الحرية الإنسانية بين حضارتنا وحضارتهم

أ. د. عبدالحليم عويس

الحرية الإنسانية بين حضارتنا وحضارتهم


كان الرقُّ ظاهرةً عالميَّة، فَرَضتْ نفسَها على واقع المسلمين يومَ ظهر الإسلام في الأرض، وما كان ممكنًا - عقليًّا أو إنسانيًّا - أن يتركَ الإسلامُ أبناءه يُستَرقون في الحروب، ولا يعامل الأعداء بالمثل.


لكنَّ الإسلام - مع ذلك - وضع مشروعًا هو أفضلُ المشروعات للقضاءِ على ظاهرة الرقِّ والعبوديَّة، وبدأ فورًا بالارتفاعِ بالعبيد في الحقوق الإنسانيَّة (الكرامة الآدميَّة) إلى مستوى الأحرار، لدرجة أنَّ هؤلاءِ العبيد ظلُّوا يصعدون بجهادِهم وتفوُّقِهم الحربي إلى أن أصبحوا رؤساءَ دولٍ تُنسَب إليهم؛ كدولةِ المماليك في الشَّام ومصر، ودولة المماليك في الهند.


فهل وقع مثل هذا في صفحة الحضارة الأوروأمريكية؟!


أجل، لقد كان الإسلام أسبقَ وأزكى من كُلِّ النُّظُم والحضارات؛ حيث قرَّر حقَّ المساواة الإنسانية بين البشر وبين الأحرار والعبيد، إن الناس في الإسلام سواسيةٌ ولا تفاضلَ بينهم؛ فكُلُّهم لآدمَ، وآدمُ من تراب، ولا فرقَ في ذلك بين الرجل والمرأة، والغني والفقير، والعبد والحرِّ، إلا بالعمل الصالح والكفاءات الممتازة، وبما يقدِّمه كُلُّ فردٍ لربِّه، ولإخوانه، ولوطنه.


لقد قضى الإسلام على النزعات القبليَّة والعصبيَّة الجاهليَّة، فلا تفرقةَ بين الطبقات، ولا بين العبيد والأحرار، فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُقرِّب إليه كثيرًا من العبيد، ويقدِّمهم على بعض الصحابة الأحرار، كما كان يُرسِلهم قادةً على الجيوش التي تضم بين صفوفهم خيرةَ الصحابة، دون تفرقةٍ على أساس الحسب أو النسب.


يقول الله - تعالى -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]،ويقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].


ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع : ((أيُّها الناسُ، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، كلُّكم لآدمَ، وآدمُ من ترابٍ، إن أكرمَكم عند الله أتقاكم، ألا لا فضلَ لعربِيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربِيٍّ، ولا لأحمرَ على أبيضَ، ولا أبيضَ على أحمرَ، إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغتُ؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((اللهم فاشهدْ، فليبلِّغ الشاهدُ منكم الغائبَ)).


ويُروى أن أبا ذرٍّ الغِفَاري تَناقَش مرَّة في حضرة النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع عبدٍ زنجي، فاحتدَّ أبو ذرٍّ على العبد، وقال له: "يا بن السوداء"، فغَضِب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال: ((طفَّ الصاع، طفَّ الصاع (أي: زاد الأمر عن حدِّه) ليس لابنِ البيضاء على ابن السوداء فضلٌ إلا بالتقوى أو بعمل صالح))؛ فحَزِن أبو ذرٍّ ووضَع خدَّه على الأرض، وقال للعبد: "قُمْ فَطَأ على خدِّي"؛ فليس في الإسلام إنسانٌ أكرم من آخرَ بفضل حسبه ونسبه، بل الكُلُّ سواسية، ولا تفاضل إلا بالعمل الصالح فقط.

 

وهذا من الناحية الإنسانية البحتة.

 

أمَّا أمام قانون الإسلام، فالمساواةُ قائمة كذلك بين الأحرار والعبيد، قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾[البقرة: 178].


وقال أيضًا: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [المائدة: 45].


وإذا قارنَّا هذا بما فعله الأوروبيُّون والأمريكان مع الأفارقة الأحرار الذين اختطفوا من إفريقيا السوداء، وكيف عُومِلوا على أنّهم عبيد - فور اختطافهم - ثم تعرَّضوا للجوع والقسوة، وأُلقِي كثيرٌ منهم في البحر وهم أحياء نتيجةَ الأمراض وصور الضعف التي لحقتهم، ولو قارنَّا قيمَ الإسلام هذه أيضًا بما فعلتْه الطوائف الزاحفة على أمريكا من أوربا مع الهنود الحمر - (وهم أصل أمريكا) - وكيف قتلتْ منهم نحو عشرين مليونًا، كما قتلتْ من الأفارقة المخطوفين نحو عشرة ملايين، لو قمنا بهذه المقارنة، وتذكَّرنا صور الإبادة الأخرى - لعَرَفنا قيمة ديننا الإسلامي وحضارتنا الإسلامية - دين التسامح، وحضارة الرحمة لكُلِّ العالَمين - وصدق الله في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].