القبيلة بين التراحم والعصبية

أ. د. ماجد عرسان الكيلاني

أمَّا "القبيلة" فهي أيضًا "جُعل" إلهيٌّ يدلِفُ إليه النَّاشئُ بعد أن يتخطَّى مرحلةَ "الصِّبا" إلى"الشَّباب".


ففي هذه"القبيلةِ" يبدأ الصبيُّ شبكةَ عَلاقاتٍ اجتماعيَّة وسياسية جديدة في دائرةٍ أوسعَ من دائرة "العشيرةِ"، وتقومُ على"التعارف" بين القبائلِ والتَّسابق في تقوى اللهِ، وكريمِ الشمائلِ والأخلاقِ؛ ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].


و"التَّعارفُ" المشارُ إليه لا يتحقَّقُ إلا بـ"التمايزِ" - أي: حين تتميَّزُ كلُّ قبيلةٍ عن القبائل الأخرى في نسَبِها واسمِها، وفي تطبيقِها لمنظومةِ القِيَمِ والعاداتِ والتَّقاليد والأعراف المنبثقةِ عن مفهوم "التعارف" المُشارِ إليه في الآيةِ التي مرَّتْ أعلاه.


والتي تخلص بالقولِ إلى أنَّ الهدفَ الكبيرَ لهذا التعارف هو تعاونُ هذه القبائلِ على ثقافةِ: "التعاون على البِرِّ والتقوى"، وأكرمُها هي أكثرُها اتِّقاءً من مخالفةِ هذه الثقافة.


واكتساب هذه القِيَمِ وتطبيقاتها المتراحمة المتعاونة على البِرِّ والتقوى في دائرة القبيلةِ- أمرٌ حضَّ عليه الرسولُ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وحرَص على تطبيقِه، من ذلك قولُه: ((تعلَّموا مِن أنسابِكم ما تصِلُون به أرحامَكم))، وهو شبيهٌ بمهاراتِ "المعلم - الطالب" وقِيَمِه التي تنمِّيها برامجُ إعدادِ المعلِّمين في الوقت الحاضرِ حين يطلب من "الطالب - المعلم" أنْ يتدرَّبَ على مهاراتِ التَّدريسِ وقِيَمِه من خلال الحصولِ على مؤهِّلٍ تربويٍّ قبل ممارسةِ مِهنة التَّعليم في المدارسِ.


وهذا النَّوعُ من التَّنشئةِ الاجتماعيَّةِ كفيلٌ بأنْ يجنِّبَ الشبابَ مضاعفاتِ الاغترابِ والمراهقة بعُقَدِها النَّفسية، وعِلَلِها الجسديَّةِ والاجتماعيَّةِ، ويؤدِّي إلى نُضْجِ الهويَّةِ والانتماءِ ومنظومةِ القِيَمِ، وتوفيرِ فُرَصِ ممارستِها وتطبيقِها.


1- التكافل الاجتماعي - القائمُ على صِلَةِ الرَّحمِ - بمفهومِه الإسلاميِّ، فكانت كلُّ قبيلةٍ تكفل فقراءَها والأراملَ واليتامى والمرضى والمطلَّقات، وتحمي حُرماتِهم من الأذَى، وتَحولُ دون استغلال الضَّعيفاتِ والضُّعفاءِ في تجارة الأجسادِ، وإنسانيَّةِ الإنسانِ.


2- ولقد تبارتِ القبائلُ المنضبطةُ بتوجيهاتِ الإسلامِ في رعايةِ أيتامِها، وصنعَتْ منهم رجالاً أثُّروا في مصايرِ أمَّتِهم.


3- أثَرُ التَّنظيمِ القبَليِّ في قوةِ الدُّولِ وضَعْفِها، ففي التاريخِ الإسلاميِّ قامت الدُّولُ الإسلاميَّةُ على ما أسماه ابن خَلدون "قوة العصبية القبلية"، وهنا لا بدَّ من نقدِ ابن خَلدون في هذا التَّعميمِ الذي لَم يميِّزْ بين القبيلةِ والعصبيَّةِ القبَليَّةِ، فالأول "القبيلة" - كما قلنا - تنظيمٌ إسلاميٌّ، أمَّا "العصبَية القبَليَّةُ" فهي مرَضٌ كان يُصيبُ القبائلَ التي قامت عليها الدُّوَلُ، فيحوِّلُها إلى عواملِ هدمٍ بعد أن كانت عواملَ بناءٍ.


4- وأخيرًا لا بدَّ من ملاحظةِ أثرِ القبيلةِ في المجتمعاتِ العربيَّة الحديثةِ، فالقبائلُ فيها أسهمت بشكلٍ واضحٍ في الحِفاظِ على القوَّة العسكريَّةِ في هذه الأقطارِ، وإن كان البعضُ قد حوَّلها إلى عصبيَّاتٍ استثمرها بعضُ الأفرادِ والهيئات الحزبيَّة والطائفيَّةِ حين قُوبِلَتْ تربيةُ هذه القبائلِ وبناء ثقافاتِها على الإثمِ والعدوانِ بدل البِرِّ والتَّقوى.


ولقد تجسَّدت تطبيقاتُ هذه "القبيلة" المتراحمة في تنظيم الجيوشِ الإسلاميَّةِ في صُور الإسلامِ، حيث كانت تتكوَّنُ من القبائلِ العربيَّةِ المُشبعة بـ"ثقافة التعاون على البِرِّ والتقوى"، والنفور من "ثقافة الإثم والعداون"، وإذا صعُبَ عليهم النَّصرُ تنادَوْا أنْ "تمايزوا" - أي: لتتميَّز كلُّ قبيلةٍ عن غيرِها- وتتمايزُ معها على التَّضحية والجهاد، وأصواتُهم تردِّدُ ألا يؤتَى الضَّعفُ مِنْ قِبَلِ قبيلتِهم.


كذلك تجسَّدت تطبيقاتُ هذه القبيلة المتراحمةِ في تخطيط المدنِ والقرى الإسلاميَّةِ حيث كان يُبنى في وسطِها المسجد الجامع،وبجوارِه دارُ الإمارة، وحولهما خِطَط؛ أي: قِطَعٌ كبيرةٌ من الأرضِ، يخصِّص كلَّ قبيلةٍ خطَّةً منها.


وجميع هذه الخِطط ينحدر منها شوارعُ تتلاقى في ساحة المسجدِ؛ لتجتمعَ كلمةُ القبائلِ على ثقافةِ: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2].


وفي هذه الخِطط أصبحت تنشئةُ الصِّبيان مسؤوليَّةَ القبيلة مجتمِعةً، ويكفي أن نسترجعَ صورةَ الصبيِّ الذي كان ينشأ في أحياءِ مدنِنا وقُرَانا في بيئةٍ مشبعةٍ بالمحبَّةِ والأمن والسَّلامةِ، فإذا درج في شوارعِنا تبادلَتْه أحضانُ الجدِّ والجَدَّةِ، أو العمِّ والعمَّةِ، أو الخالِ والخالةِ، وإذا عثَر وبكى انتشلوه وقبَّلوه،وهدَّؤوا وأمَّنوا رَوْعَه، ثم ملَؤوا جيبَه بقِطَعِ الحلوى، ثم حمَلوه أو اقتادوه إلى أمِّه وأبيه، وإذا تخطَّى مرحلةَ الطفولةِ إلى الصِّبا، ارتادَ مسجدَ الحيِّ ليصوِّبَ له الأخوالُ والأعمامُ ركوعَه وسجودَه وتلاوتَه، وارتاد "مضافة" الحيِّ ليدرِّبوه على الآدابِ العامَّةِ وكيفيَّةِ المشاركةِ في بناءِ القبيلةِ.


أما في المدنِ الحديثة المزروعةِ بغابات البنايات الشَّاهقة المحشوَّةِ بأخلاط الأجناسِ الذين لا يجمَعُهم إلا "ثقافات الإنتاج والاستهلاك"، فإنَّه لا يُسمَحُ للطفل أن يتخطَّى عتبةَ الشقَّة دون أن يملأَ الوالدانِ أذنَيْهِ بالتَّحذيراتِ الراعبةِ، وقصص الأطفالِ الذين خرجوا دون علم ذويهم، فالتقى بهم الأشرارُ من الجيران والزُّوَّار على درجة البناية أو في المصعدِ، ثم انتهى بهم الأمرُإلى الخطفِ والاغتصاب والقتلِ، وإذا تخطَّى الطفولةَ إلى الصِّبا، تتحولُ هذه القصص الراعبةُ إلى مبرِّراتِ الالتحاق بشِلَلِ المراهقين الجانحين والجانحات، المدمنين على الجنس والمخدِّرات.


وفي خِطط المدن والقرى الإسلامية كانت المرأةُ تخرج متحجبةً بالحياءِ وسَتْرِ الأعضاءِ إلى أسواقٍ مليئةٍ بالأقارب والمعارف، فلا تطاردُها أعينٌ زائغةٌ، ولا تسمعُ ما تسمعُه الفتياتُ والنِّساءُ في أسواق المدنِ الحديثة من شِلَلٍ المراهقين وأسرابِ المتسكِّعين، وكانت بنات القبيلة "يتمايزن" بالحفاظ على شرفِها وسمعةِ بناتِها، والحذرِ من إلحاقِ العارِ بها، وكان الشبابُ"يتمايزون" بالفتوَّةِ والشَّجاعةِ، ويتبارَوْنَ بالرُّجولةِ المسؤولةِ، حتى صارت"بنت القبيلة" و"ابن العيله" دلالةً على العفَّةِ والحياءِ وسموِّ الأخلاقِ وتسامي العلاقات، وكان الزَّواجُ رِباطًا مقدَّسًا تربِطُ المصاهرةُ فيه بين قبيلتيْنِ، ويخرجُ لعقدِه وطلبِ يدِ الفتاةِ وفدٌ كبيرٌ من "الجاهة" التي تضم "وجهاء القبيلةِ" وكبراءَها، ويتوجَّهون إلى ديوانِ القبيلةِ التي تنتمي إليها الفتاةُ المخطوبةُ، ويشترك في إذاعةِ الخطوبة أعضاءُ القبيلتين في حفلِ الزَّواجِ، وقد ملأ عروض الرقص الرجولي المليء بتنمية إرادة الشجاعة وتقديم رقصة - العرضة - كما تسمى في الجزيرة العربية، أو رقصة - الجوفية - كما تسمى في بلاد الشام، ثم يستمر الفريقانِ بالكرمِ والتَّسامي والمودَّةِ والاحترامِ حتى نهاية الحياةِ.


أما في المدينة الحديثةِ فقد تحوَّل الزَّواج إلى علاقةٍ جنسيَّةٍ بين ذكرٍ وأنثى بتبادلات الوعودِ الواهمةِ، والتَّمثيلِ والتَّصنُّعِ في لقاءات مُريبةٍ في المطاعم والمتنَزَّهاتِ والحدائق، ثم ينتهي بعد الزَّواجِ إلى المشاجرةِ والخصومة، وتبادُلِ الاتِّهام في المحاكمِ الشَّرعيَّةِ حتى ينتهيَ الأمرُ إلى الطَّلاقِ، ونَكَدِ العيشِ، وتدميرِ الحياةِ الأُسَريَّةِ.


كذلك تجسَّدتْ تطبيقات "القبيلة المتراحمة - المتعاونة على البِرِّ والتقوى" في تقسيم الأراضي الزِّراعية إلى أقسامٍ كبرى رئيسةٍ، ثم توزَّعُ هذه الأقسامُ بين القبائلِ، حيث يوزَّعُ كلُّ قسمٍ إلى قِطَعٍ متجاوراتٍ، تتملَّكُها أُسَرُ القبيلةِ الواحدةِ، ثم يتعاونون على زراعتِها وحصادِها، ويتبادلون محاصيلَها وثمارَها، ثم لا يكون في قبيلتِهم جائعٌ ولا محرومٌ.


ولكنَّ جميعَ هذه الفضائلِ القبَليَّةِ والعشائريَّةِ المشارِ إليها لا تتحقَّقُ إلا إذا استرشد أعضاءُ العشائرِ والقبائلِ بتوجيهاتِ القرآن الكريم والسنَّةِ الشَّريفةِ، واستلهموا ثقافةَ "التعاون على البر والتقوى": البِرُّ في داخلِ القبيلةِ، والتَّقوى خارجها، وكانوا على وعيٍ كاملٍ بالفرْقِ بين "القبيلةِ- المتراحمة - المتعاونة" وبين "العصبيات القبَليَّة" ومضاعفاتِها في"الإثم والعدوان": الإثمُ داخل القبيلةِ، والعدوان خارجَها على القبائلِ الأخرى، وهو مايشيرُ إليه الحديثُ النبويُّ بوضوحٍ تامٍّ؛ فقد سُئِلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أمن العصبيَّةِ أن يحبَّ الرجلُ قومَه؟ قال : ((لا، ولكنَّ العصبيَّةَ أنْ يعينَ الرَّجُلُ قومَه على الظُّلمِ))[1].


ويقدم تاريخ العشائرِ والقبائلِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ التي تكوَّنت منها أنها حين كانت تنقطعُ عن توجيهاتِ القرآنِ والسنَّةِ فإنَّها تنقلب إلى"عصبيَّاتٍ قبَليَّةٍ تتعاون لإشاعةِ: "الإثم والعدوان"، وترسيخِ تقاليدِها في الصَّنَميَّةِ والنِّفاق إلى الدَّرجةِ التي جعلت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن قاتلَ تحت رايةٍ عمية يدعو إلى عصبيَّةٍ، أو غضِبَ لعصبيَّةٍ فقِتلتُه جاهليَّةٌ))[2].


ويقولُ: ((دَعُوها فإنَّها نتنة)).


و"العصبيَّة القبَليَّةُ" و"العصبيَّة العشائريَّة" مرضٌ اجتماعيٌّ يُصيبُ القبيلةَ، ويدمِّرُها حين تضعفُ نُظُمُ التَّعليمِ والتربية والإرشادِ عن تزويدِ العشائرِ والقبائلِ بتوجيهاتِ القرآنِ والسنَّةِ الدَّاعيةِإلى صلةِ الأرحامِ، وثقافةِ "البِرِّ والتَّقوى"، ويحلُّ محلَّها "ثقافة التعاون على الإثم والعدوان" ومضاعفاتها، وحميَّة الفخرِ والتعاظُم بروابط الدَّمِ وحدها، ثم يكونُ من مضاعفاتِ هذا التَّعاظُمِ العداونُ على الآخَرينَ، والأذى والهجاءُ والسُّخريَةُ، والغزو والظُّلم وانتقاص إنسانيَّةِ الإنسانِ.


على أنَّ أسوأَ المضاعفات المرَضيَّة لـ"العصبية القبَليَّة والعشائريَّة" هي الصنمية، وهي مرَضٌ نفسيٌّ اجتماعيٌّ عقَديٌّ يصيبُ الأفرادَ والجماعاتِ، فيدمِّرُ إنسانيَّةَ الإنسانِ، ويقتلُ إرادتَه.


ويُطفئُ فاعليَّتَه ويُحيلُه إلى مخلوقٍ يعبُدُ ما صنعَتْ يداه، وتتقاذفُه رياحُ التَّغييرِ دون أن يكونَ له أثرٌ في صنعِ حاضرِه، أو تقرير مستقبَلِه.


والأساس الذي تقوم عليه الصَّنَمية، يتكوَّنُ من ثلاث قواعدَ، هي:

القاعدة الأولى: "دع" الأقوياءَ للضُّعفاءِ؛ أي: اغتصاب حرِّياتِهم، وقهْرهم، والتَّسلُّط عليهم.


القاعدة الثانية: سلبهم ممتلكاتِهم، والاستئثار بمواردِ العيشِ والثَّروةِ دونهم.


القاعدة الثالثة: تشكيل عقول الأكثرية وقِيَمِها وتقاليدِها وعاداتِها ليصبحَ الدع المشارُ إليه جزءًا من معتقداتِها.


وبذلك تكون الصَّنَمية هي تخلِّي الأفرادِ والجماعاتِ عن حرِّيَّاتِهم في التَّفكيرِ والتَّعبير والاختيار، وعن ممتلكاتِهم التي رزقَهم اللهُ إيَّاها من أجلِ مخلوقٍ آخَرَ، ثم التوسُّل إليه ليردَّ بعضًا منها إليهم.


ولقد أحسَّ الشَّاعرُ العراقيُّ معروف الرصافي بقُبْحِ هذه الصَّنَمية التي تتنازل عن إنسانيَّتِها حينما قال:

عَجِبْتُ لِقَوْمٍ يَخْضَعُونَ لِدَوْلَةٍ
يَسُوسُهُمُ بِالْمُوبِقَاتِ عَمِيدُهَا
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنَّهُمْ يَرْهَبُونَهَا
وَأَمْوَالُهَا مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ جُنُودُهَا


والقرآنُ الكريمُ يسمِّي الأقوياءَ الذين يغتصبون الحرياتِ والممتلكاتِ أسماءً عديدةً، أوضحُها وأخطرُها اسم: الأنداد؛ أي أندادُ اللهِ- تعالى - وإليهم كانت الإشارةُ في آياتٍ عديدةٍ، مثل قوله - تعالى -:

﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22].


﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165].


ولقد فسَّر عبدالله بنُ عبَّاسٍ وعبدالله بن مسعودٍ- رضي الله عنهما -: "الأنداد" بأنَّهم الرُّؤساءُ، يطيعُهم الأتباعُ في معصيةِ اللهِ.


ولا ينحصرُ مرضُ "الصنمية"[3] في ظاهرةٍ تاريخيَّةٍ معيَّنةٍ، ولا يتحدَّدُ بزمانٍ أو مكانٍ، ولا يقتصرُ على"العصبيات القبلية"، وإنَّما العصبيَّاتُ كافَّةً، سواءٌ أكانت عصبياتٍ أُسَريَّةً أو عشائريةً وقبَلية، أو شعوبيَّةً، أو عِرقيَّةً، أو عصبيَّةَ لونٍ أو طائفية، أو حزبية، أو دينية، أو قومية، أو مِهْنية، هي المحاضنُ الرَّئيسةُ التي تهيِّئُ للصَّنَمية أنْ تؤكَّدَ وتترعرعَ، ولرموزِها أنْ تستعبِدَ عقولَ النَّاسِ وضمائرَهم، وتصادرَ حرِّيَّاتِها، وتُفْرِزَ مضاعفاتِها.


لقد هدمت التربيةُ الحديثةُ في أقطار العالَمَيْنِ العربيِّ والإسلاميِّ مكانةَ "القبيلة المتراحمة"، وقلَّلت من قِيمَتِها بين المثقَّفين الذين لَم يميِّزوا بين القبليةِ وبين "العصبيَّات القبَلية"، واستبدلوها بالتَّنظيماتِ الحِزبيَّةِ والنِّقاباتِ المِهْنِيَّةِ والاتِّحادات العُمَّالية، وهذه مؤسَّساتٌ ذاتُ بريقٍ من الخارج، وجوفاءُ من الدَّاخلِ، ومِحورُ العلاقاتِ فيها قائمٌ على المصالحِ الماديَّةِ، وثقافة الإنتاجِ والاستهلاك المجرَّدةِ من التواصلِ والتَّراحمِ، وتنتهي بانتهاء المصلحةِ، أو انفضاضِ اللِّقاءاتِ الرَّسميَّةِ، والمظاهرات الحِزبية، والاعتصامات المِهنية، وخطب وأحاديث المجاملةِ المبطَّنة بالنِّفاق والحسَدِ والكراهيةِ؛ ولذلك يظلُّ الفردُ فيها يعاني من أمراضِ "الاغتراب" و"الضَّياع" و" والعجز" وعدم الاستقرار، أضف إلى ذلك سهولةَ اختراقِها من قِبَلِ أعدائها في الداخل والخارجِ، ولكنَّ أبرزَ الفروقِ بين النوعين من المؤسَّساتِ أنَّ "القبيلة المتراحمةَ" تدرِّبُ على المسؤوليَّةِ والعطاءِ، بينما مؤسَّساتُ الأحزاب والنِّقاباتِ وأمثالُها من المؤسَّساتِ تدرِّبُ على المطالبةِ بالحقوق والأخذ، فلا يفكِّرُ الفردُ إلا بما يأخذ لا بما يُعطِي، ويتصاعد هذا النَّوعُ من التَّفكيرِ حتى يصبحَ صراعًا وغزوًا من القبائلِ ضد بعضِها البعضِ.


كذلك اجتهدت السِّياساتُ الاستعماريَّةُ في بَعث "العصبيَّات القبَلية"، و"العصبيَّات المذهبية"، و"العصبيَّات الطَّائفية"، و"العصبيات العِرْقيَّة"، وتشجيعِها واستغلالِها أسوأَ استغلالٍ؛ "لإشاعة ثقافة الإثم والعدوان" للهيمنة على شعوبِ هذا العالَمِ، ونهبِ ثرواتِها، وتشويهِ ثقافاتِها، فأرسلتْ منذ القرن الثامن عشر الميلادي البَعثاتِ والرَّحَّالة، وأقامت مراكزَ البحوثِ في كبرى الجامعات لدراسةِ هذه العصبيَّات، ثم تزويد صانعي القرار السِّياسيِّ والعسكريِّ بهذه الدِّراساتِ، واكتشاف مواطنِ القوَّةِ والضَّعفِ في تنظيم القبيلةِ، وفي تنظيمِ التربيةِ والإعلام والتَّنظيماتِ الإداريةِ، وتوزيعِ الوظائف الحكوميَّة.


كذلك أعطت السلطاتُ الاستعماريةُ في ثقافة "العصبيات القبلية" للقرارِ السِّياسيِّ قِيَمًا - معانِيَ تعتمدُ على الجاه والنِّفاقِ -لا وزنَ لها ولا تأثيرَ، ولا همَّ لها سوى التَّسبيحِ بأسماء الأصنامِ الأندادِ الذين لا يدفعون ضرَرًا،ولا يجلِبُون نفعًا،وكوَّنت منها جيوشًا وشرطة ودوائرَ مخابراتٍ لا عمل لها إلا حمايةُ هؤلاء "الأصنام"، وتأمينُ الولاءِ لهم، وإسكاتُ رُوحِ المقاومةِ، وتدميرُ إرادةِ الشُّعوبِ، وسلبُ حقوقِها.


وزاد الطِّينَ بِلَّةً أنَّ المثقَّفين في العالَميْنِ العربيِّ والإسلاميِّ لَم يتبيَّنوا - وما زالوا لا يتبيَّنون - الخلطَ الفاضحَ، والخلط بين "القبيلة المتراحمة" و"العصبيات القبلية"، وأنَّ الأُولى تتعاون على البِرِّ والتَّقوى بتوجيه القرآنِ والسنَّةِ، بينما الثَّانيةُ تتعاون على"الإثم والعدوان" بتوجيهِ الشِّعرِ والأدبِ الجاهليِّ والغِناءِ والأهازيجِ وامتداداتِه في العصورِ الإسلاميَّةِ.


لَم يتبيَّنِ المثقَّفون أهميَّةَ التُّراثِ القبَليِّ في نهضةِ الشُّعوبِ وخطورتَه في تخلُّفِها وضعفِها، والواقعُ أنَّ التُّراثَ القبَليَّ أكثرُ فاعليةً من التراثِ السِّياسيِّ، ولا يخلو منه زمانٌ ولا مكانٌ، فهو تراثٌ ذو حدَّينِ: حد إيجابي يفجِّرُ طاقاتِ الإنسانِ العربيِّ والمسلمِ، ويستخرجُ وُسْعَه وقدراتِه العقليَّةَ والنَّفسيَّةَ والجسديَّةَ؛ لاستعمالِها ضدَّ التحدِّياتِ إذا أحكمتِ التربيةُ الإسلاميَّةُ توجيهَ هذا التُّراثِ وتحديدَ مساراتِه، وحسنَ استثمارِه لنصرةِ القضايا الوطنية الكبرى، وإشاعة ثقافة "التعاون على البر والتقوى"، ولكن حين يضعُفُ تأثيرُ التربية الإسلامية وتتمُّ تغذيةُإنسان القبيلة بأدبِ العصر الجاهليِّ وامتداداتِه المتمثِّلة بشعرِ أمثالِ جَريرٍ والفرزدقِ، التي تدور حول الدوران في فلَكِ"الأشخاص"والأهازيج والأغاني الشَّخصية بدل "الأفكار الإسلاميَّةِ"، فإنَّ الانتماء القبَليَّ يتحوَّلُ إلى خدمةِ"العصبيات القبَلية"، ونصْرِ ثقافةِ "الإثم والعدوان"، وقديمًا استغلَّتْ كلَّ المقدَّرات لعصبيَّاتِها، بما فيها الدِّين الذي بُعث به إبراهيمُ وإسماعيلُ– عليهما السلام - حتى إنَّها وضعَت الحجَّ في خدمة عصبيَّاتها القبَليَّةِ، فشكَّلتْ شعائرَه طبقًا لهذه العصبيَّاتِ، وأفرزَتْ تلبيَّاتٍ خاصَّةً بها، ولتوضيحِ الفرْقِ بين القبيلة المتراحمة التي وجَّهها ثقافةُ"التعاون على البر والتقوى"، وبين العصبيَّةِ القبَليَّةِ التي وجَّهَها ثقافةُ "التعاون على الإثم والعدوان"؛ نستعرضُ تاريخَ قبائلِ قريشٍ العشر، وأشهرها القبائلُ المذكورةُ، ومن أمثلة ذلك التالي:

1- تلبية قريش: لبيك اللَّهمَّ لبيك، إنَّنا لقاح، حرمتنا أسنَّة الرِّماح، يحسُدنا النَّاس على النَّجاح.


2- تلبية قبيلةِ أَسد: لبيك اللهم لبيك، يا ربُّ أقبلتْ أسد، أهلُال تَّواني والوفاءِ والجلَدِ.


3- تلبية قبيلة ربيعة: لبيك عن ربيعة، سامعة لربِّها مطيعة [4].


ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي أدركت القوى الاستعماريةُ هذه الفاعليَّةَ السلبيَّةَ لتراثِ العصبيَّاتِ القبَليَّةِ، فأرسلت الرَّحَّالة والبَعثات الاستشراقيَّةِ لدراستِها، ووظَّفَتْها لتنميةِ وإشاعةِ "ثقافة الغزو" غزو الدول الحديثة، والتقاتل على نهبِ وظائفَ في الإدارةِ والحُكْم والسياسة والعسكرية والتربية والثقافة والإعلام، في الوقت الذي بتَرت هذه القبيلةُ من إرشادِها الإسلاميِّ ووصلَتْها بالتُّراثِ الجاهليِّ وآدابه، والذين نفَروا من هذا الاستثمار الاستعماريِّ للعصبيات القبَليَّةِ أفرزَتْ لهم القوى الاستعمارية مَلهاةً عديمةَ الفاعلية، غريبةَ الانتماءِ، تجسَّدت في تنظيماتِ الحزبيَّةِ والنِّقاباتِ المِهْنيَّةِ على النَّمط الأوروبي والأمريكي الحديث، القائمِ على ثقافةِ"الإنتاج والاستهلاك".


لذلك؛ لَم تختلفِ العصبيَّاتُ القبَليَّةُ الحديثةُ عن النَّمطِ الجاهليِّ في الحَمِيَّةِ والانتماء، وما زالت توجِّهُ تفكيرَ الإنسانِ في العالَمَيْنِ العربيِّ والإسلاميِّ، وتستنفذُ طاقاتِه وممتلكاتِه لتقديمِ أغلى ممتلكاتِه، وهي تتنافسُ لنصب أصنامِها البشريَّةِ في المناصب السِّياسية والإداريَّةِ في المجالس البلدية والنِّيابيَّة.


وحين استبدل الإنسانُ القاطنُ في الأقطارِ العربيَّة والإسلاميَّة مؤسَّساتِ العشيرة والقبيلةِ بالتَّنظيماتِ الحزبيَّةِ والمهنيَّةِ لَم يكنْ هذا الاستبدالُ إلا تكيُّفًا حرباويًّا - نسبة للحرباء - على المظاهرِ الخارجيَّةِ المتمثِّلةِ بالشِّعاراتِ والأسماء، أمَّا المحتوى فقد بقِي"عصبيات قبلية"، أو"عرقية"، أو"دينية"، أو"حزبية".. وهكذا، ولذلك انساحت أفكارُ الأحزابِ في أواني العصبيات القبَليَّة.


ومن طريفِ ما سمعتُ أن حاجًّا من قبيلةِ"القبلان" الأردنية، حين ذهب إلى الحجِّ وازدحم الطَّوافُ حول الكعبة أخذته حميَّةُ العصبيَّة القبلية فكشف عن رأسِه، ووضع غطاءَه تحت إِبْطِه، ثم اندفع يزاحِمُ الطَّائِفِين والطَّائفات ملبِّيًا بهذه الكلماتِ:

"قبلان لا تذلِّي..كم هوشة حضرناها".


و"الهوشة" لفظة عاميةٌ تعني "المشاجرة" كانت تنشب بين القبائل الأردنية من آنٍ لآخرَ، والنَّاظرُ في سلوك الأفرادِ والجماعات في الأقطارِ العربيَّة والإسلاميَّةِ يرى أنَّ الولاءَ للعصبيَّاتِ القبَليَّةِ أقوى من الولاءِ للدولةِ، وإن المعركةَ الحقيقيَّةَ التي يخوضها الإنسانُالقبَليُّ هناك هي التَّنافس بين القبائلِ لاستلابِ مواردِ الدولة ومقدَّراتِها، مستغلاًّنفوذَه في مناصب الدولة لمنفعةِ قبيلتِه وإيثارِها.


ولذلك؛ فإنَّ أول ما تحتاجه المجتمعَاتُ العربيَّةُ والإسلاميَّةُ ليس محاربةَ القبيلةِ أو العشيرة؛ وإنما تزكية ثقافاتِها؛ وذلك من خلال إجراءاتٍ سنضمِّنُها في الفصل الأخير.


وفي آخر البحثِ لا بدَّ أن نشيرَ إلى ظاهرةٍ حديثة أفرزَتْها سياساتُ العولمة الغربية الحديثة، هذه الظَّاهرة هي تحدِّي دولِ شرق آسيا، وعلى رأسِها ماليزيا وإندونيسيا، حيث نجحت تلك الدُّوَلُ في حفظ أسواقِها ونشاطاتِها الاقتصادية من التلاعب الذي كان يمارسُه كهنةُ العَوْلَمة الحديثةِ، ورؤوس دولِها، والبنك الدولي، والمؤسَّسة الاقتصادية الدولية، فقد فشِلت سياساتُ هذه المؤسَّسات في النَّيْلِ من صلابةِ دولِ شرق آسيا وتنفيذ سياسات العولمة فيها.


لقد أخذ المحلِّلون الاقتصاديون في الغرب الأمريكي والأوروبي، ولَخَّصوا السببَ في ما أسمَوْه"دخول العائلة الممتدة"على ميادين النَّشاطِ الاقتصادي الحديثِ، وحلَّت محلَّ الشَّركاتِ الأجنبيَّة، والواقع أنَّها كانت قبائل، حيث أسندت الدولةُ إلى كلِّ قبيلةٍ صناعةً من الصِّناعاتِ، كصناعةِ السَّيَّارات وغيرِها من التِّقنيَّات الحديثة، واختصَّت كلُّ قبيلةٍ بقسمٍ يميِّزُها عن غيرِها، واستعملت أعضاءَها ليقوموا بدَوْرِ العُمَّال في المصانع المذكورة.


والواقع أنَّ هذا هو تطبيقٌ حديثٌ يمكِنُ نشرُه في كافَّةِ العالَم الإسلاميٍّ، بدلاًمن إلهاء القبائلِ بالنِّزاعات الحديثةِ، والتَّنافُس بإلقاء الأشعارِ، وغير ذلك من العصبيَّاتِ، فيمكِنُ أنْ تستغلَّ القبائلُ العربيَّةُ والإسلاميَّةُ، وتتوزَّعَ بينها ميادينُ النُّموِّ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، وبذلك تعودُ القبيلةُ لحمل مسؤولياتِها لمعالجةِ مشاكلِ الفقرِ والفسادِ، وتقوم بأداء دورِها في التعاون على البر والتَّقوى[5].



[1] ابن ماجه، السنن، جـ2، حديث رقم 3949.

[2]  المصدر نفسه.

[3] للتوسع في معرفة "مرض الصنمية" راجع كتاب"الصنمية والأصنام" للمؤلف.

[4] د. جواد علي "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" جـ 6 ص 376 - 377.

[5] مجموعة من المجلات الغربية التي تناقش الموضوع نقاشًا كبيرًا.