العصبية القبلية

د. هند بنت مصطفى شريفي

العصبية القبلية


إن التعصب لشخص أو قوم أو حزب أو جماعة أو فكرة قديمة، ظاهرة موجودة في مختلف المجتمعات البشرية، ومن مختلف مستوياتها، وهذه الظاهرة تمثل انحرافاً مرضيًّا حين لا تكون ذات مضمون أخلاقي كريم، كالانتصار لحزب الله ولجماعة المؤمنين فيما يدعون إليه من الحق، على أنها حينئذ لا تسمى تعصباً، بل هي ثبات على الحق وانتصار له[1].


والتعصب لأسباب جاهلية، من أسباب الصدود عن دين الحق، حين يبتلى به الإنسان، فيعمي بصره عن رؤية الحق، ويغشى على قلبه، فلا يرى حسنا إلا ما حسن في رأيه، ولا صواباً إلا ما ذهب إليه هو أو من يتعصب له[2].


وطريق التعصب هو الصد عن معرفة دليل المخالف، أو الاستماع إليه، أو اعتباره في النظر بأي وجه من الاعتبار[3].


وقد يكون منشأ التعصب، الصراعات القديمة والتنافس القبلي الجاهلي، فيتعصب الإنسان لقومه أو قبيلته، ويناصرها بالباطل، ولو ظهر أن الحق مخالف للجهة التي يتعصب لها.


ويظهر هذا الداء بجلاء في قصة استماع أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه -وذلك قبل إسلامه- وأبي جهل والأخنس بن شريق، إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ثم تلاومهم على ذلك، وما تلى ذلك من سؤال الأخنس لأبي جهل(يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال له أبو جهل: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا بالركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه)[4].


كما روي أنه قيل لأبي جهل في مسيره لغزوة بدر: ( أرأيت مسيرك إلى محمد، أتعلم أنه نبي؟ قال: نعم، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف)[5]، فهذا طاغوت مكة لا ينكر النبوة، لكنه يرفضها، لأنها لم تكن في بيته، فهو يرفض أن يكون تابعا لمنافسه في الرياسة والشرف[6].


وقد تنشأ العصبية نتيجة (محبة الأهل والأقارب والعشيرة، يرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم، أبعدوه وطردوه عنهم وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاء خلق كثير على الكفر بين أقوامهم وأهاليهم وعشائرهم)[7].


وممن اشتهر بحب قومه أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه، حتى وصفه ابن اسحق بقوله:(وكان أبو سفيان رجلاً حليماً منكَراً[8]، يحب قومه حبا شديدا)[9]، ومما يدل على حبه لقومه وحميته ما روي من: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي جهل وأبي سفيان وهما جالسان، فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس. فقال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي؟ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع. فأتاهما فقال: ((أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت، ولكنك حميت للأصل..))[10].


وقد عبَّر أبو سفيان عن حبه لقومه وحدبه عليهم، في حرصه على أخذ الأمان لهم قبل الفتح، ثم مناشدته الرسول صلى الله عليه وسلم الإبقاء على قريش وحقن دمائهم، لما اعترضوا جيش المسلمين مع أوباشهم، وكثر القتلى منهم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:(يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم)،[11] وذلك رأفة بعشيرته أن تقتل وتفنى.


ويبلغ التعصب مبلغا عجيبا، فحتى في حال الهزيمة، تبقى جذوة العصبية متوقدة، كما قال صفوان بن أمية لأخيه من أمه جَبَلة - أو كلدة - بن الحنبل- وهما مشركان في المدة التي جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم لصفوان - حين رأى انهزام المسلمين في حنين: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يرُبَّني رجل من قريش، أحب إلي من أن يرُبَّني رجل من هوازن. وذلك بعد قول جبلة: ألا بطل السحر اليوم[12].


وقد أبلغ النبي صلى الله عليه وسلم قومه غاية البلاغ، حين فاصلهم على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة، هو حياة الصلة بينه بينهم، وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب، ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله[13]، وذلك حين أنزل عليه قوله تعالى ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[14] فقال: (( يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً))[15].


ثم أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن بعد الفتح زوال هذه العصبية، وإحلال أخوة الإسلام، والتناصر والتعاون على البر والتقوى محلها، وذلك في قوله:((لا حلف في الإسلام))[16].



[1] بتصرف، بصائر للمسلم المعاصر ص 117.

[2] بتصرف، مقدمة في اختلاف المسلمين وتفرقهم ص 83.

[3] المرجع السابق ص 85.

[4] سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 1 /338، وانظر البداية والنهاية 3 /94.

[5] المصنف: ابن أبي شيبة 14 /373 ح 18543.

[6] بتصرف، السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة: محمد الصوياني ص 136، مطابع شركة الصفحات الذهبية الرياض، ط:1، 1412هـ.

[7] مفتاح دار السعادة 1 /97.

[8] رجل منكر: أي داهٍ، والنكارة: الدهاء، ويقال للرجل إذا كان فطنا منكرا: ما أشد مكره. الصحاح فصل النون باب الراء 2 /837.

[9] سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 2 /22.

[10] البداية والنهاية 3 /65، وقال الحافظ بعد إيراد الحديث: هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة.

[11] سبق تخريجه ص 125.

[12] بتصرف، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4 /72. ويربني :أي يكون لي ربَّا أو ملكا علي.

[13] بتصرف، فقه السيرة: الشيخ محمد الغزالي ص 101.

[14] سورة الشعراء آية 214.

[15] صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن سورة الشعراء باب ولا تخزني يوم يبعثون 6 /16، واللفظ له، وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب في قوله تعالى ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، 1 /192.

[16] سبق تخريجه ص 143.