الفتوى رقم (16)

المفتي : الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
المصدر : فتوى للشيخ ابن جبرين. انظر: الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية، (ص1616- 1617).

س: هل لطبقة السادة (الأشراف الهاشميين) مزية على غيرهم من عامة المسلمين؟ حيث إن البعض يعظمهم إلى درجة التقديس، وما هو الحق الواجب لهم على غيرهم في التعامل معهم؟

ج: كان لهم مزية في العهد النبوي، وما قرب منه؛ حيث منعهم من أخذ الزكاة؛ لأنها أوساخ الناس، ولكن هذه المزية قد ضعفت في هذا العهد؛ وذلك لبعدهم عن النسب الهاشمي، فإن أولئك كانوا يجتمعون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجَدِّ الثالث، أو نحوه، وهؤلاء إنما يجتمعون به بعد ثلاثين جَدًّا أو أربعين، فضعفت تلك المزية، والظاهر: أنها تحل لهم الزكاة إذا كانوا فقراء أو غارمين، وأما تعظيمهم وتقديسهم فلا يجوز ذلك، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من يعظِّمه، كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال له رجل: يا خير البرية، فقال: ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ))[1] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُاللهِ وَرَسُولُهُ)) [2]، وكان دائمًا يتواضع ويقول: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْدُ)) [3]، ولما أن بعض الأعراب أظهر له هيبة نهاه عن ذلك وقال: ((إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ القَدِيدَ)) [4]، واختار أن يوصف بأنه عبد ورسول؛ وكل ذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التواضع، ولا شك أن من يدَّعون أنهم من الهاشميين في دعواهم نظر؛ وذلك لبعد النسب، ولاختلاط الأنساب في القرون الماضية، ولأن كثيرًا من العرب قد يريدون الشرف؛ فيدَّعون أنهم من بني هاشم، ويصدِّقهم الناس؛ فعلى هذا لا يجوز تعظيمهم ولا تقديسهم، وإنما هم كسائر الناس، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي.
لَعَمْرُكَ     مَا     الإِنْسَانُ     إلا     بِدِينِهِ        فَلاَ تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ[5].
ــــــــــــــــــــــ
[1] ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (1/488)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/247)، وفي تاريخ أصبهان (1/128).
[2] أخرجه البخاري (3445 و6830) في سياق طويل، من حديث عمر رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (1691) مختصرًا.
[3] أخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي (ص)" (614)، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. وبرقم (617)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
[4] أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (1/23) مرسلاً عن قيس بن أبي حازم. وسئل عنه الدارقطني في "العلل" (1063) من رواية قيس عن أبي مسعود متصلاً؟ فأجاب بذكر طرقه، ورجَّح المرسل.
[5] البيتان منسوبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: "الفقيه والمتفقّه" للبغدادي (2/246)، ومحاضرات الأدباء" للأصفهاني (1/340).