العنصرية البغيضة

الشيخ أحمد بن عبدالرحمن الزومان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [النساء:1] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.

 

استفتحت خطبتي بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها الخطب و فيها قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... ﴾ ففي الآية الكريمة تذكير لنا - نسمعه في الإسبوع مرة أو كثر - بأصلنا فالناس كل الناس يعودون للأبوين آدم وحواء فهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة لكنهم بعد زمن طويل تفرقوا في أوطانهم واختلفت ألوانهم وأعراقهم ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [سورة الحجرات: 13] فربنا تبارك وتعالى في كتابه يؤكد على هذه الحقيقة - وهي أن المفاضلة بالتقوى لابغير ذلك - في أكثر من موضع في كتابه وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عني بهذا الأمر فبينه بسنته القولية وأكد على هذه الحقيقة الشرعية في حجة الوداع فخطبهم صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم... قال ليبلغ الشاهد الغائب رواه الإمام أحمد (22978) بإسناد صحيح وكذلك بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عمليا في تعامله مع أصحابه رضي الله عنهم فكان يتعامل معهم ويقدمهم على قدر كفاءتهم وتقواهم وبذلهم لا على أنسابهم وألوانهم وأوطانهم فيقدم النبي صلى الله عليه وسلم المولى أحيانا على أشراف قريش والأنصار.

 

حتى في باب النكاح أبطل النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ما كان مشهورا عند العرب في جاهليتهم بعدم إنكاح من هو دونهم في النسب فعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها انكحي أسامة بن زيد فكرهته - لأنها عربية قرشية وأسامة من الموالي - ثم قال انكحي أسامة فنكحته" رواه مسلم (1480) وزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنة عمته زينب بنت جحش القرشية رضي الله عنها مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه فأرجح القولين أن الكفاءة في النكاح هي الكفاءة في الدين. لكن لو خشيت مفسدة بسبب طيش بعض الأولياء وعصبيته أو لتضرر بعض الأولاد بهذا النكاح فيتجنب.

 

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله - الفتاوى السعدية ص: 492: - لا يطمئن القلب في الكفاءة إلا أنَّها الدين فقط و هو الذي يقوم عليه الدليل الشرعي بخلاف العوائد و العرف الحادث.

 

وبعد هذا البلاغ المبين نجد من يصنف المسلمين على حسب ألوانهم وقبائلهم وبلدانهم. وأهل البلد الواحد يسخر بعضهم من بعض ويفخر بعضهم على بعض فيفتخرساكن المدينة على ساكن الريف والبادية وساكن الريف والبادية يسخر من ساكن المدينة وسكان المدن يفخر بعضهم على بعض والأبيض يزدري الأسود والأسود يزدري الأبيض وسكان البادية يفتخر بعضهم على بعض بأنسابهم وتجد القريتين المتجاورتين يفتخر بعضهم على بعض بلون أو نسب أو غير ذلك من أمور الجاهلية التي أبطلها الإسلام فاختل الميزان فأصبح عند البعض ميزان جاهلي فيحب ويوالي ويقدم ويؤخر لاعتبارات جاهلية أبطلها الإسلام من قرون.

 

بعض من اتصف بصفات الجاهليين يحتقر أهل البادية وإذا أنكرت عليه استدل على عنصريته بقول ربنا تبارك وتعالى ﴿ الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 97-98] وهذا خطأ من وجهين الأول أن من سكن المدينة لا يسمى أعرابيا ولو كان سكن البادية قبل ذلك ويدل على ذلك سياق الآية حيث قال ربنا [وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ] لبعدهم عن العلم لأنهم بالبادية بخلاف من سكن المدينة منهم فهم حريون بأن يعلموا حدود ما أنزل الله لقربهم من العلماء قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط ص : 113 العُرْبُ، ... خِلاف العَجَمِ، مُؤَنَّثٌ، وهُمْ سُكَّانُ الأمصار، أو عامٌّ. والأَعْرابُ منهم: سُكَّانُ الباديةِ وقال القرطبي في تفسيره (8 / 233) العرب: جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار. والأعراب منهم سكان البادية خاصة . والوجه الثاني : أن المستدل استدل بما يوافق هواه وترك ما لايوافقه فقال ربنا فالآية التي تلي هاتين الآيتين ﴿ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة التوبة: 99] فالحكم السابق ليس عاما في الأعراب كلهم إنما هو خاص في بعضهم فمن الظلم التعميم ومن حسن الظن بالمسلم حمله على الظن الحسن لا السيئ فيحمل الأعرابي المسلم على الخير والصلاح لا الشر والكفر.

 

الخطبة الثانية

عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" رواه البخاري (30) ومسلم (1661) وتأملوا حال أبي ذر فقد أخطأ فهو كسائر البشر عرضة للزلل لكن لم وجهه النبي صلى الله عليه وسلم التزم الأمر ونبذ العنصرية.

 

فالتفاخر بالأحساب والألوان والبلدان والطعن في البعض على هذا الأساس من المحرمات التي أبطلها الإسلام فإضافتها للجاهلية خرج مخرج الذم والزجر ويقتضى ذلك النهي عن مشابهتهم. والعنصرية لاتصدر إلا من شخص متكبر والكبر كبيرة من كبائر الذنوب كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.

 

معاشر الإخوة علينا أن يكون لنا دور في معالجة العنصرية التي يستمريها البعض فمن ذلك أن نقول للذي يتعامل مع الناس على أساس عنصري إنك رجل فيك جاهلية و من هذه حاله لم ينتفع من موروثه الشرعي ففيه صفات الجاهلية وإن كان قد نال نصيبا من العلم فعلمه لم ينفعه.

 

علينا أن نمنع العنصريين الذين نجدهم في مجتمعنا فلا يتركون في مجالسنا ومنتدياتنا يسعون في بث الفرقة وتحزيب المسلمين بعضهم على بعض فما يصدر من العنصريين من أقوال وأفعال من المنكر الذي يجب إنكاره على حسب الوسع فيمنعون من الكلام ويقال لهم دعوا هذا الكلام المنتن.

 

فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ - أي ضربه على دبره - رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ قَالَ جَابِرٌ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَوَقَدْ فَعَلُوا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ رواه البخاري (4907) ومسلم (2584) وتأملوا كيف استغل أعداء هذا الدين هذا الموقف العارض لتفريق الأمة وتحزيب بعضها على بعض.

 

ومما شرع لنا إذا سمعنا عنصريا أن نغلظ له القول فنقول له عض أير أبيك فمن هذه حاله لايستحق اللطف في العبارة فعَنْ عُتَيٍّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا تَعَزَّى عِنْدَ أُبَيٍّ بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ افْتَخَرَ بِأَبِيهِ فَأَعَضَّهُ بِأَبِيهِ وَلَمْ يُكَنِّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَمَا إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ إِلَّا ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا رواه الإمام أحمد (20728) بإسناد صحيح فمن وجدتموه يفضل الناس على أساس عنصري فيقال لهذا الجاهلي أعْضُضْ أيرِ أبيك ولا تُكْنُوا عن الأيْرِ بذكر لفظ آخر حياء من ذكره تنكيلاً لهذا الجاهلي وتبكيتاً له.

 

يا من تفتخر على بعض إخوانك المسلمين بقبيلتك وأن حسبك أفضل منهم تأمل أيها المفتخر بقبيلته وأن جده فلان أليس فلان رجل جاهلي قد لايزن عند الله جناح بعوضة فلا يسوغ أن تفتخر بمن هذا قدره عند ربه وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ - أي كبرها - وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ "رواه الإمام أحمد (10402) وغيره بإسناد حسن.

 

فلنتذكر أن الميزان الشرعي الذي يوزن فيه المسلمون هو التقوى والصلاح وأن الحب والولاء هو في الله فقط وليس معنى حديثي السابق أن لايعرف الشخص نسبه ولايبحث عن ذلك أو أن لايحب الشخص بلده وأهله وقبيلته فهذا من الحب الفطري الذي لايملكه الشخص إنما النهي عن الموالاة والمعادة والتقديم والتأخير على أساس عنصري فليفرق بين الأمرين.