لا عصبية قبلية في ظل دولة الإسلام

خالد بن حمدي الحربي
أجرت جريدة "الرياض" ابتداءً من العدد (14342) الصادر ليوم الأحد 18رمضان 1428هـ، تحقيقاً غاية في الأهمية وعلى درجة عالية من الحساسية. وقد جاء معنوناً كما يلي: (التعصب القبلي وتأثيره على وحدتنا الاجتماعية).

وورد بهذا التحقيق بعض الجمل والمصطلحات التي جاءت على النحو الآتي: ظاهرة خطيرة 
- توجيه المجتمع من مخاطر تلك الظاهرة - تهديد وحدة المجتمع - حالة تنفيس قاسية - عرقية - عنصريات.. إلخ.

وحدة عقيدة - وحدة وطن - البعض الذين يشعرون بالخوف - الانفتاح الإعلامي 
- التطورات المتسارعة - من هو المستفيد من العنصرية.. إلخ.

وبين هذه الجمل المتناثرة أقف وقلبي وجل لأسأل نفسي هل من المعقول أن تعود العصبية القبلية الجاهلية بعد أن تحطمت قبل عدة قرون تحت قدم رسول الهدى عليه السلام أثناء نشوء دولة الإسلام التي نحن امتداد لها. وهل من المعقول أن يتحول فكر أفراد القبيلة بكل هذه السهولة بعد ما شربوا جيلاً بعد جيل من منهل وينابيع شريعة سحقت جميع القيم الفاسدة والمنحطة وشجعت على بقاء القيم النبيلة "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام" أو كما قال عليه السلام. وكيف تعامل صلى الله عليه وسلم مع سفانة بنت حاتم الطائي وقومها تقديراً لمكارم أخلاق والدها الذي مات على جاهلية. وكيف وضع عليه السلام مبادئ الاخوة في الله "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية" أو كما قال عليه السلام.

قال تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم) الله سبحانه وتعالى قال لتعارفوا وجعل الأفضلية للتقوى (اتقاكم) وهذا يعطي قاعدة أساسية جمعت كل المسلمين عرباً وعجماً تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المتتبع للتاريخ وللحراك الاجتماعي يرى أن هناك الآن مسميات طغت على السطح ما أنزل الله بها من سلطان. قد يكون للرفه الاقتصادي دور فيها حيث انه عندما كان الناس في حاجة لبعض لم يكن بينهم ما يكدر صفو حياتهم لأنهم يعرفون قيمة الكلمة وأثرها على النفس البشرية ولم يكونوا يطلقونها كيفما شاؤوا بل كان يمنعهم الضابط الشرعي مع وجود القيم الاجتماعية الصحيحة ولكي أؤكد ذلك فإنني أضرب مثلاً على نفسي. وكثيراً هم على شاكلتي (امرأة أمه ترضعني بعد ما جفت اثداء والدتي من الحليب فقط للجيرة وللنخوة والشهامة وتصبح بعد ذلك أماً لي من الرضاعة وهي لا تنتمي إلى قبيلتي. صديق عمري، زميل دراستي، ابن حارتي، زميل عملي، الرجل الذي اسدى إلي معروف لن أنساه ما حييت) كل هؤلاء لا ينتمون إلى قبيلتي وبيني وبينهم محبة متبادلة لم استطع بناءها مع بعض المقربين من هم هؤلاء أليس هم المجتمع والوطن أم أنهم سادوا فيما مضى وبادوا اليوم.

وقد يسأل ما الذي يحدث في المجتمع وما هي مسبباته لأقول: أفراد القبيلة وهم محور هذا المقال تأثروا وأثروا اليوم بالمتغيرات التي تجري حولهم واندمجوا اندماجاً كاملاً مع مجتمعهم وأصبح واحدهم له شخصيته الوطنية المستقلة والمرتبطة مباشرة بالوطن ولم تعد القبيلة وعاء يقبل السيئ والدليل على ذلك موقفها النبيل من الأزمات التي مرت بها بلادنا وكذا ما قاله ولي الأمر حفظه الله عندما يستقبل أو يودع قبيلة ما "إن ابن قبيلتكم لا يمثل إلا نفسه" ولا يعني ممارسة فرد أو مجموعة لفعل ما أنهم تهديد لوحدة المجتمع والوطن عن طريق القبيلة أو أن تلك الممارسة أصبحت ظاهرة لكون الظاهرة لها ضوابط ومعطيات علمية لم ولن تصل لها تلك الممارسات التي تتم بحسن النية ولا يجب أن نعتبر إقامة مهرجان مزاين الإبل منبر دعوة للتفكك وإلا ماذا نقول لرجل زين "ذلولة" بالشعار الوطني أو لآخر صحب ابن حارته للتنزه في ذلك المهرجان. الخوف ليس من صاحب تلك الذلول الخوف من صاحب الفكر والقلم الذي رمى بنفسه في أحضان أصحاب القلوب المريضة بعدما مرت بلادنا بأوج الأزمات وهم الذين لم يشاركوا ببنس كلمة ولم نجد لصمتهم مبرراً حتى الآن وأكثرهم قد امتلأت بطونهم وجيوبهم من خيرات هذا الوطن.

ما وددت الوصول إليه هو أن الممارسة السلبية تحدث داخل المجتمع وتؤدي إلى فكر سلبي ومن ثم ولاة مواطن غير نافع أو العكس وراء ذلك مثيرات ودوافع تأتي من المجتمع نفسه (أصحاب القرار - الأب - المعلم - الفقيه - التاجر.. إلخ) فمن المثيرات ما يلي
:

-
 عدم تحمل كل مسؤول لمسؤوليته بالشكل الصحيح ورمي المسؤولية على ولاة الأمر وكأن ولي الأمر يملك عصا سحرية يعالج بها مشاكل المجتمع.

-
 على المشرعين للنظام أن يراعوا الظروف المحيطة بالمواطن قبل مطالبته بتنفيذ النظام.

-
 حدود الله يجب أن لا يتم التساهل في تنفيذها لأنها توجد فراغاً يترتب عليه مفسدة وكثرة قضايا السرقات والخطف والسطو أكبر دليل.

-
 التركيز على مكافحة الفكر المنحرف وترك أمور أخرى غاية في الأهمية.

-
 التفاف فئة إقليمية أو قبلية أو صاحبة مصلحة على قرار ما أوجد على الجانب الآخر مجموعة مشابهة تكافح من أجل البقاء والضحية المصلح العامة.

-
 وجود عصبية مادية أو فكرية وليس قبلية حلت محل الترابط الاجتماعي حيث يوجد جسور غير واضحة تقام على أكتاف الوطن وما حصل في سوق الأسهم إلا أكبر دليل وكذلك ما حل في المجتمع من قضايا أمنية سببها الإرهاب.

-
 وأد بعض القدرات الإدارية الناجحة وفتح باب للفاسدين والفاشلين ليفعلوا كيفما شاؤوا بالمنظمات الإدارية سواء في القطاع الحكومي أو الخاص والدليل على ذلك ما حل في الشركات الأهلية بعد ما استلمها ضعاف الذمم.

-
 يعتبر القضاء المنصة الآمنة للمجتمع وعندما يتخذ قرار خلع امرأة من بين أسرتها بسبب عدم تكافؤ النسب فسوف يكون هناك ردة فعل من المجتمع.

-
 الإعلام وما ينشره من أمور تثير المجتمع كنشر قصائد فيها مبالغة بالمدح أو مقالة لها أثر سلبي.

-
 نشر ثقافة حسن التعامل والخلق التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم واحلالها محل التوتر النفسي والانفعال الذي ساد المجتمع.

-
 لم يعد لكبير الأسرة أو رئيس قبيلة أو كبير السن أو العالم أو المصلح.. إلخ. قدر ومكانه مما اسقط بعض لبنات المجتمع، والنحل وخليته مثل يحتذى به.

-
 التربية والتعليم ماذا نقول لأستاذ يسأل أحد تلاميذه من أي القبائل أنت.

اباؤنا كانوا يأتون بجمل صداها في النفوس الى الآن وعندما تجتمع الاسرة نجد ان الاب او الجد عندما يأتي بسيرة المجتمع او ولي الامر يقول (الله يعزهم ولا يعز عليهم)، "هذولا يا ولدي لولا الله ثم هم ما عشنا بها النعمة" وهكذا تتوارد الجمل البسيطة بمفعولها السحري الذي يؤصل حب المجتمع وحب ولي الامر عكس اليوم حيث تجد الاب خصوصاً الذي كان له قرار ثم تقاعد يؤلب ابناءه ضد المجتمع وولاة الامر.

الوافدون الذين اصبحوا يشكلون خطراً على المجتمع اقتصادياً واجتماعياً و ثقافياً و عقائدياً و اخلاقياً لابد من ايجاد حل ناجع لهم وابعادهم عن البلاد.

المنزل - الوظيفة - الرعاية الصحية - التعليم - مرتكزات لابد من ايجادها والعمل لها وتفعيلها لكي تتوفر للمواطن.

عدم الثقة بالنفس التي حلت بالمجتمع وكأن بعضهم فقد عقله عندما يدفع ملايين الريالات ليلتحق بركب القبيلة بل بعضهم طلق زوجته بعد ذلك لعدم تكافؤ النسب وهذا الشيء يعطي القبيلة الزخم الذي يؤثر على لبنة المجتمع.

انتشار آفة المجتمع وسوسته التي تنخر به دون علمه وهم فئة اهل الغيبة والنميمة صانعو الشائعات الذين اصبحوا يتفنون بحبك المؤامرات ودس الدسائس بين الناس بعضهم ببعض مما حمل الانفس ما لا تطيق من كراهية وعداوة.

الفكر ثم الفكر هو المؤشر وبوصلته المجتمع ولو عدنا الى الوراء لوجدنا ان الفكر الشيطاني هو الذي اخرج سيدنا آدم عليه السلام من الجنة، قال تعالى (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه" الآية. وما حصل بين قابيل وهابيل فهو سببه الفكر قال تعالى (فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" الآية. وما مر به الانبياء والرسل عليهم السلام من مجابهة فكرية من اقوامهم ليؤكد مدى ارتباط الفكر بالشمس والنار والحجر الذي لا ينفع ولا يضر وما حادثة ابا رغال عندما دل ابرهة على الكعبة لهدمها عنا ببعيد حيث املا ذلك عليه صنم اهل الطائف. وكذا انصهار عاطفة الابوة مع الفكر ضد الابن وهذا ما حصل لسيدنا ابراهيم عليه السلام قال تعالى (واذ قال ابراهيم لابيه آزر اتخذ اصناماً آلهة إني اراك وقومك في ضلال مبين) الآية. وكذا اتحاد الفكر مع الابن ضد الاب مثل ما حصل لسيدنا نوح عليه السلام قال تعالى (قال يا نوح انه ليس من اهلك إنه عمل غير صالح) الآية.

لاصل انا واياكم السادة القراء الى بزوغ شمس دولة الإسلام الاولى على يد رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم هل هي جاءت بفعل مكانة القبيلة ام هي جاءت بفعل قوة الارتباط الفكري بين من سماهم عليه السلام بالانصار والمهاجرين وما الذي جعل سلمان الفارسي من عقر دار فارس يقول لبيك اللهم لبيك وكذا بلال بن رباح من عقر دار الحبشة ينادي الله اكبر وخباب ابن الارت صانع السيوف الذي تحول الى صانع القلوب ومغامرة عمار بن ياسر بنفسه واسرته وما حصل لزيد بن الحارثة رضوان الله على الجميع هل هؤلاء ينتمون الى قبائل ام هم شكلوا من انفسهم بأنفسهم نواة دولة الإسلام. وعندما تمنى الرسول عليه السلام احد العمرين هل للشجاعة فقط ام لارتباط الفكر بها وما حصل لقبيلة كاملة بسبب رئيسها الذي ادعى النبوة "مسيلمة الكذاب" وماذا حدث لقوة الفكر الإسلامي بحديقة الموت في اليمامة وما الذي جعل الحجاج بن يوسف الثقفي ان يكون سبباً من اسباب رسوخ الدولة الاموية لقبيلته دور في ذلك ام لقناعته وفكره مع الامويين.

خلاصة
: 
لكي نقطع خط الرجعة على اعداء هذا الوطن من خلال استغلالهم (حداثة السن والجهل وحالة النقم) التي قد توجد بالفرد المواطن فإنه يجب الاهتمام بتنميته ليكون اداة خير وعطاء ونماء عقلياً وجسمياً. ومن ثم القضاء على المسميات التي تضع كل فرد في خانة اجتماعية وقمقم لا يرى به الا نفسه او قبيلته او اسرته ليرى وطنه ومجتمعه فقط ولا نضع انفسنا دائماً في حالة عداء مع الآخرين بمعنى الغاء نظرية المؤامرة ومد يد السلام مع العالم والاستفادة من خبراته حيث انه تجمعنا معهم الانسانية.

فالأمر اكبر من مزايين الابل او الماعز او الحمام. الامر وطن وليس اي وطن انه وطن مهبط الوحي وراعي المقدسات والمهتم بشؤون المسلمين ووطن الوسطية والانسانية.

والله من وراء القصد