العصبية القبلية الداء الذي يكاد ينخر في جسد الأمة خاصة في الجزيرة العربية

ساري محمد الزهراني

يقول الدكتور الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين :" لقد قرأت هذه الرسالة القيمة التي بعنوان (العصبية القبلية من المنظور الإسلامي)... ويقول- أيضا-: " لقد أحسن فيما كتب وجمع ما تيسر له من أقوال العلماء ومن الأدلّة والأحكام والعلل في هذا الموضوع الذي تمكَّن في هذه البلاد وظهرت له آثار سيئة؛ من الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والتمسك بالعادات المتلقاة من الآباء والأجداد وما يترتب عليها من التحزّب والتفرُّق .."   ويقول الشيخ عبد الله المنيع:" لقد قرأتُ فيه دراسة تحليلية للطبقية البشرية داخل الجزيرة العربية وخارجها ومدى ظلم الأقوياء للضعفاء "

  ويقول أيضا:" إنّ المؤلف وُفِّقَ في تأليف هذا الكتاب القيّم في معناه ومبناه؛ حيث أنّ الكتاب دعوةٌ صريحةٌ إلى نبذ ومقت العصبية... كما أن " الكتاب قيم في موضوعه متميز في أسلوبه قوي بمصادره وتوثيقه ذو بعدٍ قوي في دعوته إلى نبذ العصبية والعنصرية والطبقية؛ باعتبار ذلك فيروس المجتمع البشري عامة والإسلامي عامة".

  وقول الأديب عبد الله بن خميس:" بين يدي كتاب جديد في موضوعه وفي جرأته حساسية هذا الموضوع الهام وعدم تقبُّل الكثيرين له تنسحب على كتابة تقديم له فنحن أمة تؤثِّر فينا تقاليدنا وموروثاتنا الاجتماعية وأعرافنا تأثيرا كبيرا؛ حسنها وسيئها فقد ورثنا– إلى جانب المروءة والشجاعة والكرم – العصبية القبلية؛ التي تكاد تعصف بكل موروثاتنا الحميدة الأخرى".  

بهذه الكلمات يدلف القارىء إلى ثنايا كتاب جديد للدكتور خالد بن عبد الحمن الجريسي الذي حوى على مباحث عدة كلها تصب في بوتقة واحدة وتعالج موضوعا حيويا لا يزال أثره إلى يومنا هذا وأعني به ( العصبية القبلية) وأثرها إلى المجتمعات والأفراد.

   والكتاب على صغر حجمه وقلة عدد صفحاته التي لا تتجاوز المئتين قد أحسن مؤلفه التشخيص وأجاد المعالجة وحسبك أن تقرأ ما كتبه العلماء بدءا بالشيخ الدكتور عبد الله بن جبرين ومرورا بالشيخ عبد الله المنيع وانتهاء بالأديب والشاعر عبد الله بن خميس.

  ومما يؤسف له حقًا أنْ يكون بين ظهراني المسلمين من يرغب عن تعاليم الإسلام فيرجع القهقري؛ آخذًا بعادات وتقاليد اجتماعية جاهلية؛ تصنِّف الناس على أساس من العصبية التي كانت أساسًا للنظام الاجتماعي في العصر الجاهلي وهي تعتمد– في تصنيف الأفراد-على مقاييس الجاه والمنصب والنسب والحسب والسيادة والريادة فلا تقيم وزنًا لصلاح الفرد وتقواه وخُلُقه الحسن وتعامله السويّ.

الحق في ميزانه

هنا يأتي دور هذا الكتاب الذي بين يدي ليضع الحق في ميزانه الذي يوزن به بعيدًا عن الأحساب والأنساب والجاه والسيادة والريادة والعصبية القبلية التي هي الداء الذي يكاد ينخر في جسد الأمة خاصة في الجزيرة العربية. يقول الدكتور الجريسي:" وغيرة مني على مجتمعاتنا الإسلامية؛ التي أفرز التعصب القبلي في بعضها كثيرًا من الأمراض والعلل- من فرقةٍ وتنافر وعنوسة ومن ثم ( فتنة وفساد) .إلخ – ورغبة في إزالة العلل وإصلاح الزلل وسد الحلل ولمّ الشمل ودرء الفتنة- قدر الطاقة- فقد دونت هذه الوريقات؛ لعل الله – تعالى- أن ينفع بها من تبلغه من إخواني المسلمين"

   وقد ضم الكتاب بين دفتيه ثلاثة فصول إضافة إلى مقدمة وخاتمة حوى الفصل الأول مفهوم العصبية القبلية ومظاهرها حيث عرّف المؤلف العصبية لغةً واصطلاحًا ثم تحدث عن مفهومها الذي كان واسعًا في الجاهلية ثم هذّبه الإسلام فأقر بعضه ثم يعدد المؤلف أبرز مظاهر العصبية في العصر الجاهلي؛ كالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والطَّبَقيَّة والأخذ بالثأر والحروب والتحاكم إلى أهواء مشايخ العشائر والطواغيت والكهان والتنقيص من قدر القبيلة التي لا تسعى إلى الشر والتفرق الحسي والمعنوي وعمية الراية ورد الصاع صاعين على حد قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا

 فنجهل فوق جهل الجاهلينا

والتقليد في الباطل واتّباع طريقة الآباء كما وصفهم القرآن بذلك.

حكم الإسلام

ثم يذكر المؤلف حكم الإسلام في العصبية الجاهلية حيث يقول:" وبما أن العصبية الجاهلية كانت بمثابة الأساس للأعراف القبلية السائدة آنذاك كانت في الوقت نفسه من أسباب الفرقة والتقاتل بين الناس؛ لذا فقد ركز الرسول صلى الله عليه وسلم عليها وحاربها بكل قوة ودون هوادة وحذر منها وسد منافذها؛ لأنه لا بقاء للدين العالمي ولا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات." ثم ينتقل المؤلف إلى العصبية القبليّة المعاصرة وأبرز مظاهرها وهو عنوان الفصل الثاني حيث يقول: " ليس مستغربًا أن توجد أو تتفشى العصبية القبلية في كثيرٍ من المجتمعات الإسلاميّة وبخاصة العربيّة منها وفي جزيرة العرب تحديدًا".وقد استند المؤلف على قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة".

التعليق على الحديث

ويعلق صاحب الكتاب على الحديث السابق بقوله:" إن كون التعصب القبلي خصلة مستمرة في أمّة الإسلام كما أخبر بذلك نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام لكن بقاءه لا يعني أنه أصبح أمرًا مقبولاً أو واقعًا محتومًا يُعذر المسلم فيه إذا ما سايره أو انخرط فيه فليس ذلك قصد الحديث بل القصد هو تحذير الأمّة من اتباع عادات الجاهلية والانسياق خلف دعاواها الباطلة ومع هذا التحذير النبوي الشريف؛ نرى كثيرًا من الناس متأثرين بالعصبية القبلية حتى أصبحت حديثاً سامرهم وشغل شاعرهم".

  ويؤكد المؤلف على أنَّ عصبية اليوم امتداد لعصبية الأمس وأن العصبية القبلية الحاضرة ماهي إلاّ بقايا لعصبية الجاهلية الغابرة حيث مظاهرها هذه تكاد ألا تختلف عن سابقتها. 

ويعدد المؤلف أبرز مظاهر العصبية القبلية في العصر الحديث كالفخر بالأحساب و كالطعن في الأنساب. حيث يقول المؤلف:" لا يزال كثير من الناس تدور بينهم المفاخرة بالآباء والأجداد والتغني بمآثرهم وأمجادهم وأصالة أنسابهم أوعظم أحسابهم والتعالي بذلك على من يَعُدُّهم أقلَّ منهم نسبًا وحسبًا وريادة وسيادة.  

أمثلة حيّة

 ويذكر المؤلف أمثلة حيّة على الطبقية في الجزيرة العربية تحديدًا؛ جاء المثال الأول في المجتمع اليمني والثاني من نجد. وقد اختار المؤلف هاتين المنطقتين تحديدًا؛ لأنها من أكثر المجتمعات العربية تمسكًا بالأعراف القبلية؛ فإن اتخاذهما مثلين واضحين كما يؤكد المؤلف يغني عن تناول كثير من المجتمعات العربية؛ لأن التقاليد القبلية متشابهة.

  ويستعرض المؤلف الطبقات والشرائح الاجتماعية في اليمن على أساس موقعها في السلم الاجتماعي من الأعلى إلى الأسفل وهذه الطبقات هي: طبقة السادة. طبقة المشايخ. طبقة القبائل. طبقة الضَّعفة والمساكين.

ويذكر المؤلف أبرز مكاسبهم الاجتماعية؛ حيث يحظى بالاحترام والتقدير إما من حيث أعمالهم فهو الوساطة بين الأطراف المتنازعة؛ إضافة إلى تعليم العلوم الدينية أما بخصوص علاقات الزواج فثمَّة قواعد يجب على أفراد السادة مراعاتها وتنفيذها بدقة وهذه القواعد تقوم أساسًا على الزواج الداخلي؛ فالسيد أو الشريف لا يتزوج إلا بسيدة أو شريفة والعكس صحيح.

أما بخصوص علاقات الزواج فليس هنالك ما يلزم بالاقتصار على الزواج بين أفراد هذه الطبقة وإن كان محبذًا ومرغوبًا للمحافظة على المستوى الاجتماعي...

أما طبقة القبائل فيعد النظام القبلي والحياة القبلية في اليمن ظاهرة تاريخية وسياسية واجتماعية ولهذا النظام القبلي سمات وخصائص تميز بها ومن أهمها بحسب المؤلف: النزعة المطلقة للقبيلة وشيخها والاحتكام للأعراف القبلية وضرورة وجود شيخ ( رئيس) تصدر عن رأيه واحتقار الأنشطة والأعمال اليدوية وعلى وجه الخصوص الحرفية والمهنية منها.  أما ما يتعلق بأعمالهم فقد ارتبطت منذ زمن بعيد بالأرض وأصبحت تمارس الزراعة والرعي فهم ما زالوا يعتزون بأنسابهم ويفاخرون بها وينأون بأنفسهم عن العمل في الأعمال المحتقرة . أما علاقات الزواج فلا تختلف عن طبقة المشايخ.  أما طبقة الضعفة والمساكين أو ما يسمى بـ(الطبقة المتدنية) فهي فئة مغلوبة على أمرها فمعظم أفراد شرائح هذه الطبقة إما أنّهم ليسوا من القبائل أصلاً وإما أنهم فقدوا أنسابهم فلا يعرفون إلى أي القبائل ينتمون أو أنهم هبطت مكانتهم الاجتماعية بسبب خروجهم على الأعراف والتقاليد إما بزواج من شريحة متدنية أو امتهان حرفة محتقرة. ويقسم المؤلف هذه الطبقة إلى عدة شرائح من أبرزها: شريحة القَرَار والصناع وأصحاب الحرف والمهن التقليدية والعبيد (الرقيق) وشريحة الأخدام.

العقبة الكؤود

ويخلص المؤلف أن المسألة الأكثر ثباتًا بين الفئات الاجتماعية المكوِّنة للنظام الاجتماعي القبلي والتي تُعدُّ العقبة الكؤود في سبيل الانفتاح الاجتماعي والتلاقح الطبقي هي(مسألة الزواج) حيث إن الزواج بين المراتب المختلفة ما زال– حتى بين صفوف المتعلِّمين– طاهرة قليلة الحدوث.

وينتقل المؤلف إلى المثال الثاني وهو عن الطبقيَّة في نجد حيث يقسم المؤلف المجتمع في هذه المنطقة إلى فئات ثلاث: القَبِيليون والخَضِيرِيون، والموالي .