الفتوى رقم (14)

المفتي : الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
المصدر : فتوى للشيخ ابن جبرين. انظر: الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية، (ص1613- 1615).

س: يوجد في بعض المجتمعات العربية تقسيم اجتماعي للناس، وبخاصة عندنا في اليمن، حيث يوجد السادة (الأشراف)، والقبائل، والضَّعَفة (العبيد والخدم ونحوهم)، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ وهل له أصل في الشرع؟

ج: هذه التقاسيم لا أصل لها في الشرع؛ وذلك لأن الإسلام سوَّى بين الناس من حيث الأنساب والقبائل، وجعل تفاضلهم بالأعمال الصالحة، وإنما جعلت هذه الأنساب للتعارف؛ كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرَات: 13]، فالناس يعرفون قبائلهم وأجدادهم، وينتسبون إليهم لأجل أن يُعْرَفُوا، لا ليفتخروا ولا ليعتزُّوا، فإنما الفخر بتقوى الله؛ فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ، ولا لأَِسْوَدَ على أَحْمَرَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى))[1]، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أكرَمُ؟ فقال: ((أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ))، ثم قال: ((خِيَارُهُمْ فِي الجاهليَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقِهُوا))[2]، ومعنى ذلك: أن الذين يُمْدَحون في الجاهلية بالكرم والشجاعة، والفضل والخير، والنفع العام، إذا تفقهوا في دين الإسلام، فهم من خيار الناس، ويفضلون على من دونهم؛ كأهل البخل والجبن، ومساوئ الأخلاق، وقد روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((لَيَنْتَهيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا؛ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونَنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ؛ إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ))[3]، وروى الترمذي عن سَمُرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى)) [4]، وعن واثلة قال: قلت: يا رسول الله، ما العصبَّية؟ قال: ((أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ))[5]، وقال أيضًا: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ))[6]، وروى الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيْسَ لأَِحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلاَّ بِدِينٍ وَتَقْوَى))[7]، ولا شك أن الافتخار بالآباء والأجداد لا يغني شيئًا في الأولاد والأحفاد، إذا لم يتخلقوا بأخلاق آبائهم؛ كما قال الشاعر:
إِذَا   افْتَخَرْتَ   بِأَقْوَامٍ    لَهُمْ    شَرَفٌ        قُلْنَا صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا!![8]
ونقل عن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين؛ أنه بكى مرة من خشية الله حتى أُغمي عليه، فقال له بعض تلاميذه: إنك من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بأن الله تعالى يرفع كل تقي ولو كان عبدًا حبشيًّا، ويضع كل عاص ولو كان شريفًا قرشيًّا، ومن ذلك قول الشاعر:
فَقَدْ  رَفَعَ   الإِسْلاَمُ   سَلْمَانَ   فَارِسٍ        وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبْ[9]
ـــــــــــــــــــــــ
[1] رواه ابن المبارك في "مسنده" (239)، وأحمد (23885).
[2] متفق عليه من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (4689)، ومسلم (2378).
[3] أخرجه أحمد (2739)، وابن حبان (5775)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بإسناد صحيح.
[4] أخرجه أحمد (20362)، والترمذي (3271)، وابن ماجه (4219)، والحاكم (2/163).
[5] أخرجه أبو داود (5119)، والطبراني في "الكبير" (236).
[6] أخرجه أبو داود (5121)، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه.
[7] أخرجه أحمد (17583)، والطبراني في "الكبير" (17/ رقم 814)، من حديث عقبة ابن عامر رضي الله عنه.
[8] البيت لابن الرومي؛ انظر: "الصناعتين" لأبي هلال العسكري (ص99).
[9] البيتان منسوبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: "الفقيه والمتفقّه" للبغدادي (2/246)، و"محاضرات الأدباء" للأصفهاني (1/340).