الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية (5)

الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

الأعراف والعادات القبلية

المخالفة للشريعة الإسلامية

(5)


المقدمة:

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمدّاً عبدُه ورسوله، صلّى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:


فهذه رسالة مختصرة في «العادات، والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية»، بيّنت فيها العادات، والأعراف التي تضادّ الشريعة السمحة، وبيَّنتُ حكمها بالأدلة، وذكرت أقوال العلماء المحققين في ذلك؛ وذلك في خمسة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: العادات والأعراف القبلية المخالة للشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: الأدلة على تحريم الحكم بالعادات المخالفة للشرع.

المبحث الثالث: أقوال العلماء الراسخين في العلم في العادات القبلية.

المبحث الرابع: حكم من حكم بالعادات، والأعراف القبلية الجاهلية.

المبحث الخامس: الفتاوى المحققة في تحريم الأعراف، والعادات الجاهلية القبلية.


واللَّهَ تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله مباركاً نافعاً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العليّ العظيم، وصلَّى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.


أبو عبد الرحمن

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في يوم الجمعة 18/ 7/ 1433- 18/7/ 1433

 

♦   ♦   ♦

المبحث الخامس: الفتاوى في تحريم الحكم بالأعراف، والعادات القبلية

أولاً: فتاوى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في عهده - رحمه الله -:

1- الحكم بعادات الأسلاف والأجداد:

قال - رحمه الله -: «...إن من أقبح السيئات، وأعظم المنكرات التحاكم إلى غير شريعة اللَّه من القوانين الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد التي قد وقع فيها كثير من الناس اليوم، وارتضاها بدلاً من شريعة اللَّه التي بعث بها رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر، والظلم، والفسوق، وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن، وحذّر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم -»[121].


2- الحكم بالسلوم، والأعراف، والعادات القبلية الجاهلية

قال - رحمه الله -: «...السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. وبعد:

فقد بلغنا بسبب شكوى الربادي أنه موجود من بعض الرؤساء ببلد الرين من يحكم بالسلوم الجاهلية، فساءنا ذلك جداً، وأوجب علينا الغيرة لأحكام اللَّه، وشرعه؛ لأن ذلك في الحقيقة حكم بغير ما أنزل اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[122]، وقال في الآية التي بعدها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[123]، وفي آية أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ[124]، وقد انكر اللَّه سبحانه على من ترك التحاكم إلى شرعه المطهّر، وابتغى التحاكم إلى غيره من الآراء، والأهواء بقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[125]، فلا حكم أحسن، ولا أعدل من حكم اللَّه؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين، وهو العليم بمصالح عباده، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وأيضاً فإن اللَّه قد أمر عباده أن يكفروا بالطاغوت، وأنكر على من أراد التحاكم إليه، وأخبر أن ذلك من إضلال الشيطان لهم، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا[126]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[127]، فالواجب عليكم التنبه لهذا الأمر، والإنكار على من فعله، بل يتحتم على ولاة الأمور التأديب البليغ لكل من ارتكب هذه الجريمة التي قد تفضي إلى ما هو أكبر إثماً من الزنا، والسرقة؛ لأن كل من خالف أمر اللَّه، وأمر الرسول، وحكم بين الناس بغير ما أنزل اللَّه، متبعاً لهواه، ومعتقداً أن الشرع لا يكفي لحل مشاكل الناس، فهو طاغوت قد خلع ربقة الإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَــبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[128].


وقد يظن بعض الجهال أن التحاكم إلى السلوم فيه مصلحة، وهذا الظن فاسد؛ لأن ذلك مفسدة محضة، بل إفساد في الأرض؛ لأنه من أكبر معاصي اللَّه، وكل من عصى اللَّه في الأرض، فقد أفسد فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ[129]، وفقني اللَّه وإياكم لمعرفة الحق، واتباعه، وأعاذنا جميعاً من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، آمين. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

رئيس القضاة

(ص/ق 360 في 5/ 5/1380) [130]


3- حكم مساعدة المعتدي وتشجيعه بدفع الديات عنه، وحكم إجبار القبائل أفرادهم بدفع الأموال وبالتمسك بعوائدهم في أرش الجنايات والديات:
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية... وفقه اللَّه.


السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وبعد:

فقد جرى اطلاعنا على المعاملتين المبعوثتين إلينا منكم رفق خطاب سموكم، رقم 3299/ 6، وتأريخ / 7/86 تتعلق أولاهما بمطالبة شيخ شمل الحقوا إلزام قبائله بالتمسك بعوائدهم في أرش الجنايات، والديات، وتشتمل على خطاب فضيلة قاضي الحقو رقم 254، في 17/ 6/ 1386 هـ المتضمن اعتراضه على ما اتفقت عليه القبائل من التناصر، والتكاتف، والتعاون في دفع الديات، وأروش جنايات العمد، وإن ذلك لا يجوز شرعاً لمخالفته المقتضيات الشرعية، ولما فيه من مساعدة المعتدي، وتشجيعه على الاعتداء مادامت قبيلته تساعده، وتناصره، وتعينه في دفع ما يترتب عليه.


وتتعلق الأخرى بمطالبة مقبول بن... وأخيه سعد بالتخلي عن عوائد قبيلتهما من مساعدة المتزوجين وضيافة الضيوف ونحو هذه الأمور، وامتناعهما عن تسليم ما اتجه عليهما لقبيلتهما من هذه الأمور، وقد جاء في خطاب سموكم أن إمارة أبها، وإمارة السراة ارتأتا ضرورة إلزام مقبول بن فهد وأخيه سعد بالدخول مع جماعاتهم في عوائدهم، وعدم إفساح المجال لمثل هذه الطلبات، حيث إن إضاعتها إضاعة لهذه العوائد القبلية، وترون سموكم أن هذه العوائد قديمة، قد بدأ التذمر منها، فالإلزام بها، والحال أنها لم تكن طبق مقتضيات شرعية أمر لا مبرر له، إلى أخر ما ذكرتموه، وترغبون سموكم إبداء مرئياتنا تجاه هذه العوائد.


ونشعركم أنه بدراستنا للمعاملة الأولى بمطالبة شيخ شمل الحقو إلزام قبائله بالتمسك بعوائدهم السابقة، وبتتبعنا أوراقها، بما في ذلك خطاب قاضي الحقو المشار إليه، وإلى مضمونه أعلاه وجدنا أن ما قرره فضيلته صحيح، وأن مثل هذه العوائد من عوائد الجاهلية المبني كثيرٌ منها على الظلم، ومناصرة أهله، فيتعين إبطال هذه الاتفاقيات، والاقتصار على حكم اللَّه ورسوله.


وبدراستنا للمعاملة الثانية، وجدنا أن ما أشار إليه فضيلة قاضي السراة موجب خطابه رقم 174 في 6/ 3 /86 المتضمن عدم إجبار مقبول وأخيه سعد بتسليمهما ما ينوبهما من عوائد القبيلة صحيح، وأن ما أشارت إليه إمارتا السراة، وأبها من ضرورة إلزام مقبول وأخيه بما طولبا به غير صحيح، وأن ما أشرتم إليه سموكم من أن التمسك بهذه العوائد قد يطغى على مر الزمن على تعاليم ديننا الحنيف، وفي الشريعة الإسلامية ما يكفي لحماية الفرد والمجتمع، وأنه ليس في خروج هذين الفردين على عوائد قبيلتهما ما يعتبر خروجاً على جماعة المسلمين...


وعليه فأي عوائد قبيلة تمس مصالح المسلمين عامة، أو تهون العدوان عليهم، أو على أفرادهم، أو يكون فيها إلزام لأفراد أصحاب هذه العوائد بما لا يلزمهم شرعاً فهي باطلة، والإلزام بها فرع عن بطلانها، ونعيد إلى سموكم كامل الأوراق، واللَّه يحفظكم، والسلام.

مفتي الديار السعودية

(ص/ -ف 2065/ 1/ 23/ 4/ /1387 هـ) [131]


ثانياً: فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة في عهده - رحمه الله -:

1- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه:

قال - رحمه الله -: «...فهذه رسالة موجزة، ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع اللَّه، والتحذير من التحاكم إلى غيره، كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع اللَّه، والتحاكم إلى غير كتاب اللَّه وسنة رسوله، من العرّافين، والكهّان، وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي وأشباههم، جهلاً من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندة ومحادة للَّه ورسوله من آخرين، وأرجو أن تكون نصيحتي هذه معلمة للجاهلين، ومذكرة للغافلين، وسبباً في استقامة عباد اللَّه على صراطه المستقيم» إلى أن قال - رحمه الله -: «...ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس، وآراءهم خير من حكم اللَّه ورسوله، أو تماثله، وتشابهه، أو أجاز أن يحل محلها الأحكام الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقداً بأن أحكام اللَّه خير، وأكمل، وأعدل.


فالواجب على عامة المسلمين، وأمرائهم، وحكامهم، وأهل الحل والعقد فيهم: أن يتقوا اللَّه - عز وجل -، ويحكموا شريعته في بلدانهم، وسائر شؤونهم، وأن يقوا أنفسهم، ومن تحت ولايتهم عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، وأن يعتبروا بما حل في البلدان التي أعرضت عن حكم اللَّه...»


إلى أن قال - رحمه الله -: «...وأرجو ممن بلغته موعظتي هذه أن يتوب إلى اللَّه، وأن يكفّ عن تلك الأفعال المحرّمة، ويستغفر اللَّه، ويندم على ما فات، وأن يتواصى مع إخوانه، ومن حوله على إبطال كل عادة جاهلية، أو عرف مخالف لشرع اللَّه، فإن التوبة تجبُّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعلى ولاة أمور أولئك الناس وأمثالهم، أن يحرصوا على تذكيرهم، وموعظتهم بالحق، وبيانه لهم، وإيجاد الحكام الصالحين بينهم؛ ليحصل الخير بإذن اللَّه، ويكفّوا عباد اللَّه عن محادته، وارتكاب معاصيه، فما أحوج المسلمين اليوم إلى رحمة ربهم، التي يغير اللَّه بها حالهم، ويرفعهم من حياة الذل والهوان إلى حياة العز والشرف[132].


2- حول قوانين القبائل والدعوة إلى إحيائها:

الحمد للَّه رب العالمين، وصلّى اللَّه وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان، وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد:

فقد اطلعت على مقال منشور في جريدة عكاظ، في العدد (9842) الصادر في يوم الأربعاء، الموافق 24 محرم، 1414 هـ، حول: (قوانين القبائل، والدعوة إلى إحيائها)، فرأيت أن من الواجب الرد على هذا المقال، وبيان ما فيه من الخطر العظيم، والفساد الكبير؛ وذلك لأن في إحياء العادات القبلية، والأعراف الجاهلية ما يدعو إلى ترك التحاكم إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك المخالفة لشرع اللَّه المطهر.


ولوجوب النصيحة للَّه، ولعباده، أقول وباللَّه التوفيق:

يجب على جميع المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب اللَّه - سبحان وتعالى -، وسنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في كل شيء، لا إلى العادات، والأعراف القبلية، ولا إلى القوانين الوضعية، قال اللَّه - سبحان وتعالى -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[133]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا[134]، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[135].


وقال - عز وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[136]، فيجب على كل مسلم أن يخضع لحكم اللَّه ورسوله، وأن لا يقدم حكم غير اللَّه ورسوله - كائناً من كان - على حكم اللَّه ورسوله، فكما أن العبادة للَّه وحده، فكذلك الحكم له وحده، كما قال - سبحان وتعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[137].


فالتحاكم إلى غير كتاب اللَّه - سبحان وتعالى -، وإلى غير سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، بل قد يكفر المتحاكم إلى غير كتاب اللَّه، وسنة رسوله، إذا اعتقد حل ذلك، أو اعتقد أن حكم غيرهما أحسن، قال - صلى الله عليه وسلم -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[138].


فلا إيمان لمن لم يُحكِّم اللِّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في أصول الدين وفروعه، وفي كل الحقوق، فمن تحاكم إلى غير اللَّه ورسوله، فقد تحاكم إلى الطاغوت.


وبهذا يعلم أنه لا يجوز إحياء قوانين القبائل، وأعرافهم، وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها بدلاً من الشرع المطهر الذي شرعه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، بل يجب دفنها، وإماتتها، والإعراض عنها، والاكتفاء بالتحاكم إلى شرع اللَّه - سبحان وتعالى -، ففيه صلاح الجميع، وسلامة دينهم ودنياهم، وعلى مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها من الدين، وما أنزل اللَّه بها من سلطان، بل يجب أن يردوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية، وذلك لا يمنع الصلح بين المتنازعين بما يزيل الشحناء، ويجمع الكلمة، ويرضي الطرفين بدون إلزام على وجه لا يخالف الشرع المطهر؛ لقوله - سبحان وتعالى -: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ[139]، وقوله - عز وجل -: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ[140]، وقوله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ[141]، ولما ثبت عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»[142].


فالواجب الالتزام بكتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والتحاكم إليهما، والحذر مما يخالفهما، والتوبة النصوح مما سلف مما يخالف شرع اللَّه تعالى.


وفق اللَّه الجميع لما يحبه ويرضاه، وأعاذنا جميعاً من مضلات الفتن، ونزغات الشيطان، إنه سميع قريب.


وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه[143].


ثالثاً: تقرير العلامة صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان:

قال حفظه اللَّه تعالى: «...الذي يسوِّي بين حكم اللَّه وحكم الطاغوت، والطاغوت المراد به: كل حكم غير حكم اللَّه، سواءٌ عوايد البادية، أو أنظمة الكفار، أو قوانين الفرنس، أو الانجليز، أو عادات القبائل، كل هذا طاغوت، وكذا تحكيم الكهان، فالذي يقول: إنهما سواء كافر، وأشد منه من يقول: إن الحكم بغير ما أنزل اللَّه أحسن من الحكم بما أنزل اللَّه، هذا أشد، فالذي يقول الناس ما يصلح لهم اليوم إلا هذه الأنظمة، ما يصلح لهم الشرع، الشرع ما يطابق لهذا الزمان، ولا يساير الحضارة، ما يصلح إلا تحكيم القوانين، ومسايرة العالم، تحكون محاكمنا مثل محاكم العالم، هذا أحسن من حكم اللَّه، هذا أشد كفراً من الذي يقول: إن حكم اللَّه، وحكم غيره متساويان، أما إذا حكم بغير ما أنزل اللَّه لهوى في نفسه، أو جهل بما أنزل اللَّه، وهو يعتقد أن حكم اللَّه هو الحق، وهو الواجب، فهذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك كفر دون كفر»[144].


رابعاً: فتوى العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله -:

أجاب - رحمه الله - عن أمور سأل عنها بعض الناس تتعلق بعادات، وأعراف منكرة لبعض القبائل، والمجتمعات القبلية، وأحدثوها من عند أنفسهم ما أنزل اللَّه بها مسلطان، استحكمت على كثير منهم، فصارت من قوانينهم التي يتحاكمون إليها[145]، فقال - رحمه الله - في التحاكم إلى الأحكام العرفية، والقبلية، وترك التحاكم إلى الشرع المطهر:

«... وهذا منكر عظيم، بل بلغ الأمر في بعض القبائل، عقد ميثاق للقبيلة يسمونه: (المذهب) يسنون فيه أحكاماً لكل واقعة، مُخالفة لحكم اللَّه تعالى، ويسندون النظر في هذه الوقائع، وإنزال الأحكام، والأعراف عليها إلى شيخ القبيلة، أو حُكَّام ينتخبون من بينهم، ويلومون، ويقاطعون كُلَّ ‏من خرج عن هذا الميثاق الباطل، أو ذَهَب إلى المحاكم الشرعية، ويصفونه بأنه خارج عن (المذهب) أو ‏(قاطع مذهب) زاعمين جهلاً أن هذا ‏من الحفاظ على مجتمع القبيلة، وتسوية خلافاتها في محيطها، وفي هذا حماية للقبيلة وسمعتها، ووصل من الأبناء والأحفاد لموروث الآباء والأجداد.


‏وهذا من تلبيس إبليس عليهم، وإغوائه لهم، وتلاعبه بعقولهم؛ إذ أوقعهم في هذا المنكر العظيم، وهو ترك حكم اللَّه تعالى، والاعتياض عنه بهذه العادات، والأعراف الجاهلية، فاستبدلوا بذلك الذي هو أدنى بالذي هو خير، والباطل بالحق، والظلم بالعدل»[146].


خامساً: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في العادات القبلية:

1- حكم التحاكم إلى الأحكام العرفية عند مشايخ القبائل:

فتوى رقم (6216):

س: ما الحكم إذا تخاصم اثنان مثلاً، وتحاكما إلى الأحكام العرفية، فمثلاً يضع كل منهما معدالاً كما يسمونه، ويرضون من مشايخ القبائل من يحكم بينهما، ويجلسان بين يديه، ويبث كل منهما دعواه ضد الآخر، فإذا كانت القضية بسيطة حكم فيها بذبيحة على المخطئ يذبحها لخصمه، وإذا كانت القضية كبيرة حكم فيها (بجنبية)، أي كانوا في القدم يضربونه على رأسه بآلة حادة حتى يسيل دمه، ولكن اليوم تقدر (الجنبية بدراهم)، ويسمون هذا: صلحاً، وهذا الشيء منتشر بين القبائل، ويسمونه: مذهباً، بمعنى: إذا لم ترضَ بفعلهم هذا، فيقولون عنك: (قاطع المذهب)، فما الحكم في هذا يا فضيلة الشيخ؟


الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه... وبعد:

ج: يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية لا إلى الأحكام العرفية، ولا إلى القوانين الوضعية، وما ذكرته ليس صلحاً في الحقيقة، وإنما هو تحاكم إلى مبادئ وقواعد عرفية؛ ولذا يسمونها: مذهباً، ويقولون لمن لم يرض بالحكم بمقتضاها: إنه قاطع المذهب، وتسميته صلحاً لا يخرجه عن حقيقته من أنه تحاكم إلى الطاغوت، ثم الحكم الذي عينوه من الذبح أو الضرب بآلة حادة على الرأس، حتى يسيل منه الدم ليس حكماً شرعياً.


وعلى هذا يجب على مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بهذه الطريقة، ويجب على المسلمين ألا يتحاكموا إليهم إذا لم يعدلوا عنها إلى الحكم بالشرع، واليوم -وللَّه الحمد- قد نصب ولي الأمر قضاة يحكمون بين الناس، ويفصلون في خصوماتهم بكتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويحلون مشكلاتهم بما لا يتنافى مع شرع اللَّه تعالى، فلا عذر لأحد في التحاكم إلى الطاغوت بعد إقامة من يتحاكم إليه من علماء الإسلام، ويحكم بحكم اللَّه سبحانه.


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب رئيس اللجنة

الرئيس

عبد الله بن قعود

عبد الله بن غديان

عبد الرزاق عفيفي

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[147]


2- التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية: تثليث الدم، والضرب بالجنبية، والحكم بالمنصوبة:

الفتوى رقم (16894):

س: نرفع لسماحتكم معروضنا هذا، ونفيدكم فيه بأن القبائل التي تستوطن الطائف وضواحيها، وهم قبيلة قريش، وبنو سفيان، وطويرق، والنمور، وقبيلة هذيل التي تستوطن وادي نعمان، تسيطر على هذه القبائل جميعاً الأحكام العرفية، وما يسمونه بالمذهب العربي، وهو عبارة عن قوانين جاهلية، لا تخضع للشريعة، ومن أمثلة ذلك: قانون تثليث الدم، بحيث إذا ضرب إنسان، وقُدِّر دمه بعشرة آلاف مثلاً؛ فإن صاحب هذا الدم، لا يحصل إلا على ثلاثة آلاف فقط، وفقاً لقانون تثليث الدم السائد عندهم، حيث يخصم منه ثلث للفراش، وهي الوليمة التي يجتمعون عليها، والثلث الثاني يهمل، ويهدر حسب القانون، والثلث الباقي يسلم لصاحب الدم.


ومن أمثلة ذلك: أنهم يحكمون بالجنابي، وهي أن يضرب الرجل رأسه بالجنبية حتى يسيل الدم، ويستمر ضرب رأسه، والدم يسيل حتى يقول خصمه كلمة (أبيض)، وفي هذه الأيام يتحايلون على قضية الجنابي، ويقولون: نحن نحكم بثمن الجنابي، ولا داعي للاعتراض، كما يقولون بأننا نقدِّر الجنبية بألف ريال، أو بأكثر، أو أقل، وعندهم أيضاً ما يسمونه (بالأسيَّة)، وهو قانون سائد لديهم، وهو أن يشرعوا لكل حادثة أحكاماً، مثل: عليك يا فلان خمس من الغنم، أو ست جنابي، أو ثمنها في حادثة من الحوادث، وغداً تقبل مني مثل هذا الحكم المذكور، ويتذرعون بأن الشرع لا يمنعهم من تطبيق عادات آبائهم، وأجدادهم التي يفخرون بها، ويجلّونها، ويعظمونها... وقد يلاقي المنكر عليهم نبذاً، وهجراً، ولو استطاعوا أن يفعلوا الأفاعيل لما ترددوا.


نأمل من سماحتكم إفتاءنا في هذه الأمور فتوى مكتوبة، ولا سيما أن بعض العامة ينقلون عن سماحتكم أموراً لا ندري مدى ثبوتها.


وهذه الأمور المذكورة، يا سماحة الشيخ، عبارة عن واقع تعيشه هذه القبائل، والذين يتولّون التحكيم رجال ليسوا مؤهلين شرعاً، بل هم من العامة. فما حكم الإسلام في تثليث الدم، وفي الجنابي، أو في ثمنها، أو في الأسيَّة، وبقية ما ذكرنا؟ وهل يباح الحضور، والأكل من وليمة الفراش المذكورة أعلاه؟ وعندهم أيضاً ما يسمى بالمنصوبة، وهي ذبيحة، أو أكثر تفرض على المخطئ، ويذهب بها إلى بيت المُخطى عليه. فهل يجوز حضورها والأكل منها؟ وما حكم الرضا بما يفرضه القضاة من العامة المعروفين؟

ج: الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية امتثالاً لأمر اللَّه جل وعلا في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ[148]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[149]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[150]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[151]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[152].


ويحرم على المسلمين التحاكم إلى الأحكام العرفية، والمبادئ القبلية، والقوانين الوضعية؛ لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه، وقد أمرنا اللَّه بالكفر به في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا[153]، ولا يحل لمشايخ القبائل الحكم بين الناس بما تمليه الأعراف والمبادئ القبلية، والواجب عليهم إرشاد من جاءهم بأن يذهب إلى القضاة في المحاكم الشرعية، الذين ولاهم إمام المسلمين للحكم بين الناس بالشرع المطهر.


وما ذُكر من الحكم بالجنابي، أو ثمنها، أو تثليث الدم، أو الحكم بالأسيَّة أو المنصوبة، فكل هذه ليست أحكاماً شرعية، وإنما هي من الأحكام القبلية التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ولا يجوز الأكل من الطعام المسمى بـ(طعام الفراش)؛ لأنه مبذول بغير طيب نفس، ولا يجوز حضورها، ولا الرضا بها.


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

عضو

الرئيس

بكر أبو زيد

عبد العزيز آل الشيخ

صالح الفوزان

عبد الله بن غديان

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[154]


3- أيمان الوسيَّة، وذبح الغنم في الحكم القبلي من باب التعزير:

الفتوى رقم (18545):

س: يوجد لدينا في المنطقة الجنوبية ما يسمى بـ: (أيمان الوسية)، وهذه الأيمان تحلّ وتفصل كثيراّ من المشاكل والخلافات بين الأفراد والقبائل، فمثلاً عندما يحدث نزاع في أراضٍ، أو إصابات وجراحات، أو اعتداء رجل على شجرة لشخص، أو إصابة ابنه بجرح على أثر مضاربة ونحوها، أو وقعت غنمه على مزرعة شخص، فأكلت من مزرعته، فيحلف المعتدي، أو وليه، أنه لو كان في محل المصاب أو المعتدى عليه، أو المعتدى على ملكه، أنه لا يطالب بشيء، فيقول: (واللَّه العظيم، إنه لو كان حصل هذا الخطأ منك يا صاحب الشجر، أو يا صاحب الغنم، أو يا صاحب الولد، أنني أسامحك، ولا أطالبك بشيء)، هذه صفة أيمان الوسية. وهناك يا فضيلة القاضي مسألة أخرى، وهي تعزير من يحصل منه خطأ لا حد فيه من الأخطاء السابقة، وذلك بذبح شاة، أو شاتين، أو أكثر للقبيلة، أو الجماعة في القرية الواحدة، وهذا أيضاً يحل إشكالاً كثيراً بالرضا بين أطراف النزاع. فما حكم هاتين المسألتين؟

ج: أولاً: ما يسمى بأيمان الوسيَّة، وصورتها: أنه إذا اعتدى شخص على آخر في نفسه أو ماله، فيحلف المعتدي، أو وليه، أنه لو كان في محل المصاب، أو المعتدى على ملكه أنه لا يطالبه، هي عمل منكر، وإلزام للناس بحكم لم يوجبه اللَّه، ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالواجب على من ابتلوا بهذه الأيمان تركها، وهجرها، والاعتياض عن ذلك، بما هو مشروع من الصلح بين المتنازعين برضاهما، أو التحاكم إلى القضاة في المحاكم الشرعية.


ثانياً: تعزير المعتدي، أو المخطئ بقدر ما ارتكبه من الاعتداء، أو الخطأ؛ تأديباً له، وتطييباً لخاطر المعتدى عليهم، بذبح شاة، أو شاتين للقبيلة، هذا تأديب ممن لا يملكه شرعاً، ثم هو قدر زائد على العقوبات التعزيرية التي مردها إلى القضاء، لا الأعراف القبلية، فلا يجوز فعل ذلك.


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد الله بن غديان

عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[155]


4- حكم اللاذة، والعدالة في أعراف بعض القبائل:

الفتوى رقم (18561)، وتاريخ 3/ 2/ 1417هـ:

س: نحن نواب قبائل آل وائلة بتهامة عسير، نقوم بالنظر في بعض القضايا، وذلك بقصد ردع أفراد القبيلة، وسعياً في تخفيف المشاكل، وهي كالآتي:

1- اللاذة:وهي أنه إذا حصل خصومة بين شخصين: أحدهما يطلب حقه من الآخر، فالذي عليه الحق يستليذ بشخص آخر، ويقوم الأخير بردع صاحب الحق، ويطلب منه عدم مطالبة الشخص الذي لاذ به، وإذا عاد صاحب الحق، وطالب بحقه من خصمه مرة ثانية، فإن المليذ يثور باثني عشر رأساً من الغنم، يسلمها للشخص الذي لاذ به، ثم يعود المليذ، فيذهب مع صاحب الحق الأول إلى النائب، ويلزمه النائب بتسليم اثني عشر رأساً من الغنم للمليذ، فلا أخذ صاحب الحق حقه، وألزم بدفع اثني عشر رأساً من الغنم من جراء مطالبته بحقه.


2- عدالة: إذا حصلت قضية طعن بسكين، أو إطلاق[156] على شخص، فإن المعتدي والمعتدى عليه يجلسون عند نائب القبيلة، ويتولى النظر في قضيتهم، ليفض النزاع على النحو الآتي:

يقوم النائب بقوله: أنا سأحكم بينكما بشرط أن تقبلوا حكمي، ويمسحوا على لحاهم، قابلين بحكمه مهما كان، ثم يحكم على الطاعن، أو الضارب بما يراه من عشر إلى خمسمائة رأس من الغنم، ويقبل هذا الحكم، وينفذه كل منهما.


قضايا الحدود:

السرقة: عند قيام شخص بسرقة رأس من الغنم، فحين التعرف عليه؛ فإنه يلزم بدفع اثني عشر رأساً من الغنم، نكالاً له، وردعاً لغيره.

فهل يعتبر نظرنا في مثل هذه القضايا من الحكم بغير ما أنزل اللَّه؟ أفتونا ووجهونا، بارك اللَّه فيكم.

ج: ما ذكر في السؤال من عادات وأعراف قبلية، هي أحكام جاهلية، لا يجوز التحاكم إليها، والرضا بها، والواجب على المسلمين أينما كانوا التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، ونبذ الأحكام المخالفة لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ[157]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[158]، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[159].


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد الله بن غديان

عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[160]


5- عقر الإبل، والغنم في عادات بعض القبائل:

الفتوى رقم (19915):

س: أتوجه إلى سماحتكم بهذا السؤال، راجياً من اللَّه أن يدلّكم ويلهمكم الإجابة الصائبة عليه، وهو: أن مجموعة من ذوي الرأي في بلد إسلامي، ما لا يوجد لديهم حاكم شرعي، فكونوا لجنة لإصلاح ذات البين لفض الخصومات، والمنازعات التي تنشب بين قبيلتين أو أكثر، ولكن من العادات السائدة والتقاليد، أنهم يذهبون إلى القبيلة المظلومة، أو إلى الجميع، ويحملون معهم رأساً، أو أكثر من الإبل، أو البقر، أو غيرها من بهيمة الأنعام، فإذا وصلوا إلى الخصوم عقروها عندهم؛ تطييباً لخواطرهم، ولو ذهبوا بشيء من المال، وإن كثُر، لا تقف الفتنة إلا بالفعل الذي تقدم آنفاً، وهو العقر. فما حكم الشرع في هذا العقر؟ وإذا كان حراماً؛ فإن أصحاب هذه اللجنة قد اشتروا جملاً بما يقارب خمسة وأربعين ألفاً، وجعلوها غرامة على كل عضو من أعضاء اللجنة، وبعض الأعضاء فقير، وطلبوا منا، أي نحن المغتربين، المساعدة، مع العلم أنهم جاهلون بالحكم الشرعي في ذلك. فهل يجوز لنا مساعدتهم في قيمة هذا الجمل الذي سبق، ونخبرهم أن تكرار هذا الفعل لا يجوز؟ نرجو الإجابة الشافية.

ج: اللَّه تبارك وتعالى أمر أهل الإيمان بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ عَقْرَ فِي الإِسْلاَمِ»[161]، وذلك لإبطال أمر الجاهلية الذين يفعلون كفعلكم، ومن المعلوم أن فض الخصومات، والإصلاح بين المسلمين من أعظم أنواع البر والإحسان، لكن هذا العرف المذكور، وهو الالتزام بذبح شيء من بهيمة الأنعام، وأن ذلك هو طريق الإصلاح، وإرضاء القبيلة المتنازعة، هو عرف فاسد، لا يجوز فعله، ولا الاستمرار عليه؛ لكونه من أمر الجاهلية، ولأنه إيجاب أمر على العباد، لم يوجبه اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون وراءه اعتقاد في الذبح لغير اللَّه، فيكون ذريعة للشرك باللَّه تعالى، كما أن هذه الالتزامات تثير البغضاء، والشحناء، والأحقاد بين الناس، وبناء على ذلك، فيجب ترك هذه التقاليد، والأعراف المخالفة للشرع المطهر.


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد الله بن غديان

عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[162]


6- المعدال، والخاتمة، ومنع العاني، ومعقد الحق، ومسح اللحى، والملفى عادات قبلية:

الفتوى رقم (20510):

س: إننا من قبائل تسكن في مكة المكرمة وأطرافها، ويجاورنا قبائل أخرى، ويوجد لدينا عادات، وأحكام قبلية نتحاكم إليها عند الخلافات، والنزاعات، وإنني ومجموعة من أفراد القبيلة في خوف ووجل من ذلك، نخشى أن نكون بذلك نتحاكم إلى غير ما أنزل اللَّه، وأردنا أن ننكرها ونغيرها، وإن أصرت القبيلة عليها نخرج عن دائرتهم، ونقاطعهم، ولكن أعدنا النظر، فوجدنا في ظاهر الأمر أن في هذه العادات والأحكام مصالح، وحل نزاعات، ودرء لمفاسد، وحقن دماء، وحفظ حقوق، هذا ما نراه في ظاهر الأمر.. واللَّه أعلم، وخشينا أن ننكرها، ونغيرها بغير علم، فيفوت ما فيها من المصالح، ويصعب عودة القبيلة إليها، فقررنا أن نوضح لكم صورة هذه العادات والأحكام، فإن كانت تخالف أحكام الشرع المطهر، فسنبادر إن شاء اللَّه بالانتهاء عنها، وتحذير الناس منها، وإن وجد فيها ما فيه مصلحة، ولا يخالف الشرع، فنرجو توضيحه، وتوضيح ما يخالف الشرع لتغييره. علماً أن القبيلة تفيد بأن عدم إقبالها على التحاكم في المحاكم الشرعية الحكومية ليس اعتراضاً على حكم الشرع، ولكن لأسباب، منها ما يلي:

1- البادية يشق عليهم مراجعة المحاكم، والدوائر الحكومية باستمرار، وإجراءات الروتين قد تستغرق شهوراً، أو سنوات.


2- الخوف من أحكام تعزير قاسية، مثل السجن لمدة طويلة.


3- بعض الخصوم يتفنن في المماطلة، والتلاعب، والتحايل، واستغلال ثغرات الروتين، فتستمر القضية لفترة طويلة، قد تصل إلى سنوات، ولكن البادية، والقبيلة يبتون في الموضوع في وقت قصير.


توضيح صورة العادات والأحكام القبلية: إذا حدث نزاع، أو مشكلة بين طرفين، يطلب المتضرر، أو شيخه (الخاتمة) من المتسبب، أو من شيخه، فيدفع المتسبب، أو شيخه (معدال)، وهو مبلغ من المال، أو شيء ثمين يبقى مع المتضرر حتى يتم (مقعد) الحق، والحكم في القضية، والفصل فيها، ويعطي المتضرر، أو شيخه (عاني)، وهو تعهد، والتزام بعدم اتخاذ أي فعل انتقام، أو شكوى حكومية، حتى يتم مقعد الحق، والفصل في القضية، وقد يكون العاني لدرء الفتنة، وهو في حالة نشوب قتال بين أفراد أو قبائل، وفي لحظة الاشتباك يقوم الذي يريد الخير بأخذ عانٍ من الطرف الأول، وعانٍ من الطرف الثاني، وهذا عبارة عن هدنة، ومنع للحدث، ووقف للقتال، يعني كل صاحب عانٍ مسؤول عن منع قبيلته، ولو بالقوة، من أي تعدٍ بعد العاني، وأي ضرب، أو تعدٍّ بعد العاني يكون بصمة عارٍ في حق صاحب العاني، وبهذا يتم وقف الفتنة، حتى يجتمع كبار القبيلتين للمناقشة، وحل القضية.


مقعد الحق: يقوم المتضرر بتكاليف الفراش، والعشاء للحكم في القضية، ثم يدفع المتسبب التكاليف، إذا ثبت أنه هو المخطئ، يتم ترشيح قاضيين، أو أكثر للحكم في القضية، ليسوا من أهل العلم الشرعي، ولا طلبة علم، ولكن معروفين بالعقل، والخبرة، والحكمة، والأمانة، والفطنة. علماً بأنه لا يوجد من أفراد القبيلة علماء، ولا طلبة علم، عُرفوا بالتدخل، أو المشاركة لحل مثل هذه القضايا، يكفل المدعي والخصم، ويمسحان لحيتيهما، ويقول كل منهما: في وجهي، وذلك على تنفيذ الحكم الصادر، وعدم المعارضة، إلا في حالة واحدة، وهي أن يتيقن بأن الحكم غير عادل، ففي هذه الحالة يرفض الحكم، ويقدم معدال للقضاة، ثم ترفع القضية لقضاة آخرين، قد يكونون من غير القبيلة، فيميزون في الحكم، فإن وافقوه فيلزم بتنفيذ الحكم، ويكلف بحكم آخر للقضاة جزاء الطعن في حكمهم، وإن كان حكم القضاة فعلاً غير عادل، فيحكم بغيره، ولا شيء للقضاة، يقوم المدعي بعرض دعواه، ويجيب الخصم، ثم ينظر القضاة إن كانت الدعوى لا تستوجب شيئاً تسقط الدعوى، وإن كانت تستوجب حكماً، فينظرون إن كان لها قضية سابقة مماثلة، ولها حكم سابق عندهم يحكمون بمثله، وإن لم يكن لها قضية مماثلة، وليس لها حكم سابق عندهم، يحكمون بما يرونه مناسباً (ويتواسون على الحكم، بأن لو حدث مثل هذه القضية مرة أخرى، يقبلون بنفس الحكم)، ويسمى ذلك (أسيَّة). علماً بأن هناك أحكاماً تم التواسي عليها، والتحاكم بها، وعندما ظهر أنها تخالف الشرع، عدل عنها قضاة القبيلة؛ لمخالفتها للشرع.


بعض الأحكام التي يحكم بها:

1- إن كانت القضية تعدياً بضرب، تقدر الإصابات بمبلغ من المال، ويدفع للمتضرر (أرش).


2- تؤخذ البينة من المدعي، وإلا فاليمين على من أنكر.


3- إذا كانت القضية سباً، أو شتماً، أو استخفافاً، أو إهانة، يحكم بمبلغ من المال، أو مبلغ وملفى، والملفى هو: (خروف يعمل عليه وليمة، يجتمع عليها الوجهاء في منزل المعتدى عليه، تشريفاً له، ورد اعتبار)، ولا يخطر ببال أحد الطرفين أن ذلك ذبح لغير اللَّه، وقد يحصل أن يقوم المسيء بأن يلفي المساء إليه تكريماً له، وبدون حكم، بل من طيب نفس حتى تطيب نفس المساء إليه.


4- يضاعف الحكم إذا كان المعتدى عليه جاراً، أو رحيماً، أو صاحباً بالجنب.


نرجو منكم إفادتنا خطياً؛ حتى نتمكن من التوضيح لمشايخ القبيلة، وأعيانها، عسى اللَّه أن ينفع بها. وجزاكم اللَّه خير الجزاء.


ج: يجب التحاكم إلى شرع اللَّه في كل شيء، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[163]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[164]، وقوله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[165]، ولا يجوز التحاكم إلى عوائد القبائل ونحوها؛ لأن هذا من التحاكم لغير ما أنزل اللَّه، بل يجب عليكم التحاكم عند قضاة المحاكم الشرعية.


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد الله بن غديان

عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[166]


7- الملفى على المعتدى عليه من عادات القبائل:

الفتوى رقم (18543):

س: يحصل فيما بين أفراد القبائل سوء تفاهم، حيث يقوم بعض الأشخاص من أفراد القبيلة في حالة الغضب بالمضاربة فيما بينهم، فيحصل بينهم دم، وأثناء القضية يقوم الشيخ، وأعيان القبيلة بما يسمى: (الملفى) على الشخص المعتدي للمعتدى عليه، والإصلاح فيما بينهما، وأخذ ذبيحة، أو ذبيحتين لتقديمها للمصاب وجماعته، ومعها بعض من النقود. هل هذا أي ما يسمى بالملفى جائز على القبيلة تدفعه بالتساوي، أم على الشخص الذي عمل المضاربة؟


ج: هذا العمل إذا كان من باب الإصلاح بين المتنازعين، وبرضا واختيار المعتدى عليه، فلا بأس به، وفاعله، والساعي فيه مأجور على ذلك إن شاء اللَّه، أما إذا كان هذا العمل من باب الإيجاب والإلزام للمعتدي، وإن لم يرضَ عُدَّ ذلك خرقاً لعادات القبيلة، فهذا أمر منكر، وإيجاب لشيء لم يوجبه اللَّه على عباده، فلا يجوز العمل به، بل الواجب الرجوع في كل المنازعات، والخصومات إلى المحاكم الشرعية؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[167]، وقوله جل شأنه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[168].


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله بن باز[169]


8- حكم الإصلاح بين الناس بالعادات القبلية:

السؤال الثالث من الفتوى رقم (20845):

س3: فضيلة الشيخ: ما حكم إصلاح الناس بغير حكم القرآن والحديث، إذا كان يُسكِّن فتنة دم، أو يقطع المخاصمة.

ج 3: إذا كان الإصلاح بين الناس يترتب عليه ارتكاب محرم، أو التحاكم إلى القوانين الوضعية المخالفة لكتاب اللَّه وسنة رسوله، فإن ذلك لا يجوز؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[170]، فيجب على من يصلح بين الناس أن يصلح بينهم بالعدل، ويحملهم على اتباع الحق، وترك الظلم، والعفو عن خصمه بأسلوب حسن، وكلام طيب، وقد يكون الإصلاح بين الناس بدفع المال لأحد المتخاصمين أو كليهما، كدفع الزكاة للغارمين، أو دفع المال لهم، أو لغيرهم من غير الزكاة، إذا رأى أن المال أنفع، وأجدى من الكلام، وله الأجر والثواب على ذلك. وعلى من يصلح بين الناس أن يتقي اللَّه في عمله، ولذلك بدأ اللَّه بالتقوى قبل إصلاح ذات البين، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[171]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا[172] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[173].


وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

الرئيس

بكر أبو زيد

صالح الفوزان

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ[174]


9- أخذ الثأر من غير الجاني من العادات الجاهلية المحرمة:

فتوى رقم (22479) وتاريخ 17/8/ 1423هـ:

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد:

فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي- رحمه الله - ناصر بن عايض آل إدريس، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (7541)، وتاريخ 16/ 7/ 1423هـ، وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: إننا سماحة المفتي من قبائل إذا حدث فيها حوادث شجار، أو اعتداءات عمدٍ حدث فيها إراقة دماء (دون القتل)؛ فإنه يحدث عندنا من العادات: إنه إذا اعتدى الجاني على المجني عليه، وأراق دمه، فإن أهل المجني عليه يقومون بأخذ الثأر من أحد أفراد أسرة الجاني الأبرياء، حتى ولو لم يكن لهذا البريء علاقة بهذه الحادثة، علماً أن الجهات الأمنية من الإمارة، والشرطة قد قامت بدورها في هذه الحوادث، فما الحكم في هذه العادة المنتشرة بين الناس عندنا؟ وما توجيه سماحتكم في ذلك، سماحة المفتي: إننا طلبة العلم في قبائلنا نرى هذه الأمور منتشرة بين الناس عندنا؟ ونود معرفة الأحكام الشرعية في هذه المسائل، لتوعية الناس بدينهم، ونشر هذه الأحكام بينهم رغبة في الأجر والثواب، واللَّه يحفظكم ويرعاكم.


وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن العادة المسؤول عنها عادة محرمة تتعين محاربتها، والإنكار على من يعمل بمقتضاها؛ لأن قتل غير القاتل، أو الاعتداء عليه فيما دون النفس، وإن كان من أقرب أقربائه من عادات الجاهلية، وهو من أشد أنواع الاعتداء؛ ولأن هذا القريب لم يرتكب ما يبيح دمه، أو الاعتداء عليه فيما دون النفس، وجناية قريبة ينحصر أثرها عليه، ولا يتعداه إلى غيره، يقول - عز وجل -: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[175]، وهذه الآية عامة تندرج تحت عمومها المسألة المسؤول عنها، ويقول عليه الصلاة والسلام في شأن قتل غير القاتل من قبل أولياء المقتول: «إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، أَوْ قَتَل غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْل الْجَاهِلِيَّةِ». أخرجه الإمام أحمد في مسنده، و ابن حبان في صحيحه[176]، ويجب القصاص على من قتل غير القاتل متى توفرت شروطه، والمرجع في التمكين من استيفاء القصاص إلى ولي الأمر؛ لأن استيفاء القصاص دونه افتيات عليه.


وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم،،،،


عضو

عضو

عضو

عضو

عضو

الرئيس

صالح بن فوزان الفوزان

عبد اللَّه بن
عبد الرحمن الغديان

عبد اللَّه بن محمد المطلق

عبد اللَّه بن علي الركبان

أحمد بن علي سير المباركي

عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ


10- التحاكم إلى مقطع حق، وأخذ المثارات، ودين الخمسة فأكثر، والغرم عادات جاهلية:

فتوى رقم (23211)، وتاريخ 19/ 2/ 1426هـ:

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... وبعد:


فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة الرئيس العام من المستفتي- رحمه الله - فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن المطلق القاضي بمحافظة يدمه، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم 5927، وتاريخ 24/ 10/ 1425هـ، وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: فلا يخفى على شريف علمكم ما ينتشر في المنطقة الجنوبية من بلاد الحرمين من عادات وأعراف قبيلة تتضمن الكثير من المخالفات الشرعية، والتحاكم لغير شرع اللَّه، وذلك بسبب النظام القبلي الذي يُخيِّم على تلك المنطقة، لذا ومن هذا المنطلق، وبراءة للذمة، فإنا نكتب لسماحتكم أن يصدر بها فتوى من الهيئة الدائمة للإفتاء، وبعثها إلينا، لنتمكن من طباعتها، ونشرها بين الناس.


وقد جاء بيان عن بعض هذه الأعراف والعادات مرفق بالخطاب المذكور آنفاً، ونصه: التحاكم إلى بعض العارفين بالأحكام القبلية، ويسمى (المقرع)، (الحق)، (عراف القبائل) فمثلاً: لو حضر عند ذلك المقرع الأخصام أخذ عليهم قبل الحكم ضمانات على أن يقبلوا بحكمه، كأن يأخذ على ذلك كفلاء، أو يرهن بنادق الأخصام عنده، ثم يسمع منهم، ويحلفهم الأيمان، ويسمع شهادات الشهود عند الاقتضاء، ويحكم بعد ذلك، وإن لم يقبلوا بحكمه أصبح خصماً لمن لم يقبل عند (مقرع حق) أعلى درجه منه، ويصبح عدم القبول سبة على صاحبه، علماً بأن الذهاب لهؤلاء المحكمين قد يكون برضاء الطرفين واتفاقهم، وقد يكون بطلب طرف، ويلزم الطرف الآخر اجتماعياً بقبول التحاكم لهذا المقرع.


ومما ينبغي الإشارة إليه أن هؤلاء الطرفين لا يقرون بأن ما يقومون به حكم، وإنما يرو أنه صلح، وأنه يقطع كثيراً من النزاعات، ويحفظ كثيراً من الشرور.


المثارات:

هي جمع مثار، وله عدة أنواع، منها: مثار العاني، والمراد بالعاني: القريب من جهة الأم، كالخال، وأبنائه، وأبناء الخالات، فإذا كنت مثلاً من قبيلة، وأخوالي من قبيلة أخرى، واعتدى أحد من قبيلة على خالي، أو أحد أبنائه، فلا بد أن أقوم بأخذ الثأر له، والمثار عبارة عن مبلغ مالي أقوم بأخذه من الجاني، أو عصبته يتراوح بين (15000)، أو أكثر، وأعطيه لخالي كرد اعتبار له، فإذا فعلت ذلك قال: «بيض اللَّه وجهك» علماً بأن هذا المبلغ لا علاقة له بأرش الجناية، ولا يعدّ صلحاً في القضية، وإنما رد اعتبار للخال، ثم للمجني عليه أن يصلح مع الجاني، أو يقتص منه، وفي حال رفض الجاني، أو أقاربه دفع المثار لي تحدث مشكلة بيني وبينهم، قد تصل إلى سفك الدماء.

مثار الجار:

وهو فيما لو اعتدى على جاري، ولم أتمكن من نصرته بيدي، فلا بد من أن أخذ مبلغ مالي من الجاني، أو أقاربه، وأعطيه له، كرد اعتبار لكونه جاري، ثم بعد ذلك هو حر في إنهاء المشكلة التي بينه وبينهم.


مثار الخوي:

وهو قريب من السابق، ولكن يكون فيما لو كنت مسافراً، أو راكباً مع شخص أو هو راكب، أو ماشٍ معي، واعتدي عليه، ولم أتمكن أن أقوم بنصرته بيدي لصغر سن أو نحو ذلك، فلا بد أن أدخل في الموضوع، وأطالب الجاني وأقاربه بدفع مبلغ مالي لخويي كرد اعتبار.


دين الخمسة أو العشرة أو يزيد:

وهو نوع من الأيمان يقوم بتحليفه الأشخاص الذين يتحاكمون إليهم الناس لإنهاء نزاعاتهم، وذلك في حال لو كانت هناك قضية سابقة؛ جناية مثلاً من شخص على آخر، وانتهت بصلح معين، فإنه يؤخذ كفلاء على الأطراف بانتهاء القضية، وعدم قيام أحد الأطراف بالاعتداء على الآخر.


فإذا حصل بعد هذا الصلح أن اعتدى طرف على آخر، وتحاكموا لشيخ القبيلة، أو ما يسمونه (الحق) في عرفهم، فإنه يأخذ عدد من أقارب المعتدي، يتوقف على عددهم على نوع القضية، ويبدأ العدد من خمسة ومضاعفاتها إلى أربعة وأربعين في حال حدوث قتل، ويقوم بعمل دائرة في الأرض بحسب عددهم، ويدخل من سيحلف فيها، ثم يحلفهم الأيمان المغلظة بأنهم لم يغروا الجاني على الجناية، ولم يعلموا بها، ولم يرضوا بها، ولهم في التحليف صيغ منها أن يقول الحالف: (حرية بربرية تقطع المال، والذرية، أننا لا أهرينا، ولا أغرينا، ولا رضينا، ولا همينا، ولا تمالينا في هذه الجناية إلى آ خره...).


الغرم:

وهو فيما لو حكم على الجاني من قبل من يسمى (الحق)، وهو من نصب نفسه للحكم بين الآخرين بالأحكام القبلية، وحكم على أحد الخصوم بغرم مالي، فيلزم قبيلته أن تعينه في دفع هذا الغرم، ويوزع الغرم على رجال القبيلة بالتساوي، ويضاف إلى الغرم المثار الذي سبق بيانه.


وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن ما ذكر من الحكم والتحاكم إلى الأحكام العرفية، والمبادئ القبلية، كالثارات، ودين الخمسة، أو العشرة، والغرم وغيرها، كل هذه ليست أحكاماً شرعية، وإنما هي من الأحكام القبلية التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ويحرم على المسلمين التحاكم إليها، لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه، وقد أمرنا اللَّه بالكفر به في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا[177].


ولا يحل لمشايخ القبائل، ولا لغيرهم الحكم بين الناس بما تمليه الأعراف والمبادئ القبلية السابق ذكرها، بل الواجب عليهم أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية امتثالاً لأمر اللَّه - عز وجل - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[178]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[179]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[180]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[181].


والواجب على الجميع التحاكم إلى شرع اللَّه المطهر، واللَّه ولي التوفيق.


وصلى اللَّه على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم،،،


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

عضو

عضو

الرئيس

صالح بن فوزان الفوزان

عبد اللَّه بن عبد الرحمن الغديان

عبد الله بن محمد المطلق

عبد الله بن علي الركبان

أحمد بن علي سير المباركي

عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد آل الشيخ


11- الإلزامات المالية ووضعها في صندوق القبيلة

فتوى رقم 18982، وتاريخ 19/ 7/ 1417هـ:

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... وبعد:


فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي- رحمه الله -عوض بن سعيد المالكي، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (2571)، وتاريخ 13/ 5/1417هـ، وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: (برفق هذا الكتاب صورة اتفاق أفراد القبيلة على التعاون على تحمل الدماء، وذلك ما يسمى بالتأمين التعاوني، وقد ذكر في بنود عددها (15) بنداً، أرجو من سماحتكم الاطلاع عليها، مع بيان ما يحل منها، وما لا يحل، وهل هذا العمل سائغ في الجملة).


وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:

بالنظر في الاتفاقية المذكورة تبين أنها مشتملة على إلزامات مالية لكل فرد يجب الوفا ء بها، وجزاءات غير شرعية يجب الخضوع لها، ولما كانت هذه الإلزامات غير شرعية، وتحدث البغضاء، والشحناء، والأحقاد، والفرقة بين أفراد القبيلة الواحدة، فالواجب الابتعاد عن هذه الاتفاقيات الملزمة، والمشتملة على ما ذكر؛ لأن من مقاصد الشريعة المطهرة سد الذرائع الموصلة إلى إثارة الشحناء، والبغضاء، والفرقة بين المسلمين؛ ولأنه من المقرر شرعاً أنه لا يحل أخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، والإجبار على ذلك منافٍ لهذا الأصل. وبالله التوفيق.


وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم...


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

عبدالله بن عبدالرحمن الغديان

بكر بن عبد اللَّه
أبو زيد

صالح بن فوزان الفوزان

عبدالعزيز بن
عبد اللَّه بن محمد آل الشيخ

عبد العزيز بن
عبد اللَّه بن باز


12- صندوق القبيلة، وإلزام الناس به، والفرق بينه وبين الدية على العاقلة:

فتوى رقم (22400) وتاريخ 19/ 5/ 1423هـ:

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... وبعد:


فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز أمير منطقة عسير برقم 47612، وتاريخ 11/ 8/ 1422 هـ، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (2078)، وتاريخ 15/ 8/ 1428هـ بشأن اتفاقية جماعة بني علي ناهس شهران على إنشاء صندوق تعاوني خاص بهم، وطلب سموه دراسة الاتفاقية المذكورة، وإصدار فتوى حولها، وقد جاء في كتاب سموه ما نصه: (إشارة لخطاب رئيس مركز يعرى المكلف رقم 1144 في 24/ 5/ 1422هـ بشأن الأوراق المتعلقة بدعوى/ راشد بن علي جرمان ضد النائب/ سعد سعيد جرمان ورفقاه في موضوع صندوق لقبيلته، وحيث إنه بإحالة الأوراق لفضيلة قاضي محكمة يعرى أصدر الحكم المحرر في 23/ 11 /1421هـ، والمصدق من محكمة التمييز بالقرار رقم 37/ 3 في 10/ 1/ 1422هـ المتضمن إفهام المدعي أن دعواه غير مسموعة شرعاً لعدم تحريرها لفقد صفة الشرعية في تحريرها، وعند إحالة القضية للجهات المختصة لتنفيذ ما صدر حيالها، فقد حضر/ راشد علي جرمان، وقرر بتاريخ 7/ 5/ 1422هـ بأن دعواه ضد الاتفاقية والصناديق التي تخالف الشريعة، ويطلب بإنفاذ خطاب هذه الإمارة رقم 55567 في 22/ 9/ 1421هـ، وبناء على ذلك أعيدت هذه الأوراق للإمارة بخطاب رئيس مركز يعرى المشار إليه أعلاه المفيد بأنه سبق وأن صدر أمرنا التعميمي رقم 369 س في 29/ 12/ 1420هـ المشار فيه إلى أنه سبق أن رفعت قضية مماثلة لسمو وزير الداخلية في موضوع صندوق جماعة أخرى عليه معارضات، ورأى سموه في خطابه رقم 12792 في 5/ 3/ 1420هـ إحالة ذلك الموضوع وما صدر عليه من فتاوى لسماحة المفتي رقم 82 س في 8/ 6/ 1420هـ المتضمنة بأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية درست الاتفاقية، وتبين لها أن على بعض تلك الاتفاقية ملاحظات شرعية، ومنها الاشتمال على إلزامات مالية، وهذه غير جائزة شرعاً لما تفضي به من الشحناء، والفرقة، والقاعدة الشرعية تنص على سد الذرائع الموصلة إلى أي شحناء، وبدراسة هذه الأوراق من قبل الجهة المختصة بالإمارة، أرتئي أنه من المستحسن عرض أوراق هذه القضية على سماحتكم لدراسة اتفاقية الصندوق التعاوني الخاص بجماعة بني علي ناهس المؤرخة في 11/ 2/ 1420هـ والشروط الملحقة بها، وإصدار فتوى شرعية حول إمكانية الإبقاء على هذا الصندوق من عدمه في ظل الإلحاح المتزايد من المطالبين بإلغائه حتى رصد عدد لفات هذه القضية إلى أكثر من مائتين وخمسين لفة.


لذا نأمل من فضيلتكم دراسة الاتفاقية، والشروط الملحقة بها، وإصدار فتوى تبين ما إذا كانت تلك الاتفاقية وشروطها جائزة شرعاً، وقد تم تزويد الجهة المختصة بهذه الإمارة بصورة من خطابنا هذا للتعميم على جميع المحافظات، ورؤساء المراكز، ومشايخ القبائل، والنواب بعدم وضع أختامهم على اتفاقيات الصناديق التعاونية لئلا تأخذ تلك الاتفاقيات الصيغة الرسمية، ومن ثم يراها البعض موافقة، وهي في الأصل مخالفة لما رآه سمو وزير الداخلية بمنعها درءاً للمشاكل وفق ما أشير إليه في تعميمنا رقم 396 س في 29/ 12/ 1420هـ.


وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنها اطلعت على اتفاقية صندوق قبيلة بني علي ناهس، وما أرفق بها، وقد ظهر لها أن على هذه الاتفاقية ملحوظات، منها:

1 - ورد في بند (أولاً) من الاتفاقية عبارة: (فيكون دفعها على عموم القبيلة بالتساوي ممن يحمل البطاقة)، وهذه العبارة محل نظر؛ لأنها واردة في تحمل الدية التي تجب على العاقلة، والشأن فيما يجب على العاقلة أن الأقرب إلى الجاني يتحمل أكثر من الأبعد، وأن الفقير لا يتحمل شئياً، وكذلك المرأة، ومن بلغ مكلفاً يشترك في العقل، وإن لم تكن معه بطاقة.


2 - ورد في بند (ثانياً): (أي شخص من القبيلة يتحمل مبلغاً مالياً في دم، نتيجة إهمال، أو إدانة في أي قضية غير مخلة بالشرف، وثبت ذلك شرعاً، فتتحمل القبيلة ما نسبته 70 %)، وهذا النص مخالف لما هو متقرر عند الفقهاء من أن العاقلة تتحمل الدية كاملة في قتل الخطأ، وشبه العمد، والدم عند الإطلاق ينصرف إلى القتل.


3 - ورد في بند (ثالثاً) عبارة: (يستبعد من هذه الاتفاقية من يتحمل مبالغ... وكذلك من اعتدى على أحد أفراد القبيلة... )، واستثناء من تعدى على أحد أفراد القبيلة خطأ، لا وجه له، إذ لا فرق في تحمل العاقلة بين ما إذا كان المقتول خطأ، أو شبه عمد من أفراد القبيلة، أو من غيرهم.


4 - ورد في بند (خامساً) عبارة: (والصندوق كعاقلة ملزمة للقبيلة)، يرد على هذه العبارة أمران:

الأول: أن جعل الصندوق كالعاقلة غير صحيح؛ لأن الاشتراك في الصندوق أمر اختياري، بينما وجوب الدية على العاقلة أمر لا اختيار فيه.


الثاني: جعل الصندوق ملزماً لأفراد القبيلة لا وجه له؛ لأنه إلزام لهم بما لم يلزمهم به الشرع.


وبناء على ما ذكر فإن هذه الاتفاقية غير صالحة للعمل بها على وجهها الحالي، ويتعين في أي اتفاقية من هذا النوع أن يكون الدخول فيها اختيارياً، وأن لا يلحق من لم يدخل فيها أذى، أو مقاطعة من القبيلة، وأن لا تفرض غرامات تأخير على من تأخر في الدفع، وأن تكون مواردها، ومصارفها شرعية، وباللَّه التوفيق.


وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

عضو

الرئيس

عبد الله بن علي الركبان

أحمد بن علي سير المباركي

عبد الله بن محمد المطلق

عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ


واللَّه أسأل، أن يجعل هذا العمل مقبولاً عنده، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من انتهى إليه.

وصلى اللَّه على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.



[121] مجموع فتاوى ابن إبراهيم، 12/ 259.

[122] سورة المائدة، الآية: 44.

[123] سورة المائدة، الآية: 45.

[124] سورة المائدة، الآية: 47.

[125] سورة المائدة، الآية: 50.

[126] سورة النساء، الآية: 60.

[127] سورة النساء، الآية: 65.

[128] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم 15، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول للحكيم الترمذي، 4/ 116، وتقدم تخريجه.

[129] سورة البقرة، الآيتان: 11- 12.

[130] مجموع فتاوى ابن إبراهيم، 12/ 282.

[131] مجموع فتاوى ابن إبراهيم، 12/ 284.

[132] انظر: مجموع فتاوى ابن باز، 1/ 72، 1/ 79، 1/ 181.

[133] سورة الشورى، الآية: 10.

[134] سورة النساء، الآية: 60.

[135] سورة المائدة، الآية: 50.

[136] سورة النساء، الآية: 59.

[137] سورة يوسف، الآية: 40.

[138] سورة النساء، الآية: 65.

[139] سورة النساء، الآية: 128.

[140] سورة النساء، الآية: 114.

[141] سورة الأنفال، الآية: 1.

[142] أخرجه أبو داود، كتاب القضاء، باب في الصلح، برقم 3594، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب الصلح، برقم 2353، والحاكم (4/ 101، والبيهقي في السنن الكبرى، 6/64، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3862.

[143] مجموع فتاوى الإمام ابن باز، 8/ 272- 274.

[144] سلسلة شرح الرسائل، ص 223- 225.

[145] هذا التمهيد مقتبس من كلامه / من مقدمة الفتوى الجامعة في التنبيه على العادات والأعراف القبلية، ص 5.

[146] فتوى جامعة في التنبيه على بعض العادات والأعراف القبلية المخالفة للشرع المطهر، للعلامة بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، نشر مؤسسة الرسالة، ص 8- 9.

[147] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى، 1/ 545.

[148] سورة المائدة، الآية: 49.

[149] سورة المائدة، الآية: 44.

[150] سورة المائدة، الآية: 45.

[151] سورة المائدة، الآية: 47.

[152] سورة النساء، الآية: 65.

[153] سورة النساء، الآية: 60.

[154] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 369- 372.

[155] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 379.

[156] أي: إطلاق النار.

[157] سورة المائدة، الآية: 49.

[158] سورة النساء، الآية: 59.

[159] سورة المائدة، الآية: 50.

[160] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 389.

[161] سنن أبي داود، برقم 3224، السنن الكبرى للبيهقي، 4/ 57، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/ 620، وتقدم تخريجه.

[162] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 389.

[163] سورة النساء، الآية: 59.

[164] سورة النساء، الآية: 65.

[165] سورة المائدة، الآية: 50.

[166] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 391.

[167] سورة النساء، الآية: 59.

[168] سورة المائدة، الآية: 50.

[169] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 396.

[170] سورة المائدة، الآية: 44.

[171] سورة الأنفال، الآية: 1.

[172] سورة الحجرات، الآية: 9.

[173] سورة الحجرات، الآيتان: 9- 10.

[174] مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية، 1/ 369- 398.

[175] سورة الأنعام، الآية: 164.

[176] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، 11/ 370، برقم 6757، و ابن حبان في صحيحه، (13/ 340، برقم 5996، وحسن إسناده الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 8/ 394.

[177] سورة النساء، الآية: 60.

[178] سورة المائدة، الآية:44.

[179] سورة المائدة، الآية: 45.

[180] سورة المائدة، الآية: 47.

[181] سورة النساء، الآية: 65.