الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية (3)

الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

الأعراف والعادات القبلية

المخالفة للشريعة الإسلامية

(3)


المقدمة:

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمدّاً عبدُه ورسوله، صلّى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:


فهذه رسالة مختصرة في «العادات، والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية»، بيّنت فيها العادات، والأعراف التي تضادّ الشريعة السمحة، وبيَّنتُ حكمها بالأدلة، وذكرت أقوال العلماء المحققين في ذلك؛ وذلك في خمسة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: العادات والأعراف القبلية المخالة للشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: الأدلة على تحريم الحكم بالعادات المخالفة للشرع.

المبحث الثالث: أقوال العلماء الراسخين في العلم في العادات القبلية.

المبحث الرابع: حكم من حكم بالعادات، والأعراف القبلية الجاهلية.

المبحث الخامس: الفتاوى المحققة في تحريم الأعراف، والعادات الجاهلية القبلية.


واللَّهَ تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله مباركاً نافعاً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العليّ العظيم، وصلَّى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.


أبو عبد الرحمن

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في يوم الجمعة 18/ 7/ 1433- 18/7/ 1433

 

♦   ♦   ♦

المبحث الثالث: أقوال العلماء الراسخين في العلم في تحريم الحكم بالأعراف والعادات الجاهلية القبلية

العلماء منذ عصر النبوة يحذرون الناس من الحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، ويحذرونهم أيضاً من التحاكم إلى الأعراف والعادات الجاهلية القبلية، فكل عالم بالكتاب والسنة ينهى ويحذر عن ذلك التحاكم إلى غير كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (ت 728هـ): «ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل اللَّه على رسوله، فهو كافر، فمن استحلّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل اللَّه فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم؛ بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها اللَّه - سبحان وتعالى - كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر؛ فإن كثيراً من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل اللَّه، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل اللَّه، فهم كفار»[88].


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أيضاً: «... أما من كان ملتزماً لحكم اللَّه ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى، واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة»[89].


2- قال العلامة ابن القيم (ت 751) - رحمه الله -: «...لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب، والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء، والقياس، والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى رُبِّي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير». إلى أن قال - رحمه الله -: «إذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت، وراياتها قد نصبت، وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض واللَّه خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة الناس اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة...»[90].


وقال ابن القيم - رحمه الله - أيضاً: «والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل اللَّه يتناول الكفرين: الأصغر، والأكبر، بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل اللَّه في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً؛ مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم اللَّه تعالى، فهذا كفر أكبر.


وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطئ له حكم المخطئين»[91].


3- قال الإمام ابن كثير (ت 774هـ) - رحمه الله -: «... فما حكم به كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشهدا له بالصحة، فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، فدلّ على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً باللَّه، ولا باليوم الآخر»[92].


4- قال الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ)- رحمه الله -: «الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه اللَّه، ومن عُبِدَ وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل اللَّه»[93].


5- العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ- رحمه الله - (ت 1292هـ) سئل - رحمه الله -: «عمَّا يحكم به أهل السوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد، هل يطلق عليهم بذلك الكفر بعد التعريف... إلخ؟


فأجاب - رحمه الله -: «من تحاكم إلى غير كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد التعريف، فهو كافر....»[94].


6- قال العلامة حمد بن عتيق- رحمه الله - (ت 1301هـ) عند هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[95] بعد ذكر قول ابن كثير - رحمه الله -، قال: «قلت: ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شابههم، من تحكيم عادات آبائهم، وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يسمونها (شرع الرفاقة) يقدمونها على كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله»[96].


7- قال العلامة سليمان بن سحمان (ت 1349هـ)- رحمه الله -: «الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة؛ والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم، فإن كثيرا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام، قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر اللَّه باجتنابه.


ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه[97]، وابن كثير في تفسيره[98]: أن من فعل ذلك فهو كافر باللَّه، زاد ابن كثير: يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله»[99].


وقال ابن سحمان أيضاً: «وما ذكرناه من عادات البوادي، التي تسمى (شرع الرفاقة) هو من هذا الجنس، من فعله فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله، فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير»[100].


8- قال الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في عهده، (ت 1389هـ) - رحمه الله -: «... بلغنا بسبب شكوى الربادي أنه موجود من بعض الرؤساء ببلد الرين من يحكم بالسلوم الجاهلية، فساءنا ذلك جداً، وأوجب علينا الغيرة لأحكام اللَّه وشرعه؛ لأن ذلك في الحقيقة حكم بغير ما أنزل اللَّه...»، ثم قال - رحمه الله -: «يتحتم على ولاة الأمور التأديب البليغ لكل من ارتكب هذه الجريمة التي قد تفضي إلى ما هو أكبر إثماً من الزنا والسرقة؛ لأن كل من خالف أمر اللَّه، وأمر رسوله، وحكم بين الناس بغير ما أنزل اللَّه متبعاً لهواه، ومعتقداً أن الشرع لا يكفى لحل مشاكل الناس، فهو طاغوت قد خلع ربقة الإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن...»[101].


9- قال الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز (ت 1420هـ) - رحمه الله -: «...اللَّه سبحانه له الخلق والأمر، وهو أحكم الحاكمين، ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم اللَّه ورسوله، أو تماثله وتشابهه، أو أجاز أن يحل محلها الأحكام الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقداً بأن أحكام اللَّه خير، وأكمل، وأعدل، فالواجب على عامة المسلمين، وأمرائهم وحكامهم، وأهل الحل والعقد فيهم: أن يتقوا الله عز وجل ويحكموا شريعته في بلدانهم وسائر شؤونهم...»[102].


وقال - رحمه الله -: «... في إحياء العادات القبلية، والأعراف الجاهلية ما يدعو إلى ترك التحاكم إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك المخالفة لشرع اللَّه المطهر». إلى أن قال - رحمه الله -: «... وبهذا يُعلم أنه لا يجوز إحياء قوانين القبائل وأعرافهم، وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها بدلاً من الشرع المطهر الذي شرعه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، بل يجب دفنها، وإماتتها، والإعراض عنها، والاكتفاء بالتحاكم إلى شرع اللَّه - سبحان وتعالى -، ففيه صلاح الجميع، وسلامة دينهم، ودنياهم، وعلى مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها من الدين، وما أنزل اللَّه بها من سلطان، بل يجب أن يردُّوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية...»[103].


10- الإمام عبد العزيز بن باز - رحمه الله - (ت 1420هـ).


11- العلامة عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - (ت 1415هـ).


12- العلامة عبد اللَّه بن قعود - رحمه الله - (ت 1426).


13- العلامة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الغديان (ت 1431هـ).


قالوا رحمهم اللَّه:

«... والمراد بالطاغوت في الآية: كل ما عدل عن كتاب اللَّه تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى التحاكم إليه: من نظم، وقوانين وضعية، أو تقاليد، وعادات متوارثة، أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن...»[104].


14- قال العلامة صالح بن فوزان بن عبد اللَّه الفوزان حفظه اللَّه: «... من حكم بغير ما أنزل اللَّه: هذا يعم كل حكم بغير ما أنزل اللَّه بين الناس في الخصومات، والمنازعات، حكم بينهم بالقانون، أو بعوائد البدو، والسلوم التي عليها البدو والقبائل، وأعرض عن كتاب اللَّه، هذا هو الطاغوت، يحكمون بغير ما أنزل اللَّه، ويدّعون أن هذا من الإصلاح، والتوفيق بين الناس، هذا كذب، الإصلاح لا يكون إلا بكتاب اللَّه، والتوفيق بين المؤمنين لا يكون إلا بكتاب اللَّه - عز وجل -...»[105].


وقال حفظه اللَّه: «...من أنواع الردة الحكم بغير ما أنزل اللَّه إذا اعتقد أن هذا أمر مباح، وأنه يجوز أن يحكم بالشريعة، ويجوز أن يحكم بالقوانين، ويقول: المقصود حل النزاعات، وهذا يحصل بالقوانين، ويحصل بالشريعة، فالأمر متساوٍ...» إلى أن قال:
«... فالذي يسوي بين حكم اللَّه وحكم الطاغوت - والطاغوت المراد به: كل حكم غير حكم اللَّه، سواء عوائد البادية، أو أنظمة الكفار، أو قوانين الفرنس، أو الإنكليز، أو عادات القبائل كل هذا طاغوت، وكذا تحكيم الكهان - فالذي يقول: إنهما سواء كافر، وأشد منه من يقول: إن الحكم بغير ما أنزل اللَّه أحسن من الحكم بما أنزل اللَّه، هذا أشد، فالذي يقول: الناس ما يصلح لهم اليوم إلا هذه الأنظمة، ما يصلح لهم الشرع، الشرع ما يطابق هذا الزمان، ولا يساير الحضارة، ما يصلح إلا تحكيم القوانين، ومسايرة العالم، تكون محاكمناً مثل محاكم العالم هذا أحسن من حكم اللَّه: هذا أشد كفراً من الذي يقول: إن حكم اللَّه وحكم غيره متساويان.


أما إذا حكم بغير ما أنزل اللَّه لهوىً في نفسه، أو جهل بما أنزل اللَّه، وهو يعتقد أن حكم اللَّه هو الحق، وهو الواجب، فهذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك كفر دون كفر»[106].


(يتبع)

[88] منهاج السنة النبوية، 5/ 83.

[89] منهاج السنة النبوية، 5/ 84.

[90] الفوائد، لابن القيم، ص 83- 84.

[91] مدارج السالكين، لابن القيم /، 1/ 336- 337.

[92] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/ 137.

[93] ثلاثة الأصول، للإمام محمد بن عبد الوهاب مع حاشيتها لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ص 98، وشرح ابن عثيمين لثلاثة الأصول في مجموع فتاويه، 6/ 156.

[94] الدرر السنية في الأجوبة النجدية، 10/ 426.

[95] سورة المائدة، الآية: 50.

[96] سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين والأتراك، لحمد بن عتيق، ص 37.

[97] انظر: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، 5/ 83.

[98] انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 5/ 251.

[99] الدرر السنية، 10/ 503.

[100] الدرر السنية، 10/ 505.

[101] فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم، 12/ 289.

[102] مجموع فتاوى ابن باز، 1/ 79.

[103] مجموع فتاوى ابن باز، 8/ 272- 274.

[104] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، 1/ 542.

[105] سلسلة شرح الرسائل للإمام محمد بن عبد الوهاب شرح العلامة صالح الفوزان، ص 302.

[106] سلسلة شرح الرسائل، ص 223- 225.