صراع الأصهار بين الجاهلية والإسلام

د. ياسر عبدالحسيب رضوان

صراع الأصهار بين الجاهلية والإسلام


مدخل:

شهد التاريخ العربي القديم مجموعة من الصراعات والحروب القبلية التي عُرِفَت بأيام العرب في الجاهلية مثل حرب البسوس بين قبيلتيْ تغلب وبكر ابنيْ ربيعة، وداحس والغبراء بين عبس وذبيان، وغيرهما من الحروب والأيام التي كانت بين قيس فيما بينها، وبينها وكنانة وبينها وتميم، وأيام ضبة وغيرهم من القبائل العربية التي كانت تربطها إلى القرابة النسب والصهر، وما ترتب على ذلك من عداوة بين الأقارب، وتقطيع لأواصر النسب والمصاهرة، وهو أمر امتد لما بعد الإسلام عندما قتل هدبة بن الخشرم العذري زيادة بن زيد العذري، وبينهما قرابة ومصاهرة، وذلك في عصر الدولة الأموية، وإذا كانت هذه الأيام والحروب قد أبرزت معادن الرجال، وتمخضت عن بعض القيم الطيبة، فإن الشعر قد واكب هذه الصراعات وصورها وأرّخ لها، ومنه عرفنا طبيعة الحياة الاجتماعية عند العرب القدامى، ونحن هنا نحاول رصد مظاهر التحول في هذه الصراعات بين الجاهلية والإسلام.


1- في الجاهلية:

حدّث أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن كُليب بن ربيعة أنه " عزّ وساد في ربيعة، فبغى بغيًا شديدًا، وكان هو الذي ينزلهم منازلهم ويُرَحِّلهم، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره، فبلغ من عزّه وبغيه أنه اتخذ جِرْو كلب - كلب صغير - فكان إذا نزل منزلاً به كلأٌ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي، فلا يرعى أحدٌ ذلك الكلأ إلا بإذنه، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه " [1] وقد بلغ من عزته أن ضُرب به المثل، فقيل: "أعزّ من كليب وائل" [2] ولعل هذه العزة والاعتداد بالنفس مع شيء من التسرع وعدم التريث قد كان السبب في مقتله على يد صهره جساس بن مرة في حادثة ناقة البسوس الشهيرة التي تُنسب إلى البسوس خالة جساس عندما جاءته جارة لبني مرة، وخرجت ناقتها الخوارة ترعى في أرض من حِمى كليب الذي رآها ونكرها من بين نوقه، وما كان منه إلا أن أمر غلامه برمي ضرعها بسهم فاختلط لبنها بدمها [3] وعندما رأتها البسوس أنشأت تقول [طويل] [4]:

لَعَمْرِيَ لَوْ أَصْبَحْتُ فِي دَارِ مُنْقِذٍ
وَلَكِنَّنِي أَصْبَحْتُ فِي دَارِ غُرْبَةٍ
فَيَا سَعْدُ لاَ تَغْرُرْ بِنَفْسِكَ وَارْتَحِلْ
لَمَا ضِيمَ سَعْدٌ وَهْوَ جَارٌ لأَبْيَاتِي
مَتَى يَعْدُ فِيهَا الذِّئْبُ يَعْدُ عَلَى شَاتِي
فَإِنَّكَ فِي قَوْمٍ عَنِ الْجَارِ أَمْوَاتِ


فلما سمعها ابن أختها جساس هدّأها أضمر في نفسه العداوة لكليب زوج شقيقته، وعندما واتته الفرصة لم يتوانَ عن قتله ونشبت الحرب الضروس بين تغلب وبكر وتشاءم الناس بالبسوس حتى ضُرب بها المثل فقيل: "أشأم من البسوس" [5] لأن الحرب بين ابنيْ العم تغلب وبكر استمرت زمنًا طويلاً، تعددت فيها الأيام وكثر فيها القتلى من الجانبين، وانبرى المهلهل بن ربيعة أخو كليب للثأر لدم أخيه، وانطلق لسانه بشعره يتوعد فيه بكرًا وفرسانها.


إن أسوأ ما في تلك الحرب ما تمخضت عنه من تقطع أواصر القربى، وانحلال روابط المصاهرة بين أبناء العمومة، فقد كانت جليلة بنت مرة شقيقة جساس زوجةَ كُليب بن ربيعة، ولعلها أكثر أبناء القبيلتين تأثُّرًا بتبعات تلك الحرب، من ذلك أنه عند اجتماع نساء تغلب للمأتم نصحن أخت كليب بترحيل جليلة وطردها من المأتم قائلات لها: " فإن قيامها فيه شماتةٌ وعار علينا عند العرب " [6] فأخرجتها أخت كليب من المأتم، وقالت: " رحلة المعتدي، وفراق الشامت، ويلٌ غدًا لآلِ مُرّة من الكَرّة بعد الكَرّة " [7] وكم تمنت جليلة أن تقول شقيقة زوجها القتيل غير هذا؛ لأنه كيف تشمت الحرة بهتكِ سترها؟ وأنشأت تقول [رمل] [8]:

يَابْنَةَ الأَقْوَامِ إِنْ شِئْتِ فَلا
فَإِذَا أَنْتِ تَبَيَّنْتِ الَّذِي
إِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْتُ امْرِئٍ لِيمَتَ عَلَى
جَلَّ عِنْدِي فِعْلُ جَسَّاسٍ فَيَا
فِعْلُ جَسَّاسٍ عَلَى وَجْدِي بِهِ
تَعْجَلِي بِاللَّوْمِ حَتَّى تَسْأَلِي
يُوجِبُ اللَّوْمَ فَلُومِي وَاعْذُلِي
شَفَقٍ مِنْهَا عَلَيْهِ فَافْعَلِي
حَسْرَتِي عَمَّا انْجَلَتْ أَوْ تَنْجَلِي
قَاطِعٌ ظَهْرِي وَمُدْنٍ أَجَلِي


وهي قصيدة بلغت ستة عشر بيتًا كشفت فيها الشاعرة المصابة عن عِظم مصيبتها التي لم تقف عند حد تقويض بيت زوجيتها، وإنما كانت له تداعيات أشد خطرًا من مجرد ذلك، تقول جليلة:

يَا قَتِيلاً قَوَّضَ الدَّهْرُ بِهِ
هَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُهُ
خَصَّنِي قَتْلُ كُلَيْبٍ بِلَظًى
سَقْفَ بَيْتَيَّ جَمِيعًا مِنْ عَلِ
وَانْثَنَى فِي هَدْمِ بَيْتِي الأَوَّلِ
مِنْ وَرَائِي وَلَظًى مُسْتَقْبِلِي


وإذا كانت هذه الأبيات الثلاثة تصويرًا لواقعها المؤلم ومستقبلها المظلم، فيبدو أنها كانت محبة لزوجها مكبرة له رغم ما بدا من صلفه وغروره، فهي تقول في طريق ذهابها إلى أهلها بعد طردها من المأتم [بسيط] [9]:

يَا عَيْنُ فَابْكِي فَإِنَّ الشَّرَّ قَدْ لاحَا
هَذَا كُلَيْبٌ عَلَى الرَّمْضَاءِ مُنْجَدِلٌ
وَالتَّغْلِبِيُّونَ قَدْ قَامُوا بِنُصْرَتِهِ
قَدْ كَانَ تَاجًا عَلَيْهِمْ فِي مَحَافِلِهِمْ
وَاسْبِلِي دَمْعَكِ الْمَحْزُونَ سَفَّاحَا
بَيْنَ الْخُزَامَى عَلاَهُ الْيَوْمَ أَرْمَاحَا
وَكُنْتُمُ وَجَلاَلِ اللهِ أَوْقَاحَا
وَكَانَ لَيْثَ وَغًى لِلْقِرْنِ طَرَّاحَا


وعندما توجهت إلى ديار أبيها، لقيها أبوها فسألها: " ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثُكْلُ العدد وحزن الأبد، وفقْدُ حليل، وقتل أخٍ عن قليل، وبين ذيْن غرسُ الأحقاد وتفتت الأكباد، فقال لها: أَوَ يَكْفِ ذلك كرمُ الصفح وإغلاءُ الديات؟ فقالت جليلة: أمنية مخدوع وربّ الكعبة! أبِالبُدْن تدع لك تغلب دم ربِّها؟! " [10] وتستمر الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة قُتل فيها رجال، ويُتِّم فيها أطفال، وترملت منها نساءٌ، وعندما أخذ التعب والهلاك من الطرفين كل مأخذ تصالحوا في غيبة المهلهل أخي كليب، وعندما عاد المهلهل حاول بعث أوار الحرب من جديد لكن أحدًا من قومه لم يُجبه إلى ذلك، وانتحى قومه، ومات بعيدًا عنهم.


لقد كانت المرأة محور هذه الحرب الضروس بين ابنيْ العم من تغلب وبكر، ولم تشفع العمومة ولم تشفع المصاهرة كذلك في وأد هذه الحرب في مهدها، وإنما أشعلتها المرأة وهي البسوس خالة جساس بعدما قتل كليب ناقتها واصطلت وحدها بها جليلة بنت مرة زوجة كليب، وشقيقة قاتله، بل ويقال إن الهجرس ابنها من كليب هو الذي أنهى سلسلة القتل بين الطرفين عندما قيل إنه قتل خاله جساس بن مرة ثأرًا لأبيه أعز العرب كليب بن ربيعة، هي التي اصطلت بها وحدها؛ لأن بيتيها جميعًا قد قُوِّضَا بسبب قتل أخيها لزوجها.


2- بعد الإسلام:

ورغم ما جاء به الإسلام الحنيف من سماحة وتهذيب للنفوس، وتقوية للإيمان وغرس لقيم الصفح والعفو عند المقدرة، ورغم ما دعا إليه من نبذ العصبيات الجاهلية، إلا أنه يبدو أن حداثة عهد بعض العرب بالإسلام، أو إطلالة العصبيات الجاهلية برأسها مرة أخرى خاصة في عهد الدولة الأموية، قد أدى إلى ظهور الصراعات والحروب بين الأصهار الذين كانت تربطهم إلى جانب المصاهرة رابطة النسب، وما يكاد القرن الهجري الأول ينتصف حتى وجدنا حربًا ضارية كانت بسبب المرأة بين هُدبة بن الخشرم وزيادة بن زيد العذريين اللذين ينتهي نسبهما عند ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم، كما تربطهما المصاهرة؛ إذ كانت زوجة زيادة بن زيد شقيقة هُدبة بن الخشرم.


وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني سبب هياج الحرب بينهما، وأرجعه إلى مراهنة حوط بن خشرم أخي هدبة زيادة بن زيد على جملين من إبلهما، وتزود كل منهما بما يعينهما على المراهنة من الزاد، وكانت سلمى بنت خشرم أخت حوط وهدبة تحت زيادة، فمالت مع أخيها على زوجها ووهَّنتْ أوعية زوجها وفنيَ ماؤه قبل ماء صاحبه، وتحققت المراهنة لحوط بن خشرم على زوج شقيقته زيادة الذي قال في ذلك [رجز]:

قَدْ جَعَلْتُ نَفْسِيَ فِي أَدِيمِ
ثُمَّ رَمَتْ بِي عُرُضَ الدَّيْمُومِ
مُحَرِّمِ الدِّبَاغِ ذِى هُزُومِ
فِي بَارِحٍ مِنْ وَهَجِ السَّمُومِ

عِنْدَ اطِّلاَعِ وَعْرَةِ النُّجُوم [11]


ويبدو أن هذه القصة قد كانت البداية الحقيقية للصراع بين هذين الحيين من العرب على ما بينهم من قرابة ومصاهرة، فلم ينس زيادة موقف زوجته منه وميلها مع أخيها عليه، وقد حكي محمد بن حبيب [ت 245هـ] [12] بداية دخول الصراع بينهما إلى لحظة القتل، وذكر أن هدبة وقومه وزيادة وقومه كانوا مقبلين من الشام، ولما طُلب مَنْ يسوق الركب تقدم زيادة وساق بهم ساعة ثم ارتجز فقال وعرّضَ بأخت هدبة:

عُوجِي عَلَيْنَا وَارْبَعِي فَاطِمَا
فَعَوَّجَتْ مُطَّرَدًا عُرَاهِمَا
مَا دُونَ أَنْ يُرَى الْبَعِيرُ قَائِمَا
رَسْلاً يَبُذُّ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا


في شعر طويل أغضب هدبة، ولما ساق هدبة قال يرد على زيادة زيعرض بأخته في شعر طويل:

بِاللهِ لاَ يَشْفِي الْفُؤَادَ الْهَائِمَا
وَلاَ اللِّمَامُ دُونَ أَنْ تُفَاغِمَا
تَمْسَاكُكَ اللَّبَّاتِ وَالْمَآكِمَا
وَلاَ الْفِغَامُ دُونَ أَنْ تُفَاقِمَا
وَتَعْلُوَ الْقَوَائِمُ الْقَوَائِمَا


وظل الرجلان يتبادلان الملاحاة والتعريض ببعضهما حتى تحول الأمر إلى الاعتداء بالضرب والإهانة عندما ذهب زيادة ورهط من قومه إلى ديار هدبة، وضربوا أباه وشجوه عشرًا كما وقَّفُوا هدبة بأن جعلوا في ذراعه حزًّا في ذلة ومهانة؛ إذ جعلوه كالحمار الموقَّف الذي تمّ كَيُّ ذراعه، كما أخذوا عمه زفر وحبسوه عندهم، وعندما برِئَ هدبة أخذ رجالاً من قومه وذهبوا إلى زيادة فضربوه بسيوفهم، ثم تركوه ظانين به الموت، فذهبوا عنه وفي الطريق تحسس هدبة أنفه فقد وجده قَدْ جُدِعَ من دفاع زيادة عن نفسه، فرجع إليه هدبة وأجهز عليه، وخلّص عمه، وترتب على قتله زيادة أن قُبضَ عليه وأودع في سجن المدينة وواليها يومئذٍ سعيد بن العاص.


وقد طلب أهل زيادة من الوالي سعيد بن العاص القصاص من القاتل، ورفضوا أي بادرة صلح وقبول للدية التي تقدم بها قوم هدبة تارة وسعيد بن العاص تارة أخرى ورجالات من أشراف المسلمين تارة ثالثة، ولما لم يجد الوالي بدًّا من القصاص أرسل إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان الذي أخذ من هدبة اعترافه الصريح بقتل زيادة، وأمر الخليفة أن يسجن هدبة حتى يبلغ ولي دم القتيل وهو ابن زيادة بن زيد.


عند هذا الحد من سرد قصة هدبة بن الخشرم وزيادة بن زيد لا نجد ذكرًا للمرأة اللهمَّ إلا أن تكون سبب النزاع بين القوم، سواء أكانت بميل ابنة الخشرم لأخيها على زوجها زيادة مما تسبب في خسران هذا الأخير الرهان أو أنها كانت موضوع التعريض الشعري الذي بدأه زيادة بن زيد في رواية ابن حبيب، بيد أن المأساة الحقيقية التي عانتها المرأة في قصة هدبة بن الخشرم هي قصة معاناة زوجته التي ضربت مثلاً نادرًا في وفاء المرأة الشابة لزوجها وقد قُتل عنها، ودعك من فجعة الأم بولدها، فقد يكون في أولادها الباقين تسلية وتلهية عن فقد أحدهم، أما أن تصبر الزوجة على فقد زوجها، فذاك من نوادر الأخبار.


عندما أُخذ هدبة من محبسه إلى مكان القصاص، كانت زوجته تناديه المرة بعد المرة، في وَلَهِ امرأة شابة على زوج سوف يُقتل أمام عينيها دون أن تملك ما ترد به عنه، ولكنه وقد أدرك الفراق الأبدي لم يشأ أن يحرم زوجته الشابة من متعة حياة المرأة حيث الزواج المشروع، فقدم لها نصائحه بمن يمكن أن تتزوج به إذا تزوجت من بعده، يقول هدبة [طويل] [13]:

أَقِلِّي عَلَيَّ اللَّوْمَ يَا أُمَّ بَوْزَعَا
وَعِيشِي حَبِيسًا أَوْ تَفَتَّيْ بِمَاجِدٍ
وَلاَ تَنْكِحِي إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا
كَلِيلاً سِوَى مَا كَانَ مِنْ حَدِّ ضِرْسِهِ
وَلاَ تَجْزَعِي مِمَّا أَصَابَ فَأَوْجَعَا
إِذَا الْقَوْمُ هَشُّوا لِلسَّمَاحِ تَبَرَّعَا
أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
عَلَى الزَّدِ مِبْطَانَ الضُّحَى غَيْرَ أَرْوَعَا


بيد أن المرأة الوفية لزوجها وقد أدركت عمق مشاعره نحوها عمدت إلى جزار، فأخذت مدية وجدعت أنفها وشوهت وجهها ليعلم زوجها أنها لا أرب لها في الرجال من بعده [14] بينما ذكر صاحب الأغاني رواية للنوفللي عن أبيه عن رجل من بني عذرة أنه رأى زوجة هدبة وقد تزوجت من بعده وأنجبت غلامين على ما بها من قبح وخِلقة دميمة شوّهتها هي بيدها من قبل [15] ولسنا نشك في أنها رواية غير صحيحة؛ لأنه لم يذكر اسم الرجل ولا اسم أبيه، ولأن ابن حبيب وهو الأسبق زمنًا من الأصفهاني لم يوردها في أخبار هدبة، بل إن ابن حبيب ذكر لهدبة غلامًا من هذه الزوجة التي لم يتزوج غيرها، وقد أبت إلا أن يكون اسمه هدبة لعلمها مقتل أبيه [16].


وعندما نقارن بين صراع الأصهار هذا بين الجاهلية والإسلام نجد أنه في الجاهلية كان مرتبطًا بالعصبية القبلية والعزة التي انطبع عليها العربي القديم فيما قبل الإسلام، ولم تردع الأعراف القبلية ولا القرابة النسبية أو الصهرية المهلهل عن تماديه في طلب الثأر لأخيه القتيل، مثلما لم تردع تلك القرابة ولا ذلك النسب زيادة بن زيد عن الاعتداء على هدبة بن الخشرم وقومه مرتين، الأولى منهما أنه بدء بالتعريض بأخت هدبة في شعره رغم أنَّ تحته أختًا أخرى لهدبة، والثانية ذهابه وبعض عشيرته إلى ديار هدبة والاعتداء عليه وأبيه وعمه، وهو الاعتداء الذي ترتب عليه أن ذهب هدبة وبعض عشيرته إليه لقتله.


كانت المرأة سببًا في نشوب الصراع بين الفريقين سواء في الجاهلية أو في الإسلام، حيث رأينا البسوس خالة جساس بن مرة تدفعه إلى قتل صهره زوج أخته كليب بن ربيعة في الجاهلية، وكانت فاطمة أخت هدبة سببًا في العداوة بين قومها وقوم زيادة، والفارق بين الموقفين أن أخت هدبة لم يكن لها ذنب في الأمر حيث كانت محل تعريض زوج شقيقتها بها، ومن ثمة فاللائمة تعود عليه هو؛ لأنه لم يرعَ حق زوجته في التعريض بأختها في شعره من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يرعى حق القرابة والمصاهرة، ومن ناحية ثالثة ولعلها الأهمّ وهي أنه لم يكن قد ترى بعد التربية الإسلامية التي تحول بينه وبين الاعتداء على الآخرين، إنْ بالتعريض بامرأة هي شقيقة زوجته، وإن بالاعتداء على هدبة وأهله دون تحكيم ولي الأمر.


وإذا كانت المرأة السبب في نشوب الصراع بين الفريقين في الجاهلية والإسلام، فإنها وحدها هي التي اصطلت بنيران تلك العداوة، فقد رأينا جليلة بنت مرة وهي تشكو تقويض بيتيها، ويزداد الأمر سوءًا عندما قيل إن ابنها الهجرس بن كليب هو الذي قتل خاله جساس بن مرة ثأرًا لأبيه، ثم رأينا زوجة هدبة بن الخشرم تصطلي بنيران العداوة عندما ترملت شابة وجدعة أنفها وشفتيها وجزت شعرها؛ عازفة عن الرجال بعدما فقدت زوجها هدبة بن الخشرم الذي قُتل قصاصًا شرعيًّا؛ اعترافه بقتل ويادة بن زيد.



[1] - الأصفهاني: الأغاني - تحقيق إبراهيم الإبياري 5/ 1678- طبعة دار الشعب - القاهرة 1969م.

[2] - الميداني: مجمع الأمثال - تعليق نعيم زرزور 2/ 50 - دار الكتب العلمية - بيروت.

[3] - الأصفهاني: الأغاني - السابق - 5/ 1680.

[4] - الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب - تصحيح وضبط محمد بهجة الأثري 2/ 151- دار الكتب العلمية، وهي سبعة أبيات عند بشير يموت في كتابه: شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام ص 36- ط1/ 1934م - المكتبة الأهلية - بيروت، ومطلع البيت الأول فيه: لعمرُكَ لو أصبحت في دار منقذٍ.

[5] - الميداني: مجمع الأمثال - السابق - 1/ 473.

[6] - الأصفهاني: الأغاني 5/ 1706.

[7] - السابق الموضع نفسه.

[8] - السابق 5/ 1707، وانظر: بشير يموت: شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام ص 37- 38.

[9] - بشير يموت: شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام ص 38.

[10] - الأصفهاني: الأغاني 5/ 1706.

[11] - الأصفهاني: الأغاني - الهيئة المصرية العامة للكتاب 21/ 255– ط3/ 2001م.

[12] - محمد بن حبيب: أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام وأسماء من قُتِل من الشعراء - تحقيق عبد السلام هارون - ضمن كتاب نوادر المخطوطات 2/ 274- 277- ط1/ 1991م - دار الجيل - بيروت.

[13] - محمد بن حبيب: أسماء المغتالين من الأشراف - سابق - 2/ 279.

[14] - السابق 2/ 280.

[15] - الأصفهاني: الأغاني 21/ 270.

[16] - ابن حبيب: أسماء المغتالين من الأشراف 2/ 277.