الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية (2)

الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

الأعراف والعادات القبلية

المخالفة للشريعة الإسلامية

(2)


المقدمة:

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمدّاً عبدُه ورسوله، صلّى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:


فهذه رسالة مختصرة في «العادات، والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية»، بيّنت فيها العادات، والأعراف التي تضادّ الشريعة السمحة، وبيَّنتُ حكمها بالأدلة، وذكرت أقوال العلماء المحققين في ذلك؛ وذلك في خمسة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: العادات والأعراف القبلية المخالة للشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: الأدلة على تحريم الحكم بالعادات المخالفة للشرع.

المبحث الثالث: أقوال العلماء الراسخين في العلم في العادات القبلية.

المبحث الرابع: حكم من حكم بالعادات، والأعراف القبلية الجاهلية.

المبحث الخامس: الفتاوى المحققة في تحريم الأعراف، والعادات الجاهلية القبلية.


واللَّهَ تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله مباركاً نافعاً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العليّ العظيم، وصلَّى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.


أبو عبد الرحمن

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في يوم الجمعة 18/ 7/ 1433- 18/7/ 1433

 

♦   ♦   ♦


المبحث الثاني: الأدلة الساطعة على تحريم الحكم بالأعراف، والعادات الجاهلية القبلية

الدليل الأول: قول اللَّه - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا [56].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «هذا إنكار من اللَّه - عز وجل -، على من يدّعي الإيمان بما أنزل اللَّه على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب اللَّه وسنة رسوله»، ثم ذكر - رحمه الله - سبب نزول الآية، ثم قال: «والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا»[57].


وقال السعدي - رحمه الله -: «يُعجِّبُ تعالى عباده من حالة المنافقين. ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ﴾ مؤمنون بما جاء به الرسول، وبما قبله، ومع هذا ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وهو كل من حكم بغير شرع اللَّه فهو طاغوت.


والحال أنهم ﴿قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع اللَّه، وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم اللَّه، فهو كاذب في ذلك، وهذا من إضلال الشيطان إياهم؛ ولهذا قال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عن الحق»[58].


الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا[59].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال مجاهد، وغير واحد من السلف: أي: إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله.


وهذا أمر من اللَّه - عز وجل - بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[60]، فما حكم به كتاب اللَّه وسنة رسوله، وشهدا له بالصحة، فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي: ردّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، فدلّ على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً باللَّه، ولا باليوم الآخر.


وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلاً...»[61].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «...أمر - سبحان وتعالى - بردِّ كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى اللَّه وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أي: إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب اللَّه، وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما.


فالرد إليهما شرط في الإيمان؛ فلهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، فدلّ ذلك على أن من لم يردّ إليهما مسائل النزاع؛ فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الردّ إلى اللَّه ورسوله ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾؛ فإن حكم اللَّه ورسوله أحسن الأحكام، وأعدلها، وأصلحها للناس في أمر دينهم، ودنياهم، وعاقبتهم»[62].


الدليل الثالث: قول اللَّه تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَا[63].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكَّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كُليّاً من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَــبَعًا لَمَّا جِئْتُ بِهِ»[64]»[65].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «... أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن.


فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان، فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها، فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له، فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين»[66].


الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[67].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «ينكر اللَّه تعالى على من خرج عن حكم اللَّه المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شرٍّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللَّه، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [جنكيز خان]، الذي وضع لهم السّياق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره، وهواه، فصارت في بنيه شرعًا مُتَّبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله، فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير، قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم اللَّه يعدلون. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من اللَّه في حكمه لمن عَقل عن اللَّه شرعه، وآمن به، وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء»[68].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفيطلبون بتوليهم، وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل اللَّه على رسوله، فلا ثَمَّ إلا حكم اللَّه ورسوله، أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل، والظلم، والغي؛ ولهذا أضافه اللَّه للجاهلية، وأما حكم اللَّه تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى.


﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين، ويميّز بإيقانه ما في حكم اللَّه من الحسن والبهاء، وأنه يتعيّن عقلاً وشرعاً اتّباعه، واليقين: هو العلم التام الموجب للعمل»[69].


الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[70].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هو الحاكم فيه بكتابه، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[71]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: الحاكم في كل شيء، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع إليه في جميع الأمور»[72].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: فكما أنه تعالى الرب، الخالق، الرازق، المدبر، فهو تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم»[73].


الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[74].


وقد روي عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» فقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[75].


قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبداللَّه بن عباس، وغيرهما في تفسير: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنهم اتبعوهم فيما حلَّلوا وحرّموا.


وقال السدي: استنصحوا الرجال، وتركوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرّم الشيء فهو الحرام، وما حلله حلَّ، وما شرعه اتّبع، وما حكم به نفذ.


﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى، وتقدس، وتنزه عن الشركاء، والنظراء، والأعوان، والأضداد، والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه»[76].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾، وهم علماؤهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي: العُبَّاد المتجردين للعبادة ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع، والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها، وكانوا أيضاً يُغلون في مشايخهم، وعُبّادهم، ويُعظِّمونهم، ويتخذون قبورهم أوثاناً تعبد من دون اللَّه، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة»[77].


وقد قال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل اللَّه، أو تحليل ما حرم اللَّه، فقد اتخذهم أرباباً من دون اللَّه»[78].


وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟»[79].


وقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد»[80].


وقال الإمام مالك - رحمه الله -: «ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه، إلَّا صاحب هذا القبر»، وأَشار إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -[81].


وقال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: «مَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتَرْنَا، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ»[82].


وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: «عجبتُ لقومٍ عرَفوا الإسنادَ وصحَّته، يذهبون إلى رأي سفيان، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[83]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنةُ: الشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله، أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلِك»[84].


الدليل السابع: حديث جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: «... أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ...» [85].


قال الإمام النووي - رحمه الله -: «في هَذِهِ الْجُمْلَة إِبْطَال أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة، وَبُيُوعهَا الَّتِي لَمْ يَتَّصِل بِهَا قَبْض، وَأَنَّهُ لَا قِصَاص فِي قَتْلهَا، وَأَنَّ الْإِمَام وَغَيْره مِمَّنْ يَأْمُر بِمَعْرُوفٍ، أَوْ يَنْهَى عَنْ مُنْكَر، يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ، وَأَهْله، فَهُوَ أَقْرَب إِلَى قَبُول قَوْله، وَإِلَى طِيب نَفْس مَنْ قَرُبَ عَهْده بِالْإِسْلَامِ[86].


الدليل الثامن: إجماع علماء الإسلام على تحريم الحكم بالأعراف، والعادات القبلية الجاهلية المخالفة المضادة لكتاب اللَّه العزيز، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن من فعل ذلك فقد أتى منكراً عظيماً، وجرماً كبيراً، وإثماً مبيناً، وضلالاً بعيداً.


قال الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز - رحمه الله -: «... وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير اللَّه أحسن من حكم اللَّه، أو أن هدي غير رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أحسن من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر، كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال»[87].


(يتبع)

[56] سورة النساء، الآية: 60.

[57] تفسير القرآن العظيم، 4/ 138.

[58] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 198.

[59] سورة النساء، الآية: 59.

[60] سورة الشورى، الآية: 10.

[61] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 4/ 137.

[62] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 198.

[63] سورة النساء، الآية: 65.

[64] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، 1/ 12، برقم 15، والبغوي في شرح السنة، برقم 104، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول للحكيم الترمذي، 4/ 116، والبخاري في رفع اليدين في الصلاة معلقاً، ص 46، والخطيب البغدادي، 4/ 368، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: «حسن غريب»، والإبانة الكبرى، لابن بطة، 1/ 387، وقد صححه النووي في آخر الأربعين النووية.

[65] تفسير القرآن العظيم، 4/ 140.

[66] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 299- 200.

[67] سورة المائدة، الآية: 50.

[68] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 5/ 251- 252.

[69] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 258.

[70] سورة الشورى، الآية: 10.

[71] سورة النساء، الآية: 59.

[72] تفسير القرآن العظيم، 12/ 260.

[73] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 887.

[74] سورة التوبة، الآية: 31.

[75] البيهقي في السنن الكبرى، 10/ 116، والطبراني في المعجم الكبير، 17/ 92، برقم 218، والطبري في تفسيره، 14/ 210، برقم 16632، وبنحوه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، برقم 3095، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 13/ 96.

[76] تفسير القرآن العظيم، 7/ 179- 180.

[77] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 381- 382.

[78] كتاب التوحيد، الباب الثامن والثلاثين.

[79] لم أجده بهذا اللفظ إلا عند شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 20/ 215، وابن قيم الجوزية، زاد المعاد، 2/ 195، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، كما سبق، وله شاهد عند أحمد، 5/ 228، برقم 3121، بلفظ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ب قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»، وهو في الأحاديث المختارة للضياء المقدسي، 4/ 204، وضعفه محققو المسند، وله شاهد عند الطبراني. وهو عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، 2378، والخطيب في الفقيه والمتفقه، ص 379 من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أُرَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به.

[80] الجامع لابن عبد البر، 2/ 32، وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين، 2/ 325.

[81] مختصر المؤمل، ص 66، ونهاية المحتاج شرح المنهاج، (11/ 231)، وفي سير أعلام النبلاء، 8/ 93 بلفظ: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِه، وَيُتْرَكُ، إِلاَّ صَاحِبَ هَذَا القَبْرِ - صلى الله عليه وسلم - »، ومثله البداية والنهاية، لابن كثير، 14/ 160.

[82] تاريخ الإسلام للإمام الذهبي، 9/ 310 والوافي بالوفيات، للصفدي، 1/ 86، وطبقات الحنفية، ص 418، وانظر: فتح المجيد، ص 457.

[83] سورة النور، الآية: 63.

[84] أورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم، 2/ 348، والسنن والمبتدعات، ص 55.

[85] مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم 1218.

[86] شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 182.

[87] مجموع فتاوى ومقالات الإمام ابن باز، 1/ 269.