة الدعوة والمجتمع الإسلامي.

واستمر ذلك في عهد الخلافة الراشدة لتترسخ مفاهيم العدل والمساواة من خلال ممارسات عملية تقف أمامها أحدث الأنظمة الوضعية قاصرة مندهشة من نجاحها في تحقيق اخوة إيمانية فريدة، ووحدة اجتماعية صلبة يذوب فيها الفرد في الجماعة والقبيلة في الأمة، إلا أن البعض ممن جهلوا هذه الحقائق، لا يزالون يتشبثون ببعض هذه الأمراض الجاهلية، ويزكون النعرات القبلية، ويتفاخرون بالأنساب والألقاب، فهذا قبيلي وهذا خضيري، وربما انشغلوا بذلك عن دورهم في خدمة وطنهم فكانوا حجر عثرة في طريق تقدمه، ومعول هدم يهدد سلامة البناء الاجتماعي، ووحدة المجتمع.

وقد تطرقنا لرأي العلماء، والقضاة، والتربويين في دوافع تزايد هذه النعرات ومخاطرها، ووسائل علاجها.. وفي هذه الحلقة نواصل عرض مظاهر هذه النعرات وكيفية مواجهتها.

قبيلي وخضيري

بداية يقول د. عائض بن عبدالله القرني الداعية المعروف: يجب أن نعترف بأن بعض أبناء مجتمعنا لا يزال يتمسك بنافايات العصبية القبلية، وقد انتشرت في الآونة الأخيرة مقولة (قبيلي وخضيري) وهي من مخلفات الجاهلية التي جاء الإسلام فكسر أصنامها، ومرغ أنوف أصحابها بفأس {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، والفاشل في الحياة هو الذي يتعلق بعظام الأموات، فيفتخر بالآباء والأجداد، والمحبط التافه هو الذي يتغنى بأمجاد ليست له، فالإسلام رفع أقواماً من كافة الألوان والشعوب والأسر، لأنهم اعتزوا بدينهم، وحققوا الفضيلة في حياتهم، وحملوا رسالتهم بصدق، وأدوا أمانتهم بإخلاص.

وتزخر صفحات التاريخ الإسلامي بنجوم وأبطال لا تُعرف قبائلهم، ولا عشائرهم، ولكنهم احتلوا مكان الصدارة والريادة بهمتهم، وطموحهم، وصلاحهم، وإبداعهم، ومن هؤلاء: بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وطارق بن زياد، وجوهر الصقلي، وأبي حنيفة، وألوف مؤلفة من أمثالهم وقف لهم التاريخ احتراماً، ووقع لهم الدهر براءة اختراع المكارم، والمثل العليا، والسيرة الحميدة... وحاول محمد بن عمرو بن العاص الأمير ابن الأمير في مصر أن يخرم قاعدة (الناس سواسية كأسنان المشط) لأن قبطياً سبق فرسه، فلطم محمد بن عمرو القبطي، وقال له: أتسبنقي وأنا ابن الأكرمين؟ فشكا القبطي إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه المظلمة، فاستدعى عمر أمير مصر عمرو بن العاص وابنه محمد إلى المدينة المنورة، وجمع الصحابة وأخذ درَّته، وقال: (والله لا يحول بيني وبينهما أحد)، فطرح محمد بن عمرو أرضاً، وبطحه، وجلده، وصاح في وجهه وفي وجه أبيه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراًَ؟).

ويستطرد الشيخ د. عائض القرني: لكن مما يؤسف له أن مجتمعنا اليوم يعاني بعض أبنائه من مرض يسمى (عدم الثقة بالنفس)، فتجد أمثال هؤلاء لنقصهم وتقصيرهم وخمولهم وفشلهم يبحثون عن مشجب يعلقون عليه هزائمهم واخفاقاتهم، فيلمزون هذا في نسبه، ويغمزون هذا في عرضه، ويهمزون ذا في أخلاقه، وقد شكا إليَّ ذات مرة شاب جامعي اضطهاد زملائه له في الفصل بأنه (خضيري) وعيناه تترقرقان بالدموع، لأن هؤلاء الطلبة الفاشلين لما أقفرت قلوبهم من القيم، وجفت أرواحهم من المروءة، أرادوا أن يخرقوا سفينة الإخاء والحبة التي أتى بها الإسلام، ولأمثال هؤلاء، ولكل أحمق بليد يفرق بين أبناء المجتمع الواحد على حسب أصولهم وأنسابهم، نقول: اخرسوا أيها الجبناء، فإنكم بذلك تخالفون الشرع، والعقل، وتسعون بالهدم والإفساد، ونقول كذلك لكل رعديد غبي يعير الناس بأنسابهم، أو يتعالى بنسبه على عباد الله، ويعيبهم بأحسابهم، لو أنك تحمل طيب المعدن، وأصالة المحتد لعرفت أن الإنسان بتقواه وبعلمه وبصلاحه وإبداعه، وليس بحسبه ونسبه، وأن أبا لهب الهاشمي القرشي لما حارب الله وكذب الرسالة ورفض الحق، عاد بالخيبة والندامة، وأصبح من الخاسرين، وأن بلال الحبشي لما أطاع ربه واتبع رسول صلى الله عليه وسلم وملأ قلبه بالنور صار رمزاً من رموز الفضل والخير والنبل والفلاح.

ويؤكد د. عائض القرني: إن مثيري النعرات الجاهلية، ومؤقدي نار العصبية القبلبية، لم يترك لهم الإسلام أن يلغوا في أعراض الناس كما يلغ الكلب في الإناء، بل حذرهم وأمثالهم من اللعب بالنار، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، ويقول سبحانه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، ولا شك أن المعادن الطيبة إذا كان لصاحبها عمل صالح، وإنتاج نافع، وهمة عالية، ومروءة سامقة، فذلك نور على نور، لكن ماذا نفعل بمن أصله طيب، وأسرته عريقة، ولكنه كذاب أشر، وخبيث متمرد، وأفاك أثيم، تجده لصاً أو مروجاً للمخدرات، أو محارباً للقيم، أو بخيلاً ذليلاً خاسئاً، أو تافهاً ناقصاً حقيراً.

ويتساءل الشيخ د. عائض القرني: ماذا يريد هؤلاء (الطراطير)؟ وهل يريدون أن يعيدوا الأمة إلى عهد (داحس والغبراء) وعصر عبس وذبيان أو إلى ملاعب الوثنية والتمييز العنصري في الولايات المتحدة قديماً، وجنوب أفريقيا؟

يجب أن يتعاون العقلاء والأسوياء لإفهام البلهاء أن ديننا الإسلام جاء فكرم الإنسان، وحفظ حقوقه، دون تمييز بين إنسان وآخر، على أساس من اللون أو العرق، بل وفق قاعدة واضحة وصريحة لا لبس فيها {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

دعوها فإنها منتنة

أما فضيلة الدكتور إبراهيم بن ناصر الحمود وكيل المعهد العالي للقضاء بالرياض فيقول: من خصائص شريعة الإسلام أنها صالحة لكل زمان ومكان، ولا شك أن الإسلام قضى على كافة النعرات الجاهلية القديمة، منذ أن شع نوره في مكة والمدينة، فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم نقلت الناس من جهالة جهلاء، وضلالة عمياء، إلى نور العلم والإيمان ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقد أتم الله علينا النعمة، وكشف الغمة، وهدى به الأمة إلى الصراط المستقيم إلى يومنا هذا، وما نراه اليوم من ظهور لبعض العادات الجاهلية الأولى لا شك أنه ناتج عن ضعف الإيمان، وتجاهل أحكام الإسلام، وطغيان المادة، فإن التفاخر بالأنساب، وظهور العصبية القبلية من عادات الجاهلية التي حاربها الإسلام، وقال فيها عليه السلام: (دعوها فإنها منتنة).

ويضيف د. الحمود: ومن أهم الأسباب التي ساعدت على ظهور هذه النعرات الجاهلية قلة الفقه في الدين، والبعد عن سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ووجود عوامل في المجتمع ساعدت على ذلك، من أهمها ضعف الجانب الدعوي والاستسلام لتلك العادات، وعدم الانكار عن أصحاب الحل في القبيلة، بل منهم من يؤيد هذه الظاهرة، ويعمل على تثبيتها جهلاً منه، أو تجاهلا بعواقبها الوخيمة، حتى وصل الأمر في بعض القبائل إلى التنافس، وبذل الغالي والنفيس في سبيل حصوله على المركز الأول في الحسب والنسب، ومما يزيد الطين بلة أن من ابتلي بهذا المرض القبلي الخطير ينظر إلى من دونه نظرة دونية، مليئة بالسخرية والاشمئزاز، ولا يخفى ما تتركه هذه العادات الجاهلية من سلبيات في المجتمع حين تدب العداوة بين القبائل بسبب هذا التفاخر البغيض، فإن هؤلاء من سيد البشر عليه السلام الذي هو أشرف الخلق وسيد المرسلين، وهو يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيس ابن مريم فإنما أنا عبدالله ورسوله).

ويشير الدكتور الحمود إلى مسؤولية العلماء والدعاة في التصدي لهذه العادات، فهم المعنيون بحمل لواء الدعوة، وإنكار المنكر بشتى الوسائل الممكنة، لا سيما أن وسائل الدعوة في عصرنا متعددة، فلا يعذر أحد منهم بترك مواجهة هذه النعرات، ومعالجتها بالحكمة والموعظة الحسنة، عن طريق الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، وعلى المنابر في خطب الجمعة، بل يجب على المؤسسات العلمية أن تتبنى عقد ندوات علمية لبيان خطر هذه العادات الجاهلية، والإشادة بقيم الإسلام وتعاليمه السمحة، كما أنه يجب على الجهات الرسمية أن تعمل على الحد من انتشار هذه النعرات بين القبائل، بكافة السبل المعينة عليها، ومحاسبة من يعمل لاشعال فتيلها قبل أن يستشري شرها، ويعم خطرها، فكلنا لآدم وآدم من تراب، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

أسباب التعصب

أما الدكتورة جوهرة بنت صالح الصقر الأستاذة بقسم التربية وعلم النفس بكلية التربية بالأحساء فتقول: حينما نتتبع تعاليم الإسلام وأركانه نجد أنه دائماً ما تتمثل فيها أروع صور المساواة فنجد في الحج الكل بلباس واحد غنيهم وفقيره، رئيسهم ومرؤوسهم، كبيرهم وصغيرهم، أسودهم وأبيضهم، من جميع البلدان والأقطار يقفون على صعيد واحد يدعون رباً واحداً، وفي الصلاة نجد الكل يقف في صف واحد، ويأتمون بإمام واحد في وقت واحد، وعندما هاجر الرسول عليه السلام إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار لدرجة أن أحدهم كان يقتسم المال مع أخيه والدار، وحتى الزوجة حينما تكون له زوجتان، وهذه الاخوة الإسلامية التي نشأت بين أبناء المجتمع الإسلامي، كانت داعمة من دعامات البناء، وظلت الأمة الإسلامية بخير إلى أن تشتت شملها، ودب في الأمة الضعف، وظهر الكثير من العادات التي كانت قد اندثرت واختفت، ومنها التعصب القبلي.

وتضيف د. جوهرة الصقر: ولعل من أهم أسباب التعصب القبلي في المجتمع تدني الفكر المعرفي، وضعف الوازع الديني بسبب الابتعاد عن تعاليم الدين الحنيف، وهدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والانغلاق والتقوقع على الذات، والعيش على صدى الأزمان الماضية، بالاضافة إلى ذلك انتشارها عبر الفضائيات ببرامج ومسابقات ورسائل ومباريات وغيرها كثير مما يغذي هذا الاتجاه.. وهذا التعصب الممقوت الذي بدأ ينتشر مؤخراً في مجتمعنا لا لشيء إلا لإذكاء روح الفتنة، فالمعروف أن المجتمع السعودي في الأساس مجتمع قبلي، ولكن بعد نشوء الحكم السعودي - ولله الحمد - وتوحيد المملكة ولم شتات شملها، أصبح الجميع يداً واحداً تجمع بنيهم روح الاخوة، ونسوا وتناسوا تلك النعرات القبلية، فأصبح جل اهتمامهم الوطن والارتقاء بالوطن، ولكن للأسف الشديد الكثير ممن يكيد لهذا الوطن الغالي ويحسده على تماسك وتلاحم وترابط أبنائه مع قادتهم، والذين يكيدون لهذا الوطن يحاولون النيل والمساس من أمن ووحدة وتماسك هذا الوطن بإذكاء تلك النعرات.. ومن المعلوم أن الانفتاح العالي الفكري والثقافي في المجتمع كانت له آثاره على هذا الوطن، شأنه شأن أي مجتمع تتسارع عجلات ركب الحضارة فيه، فلابد أن يبرز الكثير من الايجابيات والسلبيات في المجتمع من جراء ذلك، وهذا يحتم على الغيوريين على هذا البلد أن يأدوا الفتنة في بدايتها وألا يتركوها تنخر في جسم الوطن حتى تصيبه وتقتله.

إثارة النعرات

وتستطرد د. الصقر: إن ظهور التعصب القبلي له ما يغذيه في مجتمعنا، وهناك من يحرص على إذكاء هذه النعرات عبر وسائل الإعلام، ويؤكد ذلك انتشار الكثير من البرامج في الكثير من الفضائيات التي تغذي هذا الاتجاه، ويكون فيها التفاخر بالأنساب وبالقبائل، كذلك المباريات سواء كانت رياضية أو مساجلات شعرية، أيضا بعض المهرجانات التي تكون في الأساس المقصد منها إحياء تراث ما، وتكون بجهود فردية دون أي ضوابط لأنه يفترض فيها حسن النية، والمقصد الخالي من أي تعصب لشيء ما ولكن للأسف تلك المهرجانات أخذت منحى آخر مما أدى إلى أن البعض صار يتفاخر بأصله وحسبه ونسبه وبقبيلته، وبما تملك، كذلك نجد صورا بسيطة للتعصب من حيث تعصب الأب لأفراد أسرته، أو الأم كذلك، كذلك مناسبات الأفراح وغلاء المهور، والتفاخر فيها مما جعل الكثير من الفتيات عانسات، والسبب عدم وجود من يخطبهن، ومن مظاهر هذه النعرات أيضا تحجير البنت لولد عمها، حتى لا تخرج عن قبيلتها حتى لو كانت القبيلة لا توجد لديها أولاد في سن الفتاة، تظل الفتاة ولا تتزوج مما يسبب الكثير من المشاكل للفتاة وأهلها، كذلك رأينا تعصب البعض في انتخابات البلدية، حيث كانوا يركزون في الترشيح على من ينتمي لهم دون الآخر، وغير ذلك الكثير.

ولا شك أن من أعظم الشرور، وأكبر الأخطار على هذه الأمة إحياء نعرة القبلية لذا يلزم أن يقضى تماما على أي طريق موصل، أو حال يؤسس أو منهج يهيئ كائنا من كان صاحبه أو مورده لهذه النعرات، فالسكوت خطر، وما يمكن علاجه الآن لا يمكن حله غداً، والنعرة والعصبية القبلية هددت في يوم ما وحدة يثرب، وكادت لولا تدخل خير خلق الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أن تنسف وتفجر وتحرف وتهلك الحرث والنسل، فهي عدو للإسلام والمحبة والوحدة والوئام والرابط الاجتماعي والنسيج المباشر للحمة الأمة.

وحذرت د. جوهرة الصقر من التعاون أو التردد أو التأويل أو انتظار نتائج التحليل أو حسن النوايا، في علاج هذه الظاهرة، وعلى الجميع العودة الى المنبع الأصيل منبع الهدى المحمدي في كل شيء، والالتفاف حول القيادة الحكيمة والتعاون معها في الحفاظ على كيان هذا الوطن الغالي العزيز على قلوبنا، كذلك على الجميع نصرة اخوانهم وإعانة المعسرين منهم، والضعفاء، والمحتاجين حتى يكون الوطن لحمة واحدة لا يستطيع أحد أياً كان التأثير عليهم أو تشتيت وحدتهم.