تعبت والله تعبت!

الشيخ خالد عبدالمنعم الرفاعي
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
أولاً: جزاكم الله خيرَ الجزاء؛ فقد تعبتُ وأنا أبحث عن موقعٍ للاستشارات، فأجدُ المواقع مغلقةً، وفرحتُ كثيرًا عندما سمحتُم لي بطرح مشكلتي.

ثانيًا: أرجوكم، أرجوكم، أرجوكم - إنْ تيسَّر لكم - الردَّ السريع؛ لأنِّي والله في حيرةٍ من أمري، ولا أريدُ أنْ أفعل إلا ما يُرضِي الله.

ثالثًا: باختصار: أنا بنت عمري 26 سنة، أهلي يرفُضون أيَّ إنسان يتقدَّم لي؛ بحجَّة أنَّه ليس من قبيلتنا، أهلي متعصِّبون جدًّا لقبيلتهم، ويوجد كثيرٌ من بنات قبيلتنا وَصَلَت أعمارُهُن إلى 35 و40 سنة ولم يتزوَّجنَ إلى الآن للسبب نفسه، وأنا والله يتقدَّمُ ليَ الكثيرُ والكثيرُ من حَفَظَةِ القُرآن، وأئمَّة المساجد، وممَّن يُشْهَدُ له بالصلاح والتقوى، وأهلي في كلِّ مرَّة يَرفُضون، كان أبي يرفُضهم، والآن أبي تُوُفِّى - رحمه الله - وليس لديَّ سوى أخٍ واحدٍ فقط، وهو - للأسف - مُتشدِّدٌ ومتعصِّبٌ أكثرَ من أبي، ولا أعلم ماذا أفعل؟! مع العلم بأنَّ أهلي لو يتقدَّمُ لي أَحَدٌ من شباب قبليتنا، لا يَهُمُّهُم الصلاحُ والدينُ، فقط أَهَمُّ شيءٍ أنَّه من عائلتنا، وهل أبقى في البيت أُكَابِدُ أحزاني، أم آخُذُ أيَّ رَجُلٍ؛ بحجة أنَّه من العائلة، مع العلم أنَّه تَقَدَّمَ لي من قبليتنا 3، ولكني رفضتهم؛ لأنَّه - وللأسف - لا يوجد فيهم مَن أَقْبَلُهُ؛ فأنا إنسانة ملتزمة، ولا أريد أيَّ شخص، وللعلم - ويشهد الله على ما أقول - أني لم أرسل استشارتي هذه إلا لأنِّي فعلاً محتاجة، محتاجة، محتاجة للزواج، وجزاكم الله عنِّي كلَّ خيرٍ، وبارك الله فيكم.

إجابة الشيخ خالد الرفاعي:
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فما نراه مناسبًا لحلِّ تلك المعضلة التي يُعانِي منها الكثيرُ من المسلمات، هو محاولة إقناع أخيكِ بوجهة نظرِكِ، وبما ترغَبين فيه من صِفاتٍ في الزوج، وإخبارُهُ أنَّ الشَّرعَ الحكيمَ بيَّن المِعيارَ الصَّحيحَ في اختِيار الزَّوْجِ، وهو الدِّين والخُلق؛ فقد روى التِّرمذي عن أبي حاتمٍ المُزَنيِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا جاءَكُم مَن تَرضَوْنَ دينَه وخُلُقَه فأنْكِحوه، إلاَّ تفعلوه تَكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ)، قالوا: يا رسول الله، وإنْ كان فيه؟ قال: ((إذا جاءكم مَنْ تَرْضَوْنَ دينَه وخُلُقَه فأنْكِحوه)) ثلاثَ مرَّات.

وقولهم - في الحديث -: ((وإنْ كان فيه))؛ معناهُ: وإن كان قليلَ المالِ، أو ناقِصَ الكفاءةِ، وفيهِ دليلٌ على عدَمِ اعتِبار الكفاءةِ في النَّسب.

قال الحافظُ ابْنُ حجر - في "فتح الباري" -: "ولم يثبتْ في اعتِبار الكفاءة بالنسَب حديثٌ".

وقال ابن تيميَّة في "مَجموع الفتاوى": وليسَ عنِ النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في هذه الأمور"؛ أي: في أنَّ الكفاءة النَّسَبيَّة مُعتبَرة.

وقال ابن   القيِّم في كتابه "زاد المعاد": "فالذي يقتَضِيه حُكْمُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - اعتبارُ الدِّين في الكفاءة أَصلاً وكمالاً؛ فلا تُزَوَّج مُسلمةٌ بِكافر، ولا عفيفةٌ بِفاجر، ولا يَعتَبِرُ القُرآنُ والسُّنَّة في الكفاءة أمرًا وراءَ ذلِك، فإنَّه حرَّم على المسلمة نكاحَ الزَّاني الخبيث، ولَم يعتَبِرْ نسبًا، ولا صناعةً، ولا غنًى، ولا حرّيَّة؛ فجوَّز للعَبْدِ القِنِّ نِكاحَ الحرَّة النَّسيبة الغنيَّة، إذا كان عفيفًا مُسلمًا، وجوَّز لغَيْرِ القُرشيِّين نِكاح القُرشيَّات، ولغَيْرِ الهاشميِّين نِكاحَ الهاشميَّات، وللفُقَراءِ نِكاح الموسرات".

هذا، وقد أبطلَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفَخْرَ بالأنساب في الكَفاءة النَّسبيَّة في الزواج، فزوَّج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - زينبَ بِنْتَ جحشٍ ابنةَ عمَّتِه الأسديَّة من زيدِ بن حارثةَ   مولاه، وقال لِفاطمةَ بنتِ قيس - رضِي الله تعالى عنها -: ((انْكِحي أُسامة))؛ رواه مسلم، وأسامة مولى، وتزوَّج المقداد بن عمرٍو ضُباعةَ بنت الزُّبيْر بن عبدالمطَّلِب الهاشميَّة بنت عَمِّ النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتزوَّج بلالٌ أختَ عبدالرحمن بن عوف، وتزوَّج سالم مولى أبي حُذَيفةَ بنِ عُتبة بن ربيعة بن عَبْدِشمسٍ - ابنةَ أخيهِ الوليد بن عُتبة بن ربيعةَ، وهو مولى امرأةٍ من الأنصار.

وعن أبي هُريرة - رضي الله تعالى عنْهُ - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يا بَني بَياضة، أَنْكِحُوا أبا هندٍ، وأَنْكِحُوا إليه)) وكان حَجَّامًا؛ رواه أبو داودَ، وحسَّنه الحافظُ ابْنُ حجر.

قال الإمام الصَّنعاني: "فنبَّه على الوجْه المقتضِي لِمُساواتِهم؛ وهُو الاتِّفاق في وصْفِ الإسلام، وللنَّاس في هذه المسألة عَجائبُ لا تدورُ على دليلٍ غير الكبرياء والترفُّع، ولا إلهَ إلاَّ الله! كَم حُرِمَتِ المؤمنات النِّكاحَ لكِبرياء الأوْلياء واستعظامِهِم أنفُسَهم! اللَّهُمَّ إنَّا نَبْرَأُ إليك من شرْطٍ ولَّده الهَوى ورَبَّاه الكِبْرياء".

والحاصِلُ أنَّ الكَفاءة المعتبَرة في الزَّواج هي الدِّين وليس النَّسب، فالرَّجُل المُسلم المرضِيُّ دِينُه وخلُقُه يتزوَّج بأيِّ امرأةٍ مُسلمةٍ بغَضِّ النَّظر عن نسبِها، ولا تُمنَعُ الفتاةُ المسلمة من الزَّواج من غير قبيلتها، إذا توافَر الدِّين والخلق المرضيَّين؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

ثم ذكِّريه بأنَّه موقوفٌ مسؤولٌ بين يدي العليم الحكيم عمَّا يَصنَع معك؛ كما قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استَرْعاهُ أحَفِظَ ذلك أم ضيَّع؟ حتَّى يسألَ الرَّجل على أهل بيتِه))، فليعدَّ لِلمسألة جوابًا؛ فإنَّ الحِسابَ عسيرٌ، والجِناية على النِّساء وَخِيمةُ العَواقب، فلْيتداركِ الأمْرَ قبْل أنْ تصطَلِمَه المنيَّة، ولاتَ حين مَناص، وينبغي للعاقِل ألاَّ يُقدِّم أعرافًا باطلة، وعَصبيَّات مَقِيتة، هِي من بَقايا الجاهليَّة التي بُعِثَ النَّبيُّ بِهَدْمِها؛ كما صَحَّ عنْهُ أنَّه قال - في خطبة يومِ عرفة -: ((ألا كلُّ شيءٍ من أمْرِ الجاهليَّة تَحتَ قدميَّ موضوعٌ)) فليضَعْها حيثُ وضَعَها الَّذي لا يَنطِقُ عنِ الهَوى، ولا يُقدِّمها على الكتاب والسُّنَّة القاضيين باعتِبار الكَفاءة في الدِّين وحسْب.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "... ومِثلُ هذا ليس من الأدلَّة الشرعيَّة، ولا الطُّرق الدينيَّة، ولا هو مِمَّا أمر الله ورسولُهُ المؤمنين باتِّباعه، بلْ هو شُعبةٌ جاهليَّة، ونوعُ عصبيَّةٍ للأنساب والقبائِل، وهذا مِمَّا بَعَثَ اللهُ مُحمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بِهَجْرِه وإبطاله، وفي الصَّحيح عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((أربعٌ مِنْ أمْرِ الجاهليَّة في أُمَّتِي لن يدعوهُنَّ: الفَخر بالأحساب، والطَّعن في الأنساب، والنِّياحة على الميِّت، والاستِقاء بالنُّجوم)).

وفي "المُسنَد" عن أُبيِّ بن كعبٍ عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((مَنْ سَمِعْتموه يتَعزَّى بعزاءِ الجاهليَّة، فأَعِضُّوه هَنَ أُمِّه ولا تَكْنُوا)).
وفي السُّنن عنْهُ أنَّه قال: ((إنَّ الله قد أذْهَب عنكم عُبِّيَّة الجاهليَّة وفخْرَها بالآباء، النَّاس رجُلان: مؤمِنٌ تقي، وفاجِرٌ شقي)).

وأمَّا كونُ الخِلافةِ في قريش، فَلَمَّا كان هذا من شرْعِه ودِينِه، كانتِ النُّصوص بذلك معروفةً منقولةً مأثورةً يذكُرُها الصَّحابة".

فإذا استمرَّ رفْضُهُ للمتقدِّمين من غير قبيلتك، فلَكِ أنْ تَلْجَئِي إلى المَحاكِم الشرعيَّة، فتُجْبِر الوليَّ على تزويجِك، أو تقوم المحكمة بتزويجِكِ، أو تذهَبِي لغيره من أوليائِكِ من العصبة، وهي عائلَةُ أبيك؛ ليُزوِّجوك؛ لأنَّه يعضُلُكِ، ويمنعُكِ من الزواج، دون مبرِّر شرعي.