القبلية تمنع أخواتي من الزواج

أ. عائشة الحكمي

القَبَلِيَّة تمنع أخواتي من الزواج

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ في الثلاثينيات مِن عمري، متزوج ولديَّ أولادٌ، مشكلتي أن لديَّ أخوات لم يتزوَّجْنَ، والسببُ أن والدي مُصِرٌّ على تزويجهنَّ مِن جماعتِه وقبيلته، وجماعتُه لا يرغبون في ذلك! وما زال متشددًا في هذا الأمر، علمًا بأنَّ هناك شبابًا مِن قبائلَ أخرى تقدَّمتْ للزواج منهنَّ، لكنه يقابل ذلك بالرفض، دون أخْذِ رأي البنت.


سبَّب هذا لي مشكلةً نفسية كبيرة؛ فأنا متزوِّج مِن جماعتي، وجماعتي لا يُريدون الزواج مِن عندنا، علمًا بأنَّ أخواتي لا يعيبهنَّ شيءٌ، فهنَّ متعلِّمات ومعلمات، وسُمعتهنَّ طيبة، لهذه الأسباب أصبحتُ مقتنعًا بطلاق زوجتي، وكل يوم أفكِّر في هذا!

فماذا ترون؟ وما الحل لهذه المشكلة؟


الجواب

بسم الله الموفق للصواب

وهو المستعان

سلامٌ عليكم، أما بعدُ:

فإنْ أنتَ طلقتَ زوجتك الكريمة لامتناع قومك مِن تزويج أبنائهم مِن أخواتك الكريمات، فقد خالفتَ ما حَكَمَ الله في كتابه؛ إذ يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، فجعل الله - عز وجل - كل نفسٍ رهينةً بمكسبها، بريئةً مِن مَكاسب غيرها، فلا يؤخذ المرءُ بجريرة غيرِه، ولا يعاقَب أحدٌ بذنبِ أحدٍ.


وأما حلُّ هذه المشكلة فيكمُن في مُناصَحة والدك بالحكمة والموعظة الحسنة، بألا يجعل ولايته لبناته عاضلةً لهنَّ، بمنْعِه إياهنَّ مِن الزواج من الأكفاء من خارج القبيلة، لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 232]، "قال أبو جعفر: يعني - تعالى ذكْرُه - بقوله ذلك، ما ذكر في هذه الآية مِن نهي أولياء المرأة عن عضْلِها عن النكاح، يقول: فهذا الذي نهيتكم عنه مِن عضلهنَّ عن النكاح، عظةً مني مَن كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر- يعني يصدق بالله، فيُوحِّده، ويُقر بربوبيته، ﴿ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ يقول: ومَن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب، ليتقي الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته ومنعها مِن نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت لها في نكاحه"؛ "جامع البيان؛ للطبري.


أضِف إلى ذلك ما للاغتراب في الزواج، والبُعد عن القرابة، مِن فوائدَ صحيةٍ، ومَصالح اجتماعية، فقد ورد في "الموسوعة الفقهية" ما نصه: "ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يُستحبُّ فيمَن تختار للنكاح أن تكونَ أجنبيةً مِن الزوج، ولا تكون ذات قرابةٍ قريبةٍ، وقالوا: يُستحب للرجل ألا يتزوج مِن عشيرته؛ لأن ولد الأجنبية يكون أنجب، ولأنه لا يأمن الطلاق، فيُفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحِم المأمور بصلتها".


واستعِنْ بناصحٍ أمينٍ مِن أهل بيتك، أو صديقٍ حميمٍ لوالدك، أو إمام المسجد المجاور لبيت أهلك لمناصَحة والدك، فإن تعنَّتَ وأبى فإنَّ الشرعَ الحنيف قد أباح انتقال الولاية إلى الأبعد إذا غاب الأقرب، و((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع مَن يعول))؛ أخرجه أبو داود.

والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب