الفتوى رقم (10)

المفتي : الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
المصدر : فتوى للشيخ ابن جبرين. انظر: الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية، (ص1346- 1347).

س: يرى البعض أن التفاخر بالأنساب شيء محمود؛ ويستدلون لذلك بقوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعَام: 165]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))[1] ؛ فما رأيكم في ذلك ؟ أفتونا مأجورين.

ـــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (2276)، والترمذي (3605)، من حديث واثلةَ بن الأسقع رضي الله عنه.
ج: هذا ليس بصحيح على الإطلاق؛ فإن الفخر بمجرد النسب لايجوز، وقد ورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ))[1]؛ فالفخر بالأحساب من أمور الجاهلية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ))[2]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ))[3]؛ وهذا ذم للفخر بالأحساب، وذلك أن الإنسان إنما يشرف بأفعاله، ولا ينفعه شرف آبائه وأجداده، وقد قال الشاعر:
إذا   افْتَخَرْتَ   بأَقْوَامٍ    لَهُمْ    شَرَفٌ        قُلْنَا صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا!![4]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))[5] ، وأما الآية الكريمة، فالمراد بالدرجات: الفضائل الظاهرة؛ كالعلم، والزهد، والعبادة، والجود، والشجاعة؛ وما أشبهها، فإن الله يرفع أهلها في الدنيا، وفي الآخرة؛ لقول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجَادلة: 11]، وأما الحديث، فالمراد: أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم اصطفاه الله من أشرف العرب وأشهرهم، حتى يكون أقوى لمعنويته، وأقرب إلى تصديقه واتباعه، إذا عُرف أنه من قبيلة لها شهرة، ولها مكانة مرموقة؛ فإن ذلك أقرب إلى أن يكون محل صدق وأمانة، ومع ذلك فإن هذا الشرف لم ينفع بقية قبيلته، كأعمامه الذين حُرموا من متابعته، ومنهم عمه أبو لهب، الذي قال الله فيه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *}[المَسَد: 1]؛ وفيه يقول الشاعر:
لَعَمْرُكَ    مَا    الإِنْسَانُ    إِلاَّ    بِدِينِهِ        فَلاَ تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً  عَلَى  النَّسَبْ
فَقَدْ  رَفَعَ   الإِسْلاَمُ   سَلْمَانَ   فَارِسٍ        وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبْ[6]
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
ـــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أحمد (2739)، وابن حبان (5775)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بإسناد صحيح.
[2] جزء من حديث أخرجه أبو داود (5116)، والترمذي (3956)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه مسلم (934)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
[4] البيت لابن الرومي؛ انظر: "الصناعتين" لأبي هلال العسكري (ص99).
[5] جزء من حديث أخرجه مسلم (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] البيتان منسوبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: "الفقيه والمتفقّه" للبغدادي (2/246)، و"محاضرات الأدباء" للأصفهاني (1/340).