الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية (4)

الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

الأعراف والعادات القبلية

المخالفة للشريعة الإسلامية

(4)


المقدمة:

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمدّاً عبدُه ورسوله، صلّى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:


فهذه رسالة مختصرة في «العادات، والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية»، بيّنت فيها العادات، والأعراف التي تضادّ الشريعة السمحة، وبيَّنتُ حكمها بالأدلة، وذكرت أقوال العلماء المحققين في ذلك؛ وذلك في خمسة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: العادات والأعراف القبلية المخالة للشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: الأدلة على تحريم الحكم بالعادات المخالفة للشرع.

المبحث الثالث: أقوال العلماء الراسخين في العلم في العادات القبلية.

المبحث الرابع: حكم من حكم بالعادات، والأعراف القبلية الجاهلية.

المبحث الخامس: الفتاوى المحققة في تحريم الأعراف، والعادات الجاهلية القبلية.


واللَّهَ تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله مباركاً نافعاً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العليّ العظيم، وصلَّى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.


أبو عبد الرحمن

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في يوم الجمعة 18/ 7/ 1433- 18/7/ 1433


♦   ♦   ♦

المبحث الرابع: حكم من حكم بالعادات والأعراف الجاهلية القبلية


الحكم بالكفر ليس لأحد إلا اللَّه تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فمن كفَّره اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كفّرناه، ولأهمية هذا العنوان، وخطورته، فلا بد من التثبت، وعدم العجلة، ويكون ذلك على النحو الآتي:


أولاً: لا يحكم بالكفر على أحد إلا بدليل صريح من الكتاب والسنة، مع تحقق الشروط، وانتفاء الموانع.


قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وقال - عز وجل -: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[107].


وقال - عز وجل -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[108].


فقد وصف اللَّه - عز وجل - من لم يحكم بما أنزل: بالكفر، والظلم، والفسق.


وقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كفر دون كفر ما لم يستحله، فعن طاوس قال: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِى تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنْ المِلَّةٍ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[109].


وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله: «﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: من جحد ما أنزل اللَّهُ فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ»[110].


وقال سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، قال: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ»[111].


وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «...فالحكم بغير ما أنزل اللَّه من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حلَّه وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد»[112].


قال الإمام محمد بن إبراهيم - رحمه الله - مفتي الديار السعودية في عهده: «...سجّل اللَّه تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل اللَّهُ الكفرَ، والظلمَ، والفسوقَ، ومن الممتنع أن يُسمِّيَ اللَّهُ - سبحان وتعالى - الحاكم بغير ما أنزل اللَّه كافراً، ولا يكون كافراً، بل هو كافرٌ مطلقاً: إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد...».


ثم قَسَّم الكفر المخرج من الملة، وهو كفر الاعتقاد إلى ستة أنواع ذكرها، وقال في النوع السادس:

«...السادس: ما يَحْكُم به كثيرٌ من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يُسمُّونها (سلومهم) يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحضُّون على التحاكم إليه عند النزاع، بناء على أحكام الجاهلية، و إعراضاً ورغبة عن حكم اللَّه ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه».


ثم قال - رحمه الله -: «...وأما القسم الثاني من قسمي كُفر الحاكم بغير ما أنزل اللَّه، وهو الذي لا يُخرج من الملّة، فقد تقدّم أن تفسير ابن عباس - رضي الله عنهما -لقوله - عز وجل -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[113] قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله - رضي الله عنه - الآية: «كفر دون كفر»، وقوله أيضاً: «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه»، وذلك أن تَحْمِلَه شهوتُه وهواهُ على الحُكم في القضية بغير ما أنزل اللَّه، مع اعتقاده أنّ حُكمَ اللَّه ورسوله هو الحقّ، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى، وهذا وإنْ لم يُخْرجْه كُفرُه عن الملّة؛ فإنه معصية عُظمى، أكبرُ من الكبائر: كالزنا، وشُرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها؛ فإنّ معصيةً سمَّاه اللَّهُ في كتابه كُفْراً، أعظمُ من معصيةٍ لم يسمها كفراً، نسأل اللَّه أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقياداً، ورضاءً، إنّه وليّ ذلك والقادرُ عليه[114].


وقال شيخنا الإمام ابن باز- رحمه الله -: «ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس، وآراءهم، خير من حكم اللَّه، ورسوله، أو تماثله، وتشابهه، أو أجاز أن يحل محلها الأحكام الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقداً بأن أحكام اللَّه خير وأكمل وأعدل...»[115].


وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز - رحمه الله - يقول: من حكم بغير ما أنزل اللَّه فلا يخرج عن أربعة أنواع:

1- من قال أنا أحكم بهذا؛ لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر.


2- ومن قال أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.


3- ومن قال أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل اللَّه جائز، فهو كافر كفراً أكبر.


4- ومن قال أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل اللَّه لا يجوز، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمرٍ صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفراً أصغر، لا يُخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر[116].


ثانياً: خطورة الكفر والتكفير: يجب أن يُعلم أن الكفر والتكفير له خطرٌ عظيم؛ فإن المرتد له أحكامه على النحو الآتي:

1- لا يحل لزوجته البقاءُ معه، ويجب أن يُفَرَّقَ بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقَّن.


2- أنَّ أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنَّه لا يُؤتَمَن عليهم، ويُخشى أن يُؤثِّر عليهم بكفره، وبخاصة أن عُودَهم طريّ، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.


3- أنَّه فقد حق الولاية والنُّصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق منه، وخرج عليه بالكفر الصريح، والرِّدَّة البَوَاح.


4- أنَّه يجب أن يُحاكم أمام القضاء الإسلامي، ليُنفَّذَ فيه حكم المرتدِّ، بعد أن يُستتاب وتُزال من ذهنه الشبهات، وتُقام عليه الحجة.


5- أنَّه إذا مات على ردّته لا تُجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورِّث له قبله[117].


6- أنَّه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم.


وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدَّى للحكم بتكفير أحدٍ من المسلمين أن يتريَّث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول[118].


7- أنَّه لا يُدعَى له بالرَّحمة، ولا يُستغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَـهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْـجَحِيمِ[119].


قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -: «الكفر حق اللَّه ورسوله، فلا كافر إلا من كفَّره اللَّه ورسوله»[120].


نسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة.


(يتبع)


[107] سورة المائدة، الآيتان: 44- 45.

[108] سورة المائدة، الآية: 47.

[109] أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، 2/ 313، وقال الذهبي: «صحيح»، فوافق الحاكم على تصحيحه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، 8/ 20، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6 / 110.

[110] أخرجه ابن جرير في تفسيره، 10/ 357، برقم 12063، وذكره ابن كثير في تفسيره، 4/ 230، وخرجه المحقق لتفسير ابن كثير تخريجاً جيداً، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6 / 110.

[111] أخرجه ابن جرير في تفسيره، 10/ 355، برقم 12047، وذكره ابن كثير في تفسيره، 4/ 230110، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6 / 110.

[112] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 256.

[113] سورة المائدة، الآية: 44.

[114] مجموع فتاوى محمد بن إبراهيم، 12/ 288- 291.

[115] وجوب تحكيم شرع اللَّه ونبذ ما خالفه، ص 16، ومجموع فتاوى العلامة ابن باز، 1/ 79.

[116] سمعته في سؤال وجّه له أثناء محاضرة له بعنوان: «القوادح في العقيدة» في شهر صفر 1403هـ في الجامع الكبير بمدينة الرياض، وكنت من الحضور، وقد طبعت المحاضرة في رسالة مستقلة، ثم أضيفت في مجموع الفتاوى له /، 8/ 8- 27.

[117] انظر: فتاوى اللجنة الدائمة، 6/ 49.

[118] قُرأتها على معالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان، في 20/ 6/ 1417هـ، فأقرها.

[119] سورة التوبة، الآية: 113.

[120] إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص198.